فَصْلٌ
في كون أن القرآن منه بدء وإليه يعود خلافًا للأشعرية في إنكارهم ذلك.
دليلنا قوله تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾[الواقعة: ٨٠]، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾[فاطر: ١٠] إلى غير ذلك من الآيات الدالة عليه.
دليلٌ ثاني: ما روى ابن مالك القطيعي بإسناده عن عطية بن قيس عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما تكلم العباد بكلام أحب إلى الله تعالى من كلامه، ولا رفع إليه كلام أحب إليه من كلامه».
دليلٌ ثالث: روى أحمد رحمه الله عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال: «القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود».
دليلٌ رابع: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «خيركم من حفظ القرآن ومن حفظ كتاب الله وعمل به وعلمه الناس، لأنه كلام الله تعالى منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود ومن قال مخلوق فهو كافر ملعون».
دليلٌ خامس: ما روي عن ابن مسعود أنه قال: أقرأني رسول الله ﷺ آية فأثبتها في مصحفي، فلما كان في الليلة جئت حتى أقرأها فلم أقدر على قرأتها، فعدت إلى المصحف فوجدت مكان الآية بياضاً، فأخبرت بذلك النبي ﷺ فقال: «أما علمت أنها رُفعت البارحة».
دليلٌ سادس: ما روي عن ابن مسعود أنه قال: «اقرءوا القرآن قبل أن لا تقدروا على آية منه»، قيل له: وكيف يكون ذلك يا ابن مسعود ونحن نعلمه أبنائنا، وأبناؤنا يعلمون أبناءهم، فقال: «يُسْرَى عليه في ليلة فينسخ من صدور الرجال والمصاحف فيصبح الناس كالبهائم لا يقدرون على آية منه».
والذي يدل على صحة هذا قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، والنسخ عبارة عن الرفع إذ هو الرفع والإزالة.
وقد أجمع المفسرون: على أن من القرآن ما نُسِخَ خطه وحكمه، وهذا معنى قولنا «وإليه يعود»، وكل مقالة حدثت بعد انعقاد الإجماع لا يلتفت إليها لكونها حدثت بعد انعقاد الإجماع.
دليلٌ سابع: هو أنه قد ثبت من مذهبنا أن القرآن مُنْزَل، وقد دلت الدلالة على صحة ذلك، وهذا معنى قولنا منه بدأ، وإذا ثبت أنه منه بدأ ثبت أنه إليه يعود؛ لأنه سبحانه وتعالى قال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣].
وأنكر الأشعري لفظة «منه بدأ وإليه يعود»، وذلك لأن عنده وعلى رأيه ليس معنا قرآن حتى يقال منه بدأ وإليه يعود، فلا يعود إلى الله شيء لما ذكره.
واحتج المخالف بأن قال: قد أجمعنا نحن وأنتم على أن القرآن قديم وما كان قديماً، فكيف يكون له بداية.
والجواب: هو أنَّا نقول أن البداية للتنزيل لا للتكلم؛ لأن الله تعالى تكلم بالقرآن في القِدَم، ولما بعث محمد ﷺ أنزله عليه كما سبق ذكره.
واحتج المخالف أيضاً: بأن قال كيف يتصور عود الكلام إلى الله سبحانه وهو غير مُنفصل عنه.
والجواب: هو أنَّا نقول إن كلامه سبحانه وتعالى متصل به ومتصل بنا، ولا يُمتنع أن يوصف بالعود إليه وغير منفصل عنه، كما أنَّ نور الشمس متصل بنا ومتصل بها، وهو يعود إليها عند الغروب، وكذلك نور القمر وغيره من الأنوار، وكذلك إن نظر الناظر إلى شيء فإن شعاعاً من عينه متصل بالمرئي، وإذا غمض بصره عاد ذلك الشعاع إلى العين.