أول ذلك أن يعتقد العبد أن أول نعمة أنعم الله تعالى على العبد أن كتب الإيمان في قلبه
فنقول: أول ذلك أن يعتقد العبد أن أول نعمة أنعم الله تعالى على العبد أن كَتب الإيمان في قلبه.
وقالت الأشعرية والمعتزلة: أول نعمة أنعمها الله على العبد أن خلقه حيًّا، وقالت طائفة أخرى من الأشعرية: أول نعمة أنعم الله على العبد إدراك اللذات ونيل الشهوات.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧]، وكذلك قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ كُتِبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانُ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، فوجه الدلالة أن الله تعالى بدأ بذكر الإيمان، فدلّ على أنه أول نعمة أنعم على العباد، ولأن القرآن نزل بلغة العرب، والعرب من شأنها أن تبدأ بالأهم فالأهم.
دليلٌ ثاني: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة، فألقى عليهم شيئًا من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن لم يصبه ذلك النور كان ضالًا مضلًا».
ومنه قوله تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥ - آل عمران: ٧٤]، قال المفسرون منهم عبدالله بن عباس وغيره: يعني يختص بدين الإسلام من يشاء، فجعل ذلك خصوصية، فدلّ ذلك على أنه أول نعمة.
والدلالة على فساد مذهبهم، وأن الحياة لو كانت بمجردها نعمة لكانت حياة أهل النار في النار نعمة عليهم، فَلَمَّا لم يثبت أنها نعمة عليهم، فدل على أن الحياة بمجردها ليست نعمة.
والدلالة على فساد مذهب الأشعرية هو أنَّا نَجد النِّعم فِي نيل الشهوات واللذات مستدرجة في قوله تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: ١٨٢، القلم: ٤٤]، جاء في التفسير أنهم كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة، ومنه قوله تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} {نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: ٥٥-٥٦]، وإذا بطل هذان القسمان يثبُت ما قلنا.