مارس 2026

دعاء النبي ﷺ لآل ياسر

دعاء النبي ﷺ لآل ياسر

وَعَن عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: انْطَلَقت مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ آخذ بيَدي فسرنا بالبطحاء حَتَّى انتهينا إِلَى عمار وَأمه وَأَبِيهِ وهم يُعَذبُونَ فِي الله، فَقَالَ عمار: يَا رَسُول الله الدُّنْيَا هَكَذَا، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: اللَّهُمَّ اغْفِر لآل يَاسر وَقد فعلت.

وَقَالَ مُجَاهِد: أول من أظهر الْإِسْلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَبُو بكر وعمار بن يَاسر، وخباب بن الْأَرَت، وصهيب وبلال وَسُميَّة أم عمار، فَأَما النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمَنعه الله بِعَمِّهِ، وَأما أَبُو بكر فَمَنعه الله بقَوْمه، وَأما الْآخرُونَ فَأَخَذُوهُمْ فصهروهم فِي الشَّمْس وألبسوهم أَدْرَاع الْحَدِيد فَكل أعْطى الَّذِي دعِي إِلَيْهِ من الْفِتْنَة إِلَّا بِلَالًا هَانَتْ عَلَيْهِ نَفسه لله وَهَان على قومه فَجعل يَقُول: أحد أحد إِلَه مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَمَّا أعياهم جعلُوا فِي عُنُقه حبلا وَجعلُوا يطوفون بِهِ مَكَّة، وَجَاء أَبُو جهل إِلَى سميَّة فَجعل يعنفها ووجأ فِي قَلبهَا بِحَرْبَة فَهِيَ أول من اسْتشْهد فِي الْإِسْلَام.

وَعَن أنس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: ثَلَاثَة من كن فِيهِ وجد حلاوة الْإِيمَان: من كَانَ الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، وَالْعَبْد يحب العَبْد لَا يُحِبهُ إِلَّا لله، وَالرجل أن يلقى فِي النَّار أحب إِلَيْهِ من أَن يرجع يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا.

قصة الملك الذي كان يفتن الناس بأكل الخنزير

قصة الملك الذي كان يفتن الناس بأكل الخنزير

وَكَانَ فِي بني إِسْرَائِيل ملك يفتن النَّاس على أكل لحم الْخِنْزِير فَأُتي بِامْرَأَة يُقَال لَهَا سارة وبسبع بَنِينَ لَهَا فَدَعَا أكبرهم فَقرب إِلَيْهِ خنزيرا، فَقَالَ: مَا كنت لآكل شَيْئا حرمه الله عليَّ أبدا، فَأمر بِهِ فَقطع يَده وَرجله عضوا عضوا حَتَّى قَتله ثمَّ دَعَا بِالَّذِي يَلِيهِ، فَقَالَ: كل، فَقَالَ: مَا كنت لآكل شَيْئا حرمه الله عليَّ أبدا، فَأمر بِقدر نُحَاس فملئت زيتا ثمَّ أغليت حَتَّى إِذا غلت أَلْقَاهُ فِيهَا حَتَّى قَتله ودعا بِالَّذِي يَلِيهِ، فَقَالَ لَهُ: كل، فَقَالَ: أَنْت أذلّ وَأَقل وأهون على الله من أَن آكل شَيْئا حرمه الله عليَّ أبدا، فَضَحِك الْملك وَقَالَ: تعلمُونَ مَا أَرَادَ بشتمه إيَّايَ؟ أَرَادَ أَن يغضبني فأعجل عَلَيْهِ فِي قَتله وليخطئنه ذَلِك، فَأمر بحز جلد عُنُقه، ثمَّ أَمر بِهِ أَن يسلخ جلد رَأسه فسلخوه سلخا، فَلم يزل يقتل كل وَاحِد مِنْهُم بقتل غير قتل أَخِيه حَتَّى أبقى أَصْغَرهم فَالْتَفت إِلَيْهِ وَإِلَى أمه فَقَالَ لَهَا الْملك: لقد رَأَيْت مَا رَأَيْت فانطلقي بابنك هَذَا فاخلى بِهِ وراوديه أَن يَأْكُل لقْمَة وَاحِدَة فيعيش لَك، قَالَت: نعم، فخلت بِهِ، فَقَالَت لَهُ: اعْلَم ابْني أَنه كَانَ لي على كل رجل من إخْوَتك حق ولي عَلَيْك حقان، وَذَلِكَ أَنِّي أرضعت كل أَخ من إخْوَتك حَوْلَيْنِ، فأرضعتك أَنْت أَرْبَعَة أَحْوَال لِأَن أَبَاك مَاتَ وَأَنا حُبْلَى بك، فنفست بك وَخرجت ضَعِيفا، فرحمتك لضعفك فأسألك بِاللَّه وبحقي عَلَيْك أَلا مَا صبرت وَلم تَأْكُل شَيْئا حرمه الله عَلَيْك، وَلَا ألْقي إخْوَتك يَوْم الْقِيَامَة وَلست مَعَهم، فَقَالَ: الْحَمد الَّذِي أسمعني هَذَا مِنْك فَإِنَّمَا كنت أَخَاف أَن تراوديني على أكله، ثمَّ جَاءَت بِهِ إِلَى الْملك فَقَالَت: قد راودته وعزمت عَلَيْهِ، فَأمره الْملك أَن يَأْكُل، فَقَالَ: مَا كنت لآكل شَيْئا حرمه الله عليَّ، فَقتله وألحقه بإخوته، ثمَّ قَالَ لأمهم: إِنِّي قد رثيت لَك مَا رَأَيْت الْيَوْم، كلي لقْمَة وَاحِدَة، وَأَنا أصنع بك مَا أَحْبَبْت وأفوض إِلَيْك مَا تعيشين بِهِ بَقِيَّة عمرك، فَقَالَ: أجمع ثكل أَوْلَادِي ومعصية الله، تبَارك وَتَعَالَى فَلَا أُبَالِي أَن أعيش بعدهمْ، فَرَاوَدَهَا فَلم تجبه فَقَتلهَا.

نهى عمر بن الخطاب عن مجالسة أهل القدر

نهى عمر بن الخطاب عن مجالسة أهل القدر

وَقَالَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لَا تجالسوا أهل الْقدر وَلَا تفاتحوهم الْكَلَام، وَقيل لِابْنِ عمر: إِن نجدة يَقُول كَذَا وَكَذَا، فَجعل لَا يستمع مِنْهُ كَرَاهِيَة ان يَقع فِي قلبه مِنْهُ شَيْء.

وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز رَحْمَة الله عَلَيْهِ فِي المكذبة بِالْقدرِ: يَنْبَغِي أَن يستتابوا فَإِن تَابُوا وَإِلَّا نفوا من دَار الْمُسلمين، وَقَالَ أَيْضا: أرى أَيْضا أَن يجاهدوا على وَجه الْبَغي ونرى أَيْضا قَتلهمْ إِلَّا أَن يتوبوا.

وَجَاء رجل إِلَى حُذَيْفَة فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الله أكفرت بَنو إِسْرَائِيل فِي يَوْم وَاحِد؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن كَانَت تعرض عَلَيْهِم الْفِتْنَة فيأبونها فيكرهون عَلَيْهَا حَتَّى يدخلُوا فِيهَا ثمَّ تعرض عَلَيْهِم أكبر مِنْهَا فيأبونها فيضربون عَلَيْهَا حَتَّى يدخلُوا فِيهَا ثمَّ تعرض عَلَيْهِم أكبر مِنْهَا فيأبونها فيضربون عَلَيْهَا وَيَقُولُونَ: وَالله لَا ندخل فِي هَذِه أبدا، فيضربون عَلَيْهَا حَتَّى يدخلُوا فِيهَا حَتَّى انسلخوا من دينهم كَمَا يَنْسَلِخ أحدكُم من قَمِيصه.

وَقَالَ ابْن مَسْعُود: سلوا الله الْعَافِيَة فلستم بأصحاب بلَاء إِذْ كَانَ الرجل من قبلكُمْ يوضع الْمِنْشَار على رَأسه بِالْكَلِمَةِ يَقُولهَا فَلَا يَقُولهَا فَيشق بِاثْنَيْنِ، وَأخذ مُسَيْلمَة رجلَيْنِ من أصحاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لأَحَدهمَا: أَتَشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدا رسول الله؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فَتشهد أَني رَسُول الله؟ قَالَ: إِنِّي أَصمّ، فَقتله، فَقَالَ للْآخر: أَتَشهد أَن مُحَمَّدا رسول الله؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فَتشهد أَنِّي رَسُول الله؟ قَالَ: نعم، فَخَلَّاهُ، فَذكر ذَلِك للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: أما الأول فَأخذ بِالْفَضْلِ فآتاه الله إِيَّاه، وَأما الآخر فَأخذ بِرُخْصَة الله فَلَا تبعة عَلَيْهِ، وَقَالَ مُجَاهِد: اجْعَل مَالك جنَّة دون دينك، وَلَا تجْعَل دينك جنَّة دون مَالك.

قول يحيى بن كثير: السنة تقضي على القرآن، ولا يقضي القرآن على السنة

قول يحيى بن كثير: السنة تقضي على القرآن، ولا يقضي القرآن على السنة

وَقَالَ يحيى بن كثير: السّنة تقضي على الْقُرْآن، وَلَا يقْضي الْقُرْآن على السّنة، وَقَالَ مُجَاهِد: لَا تجالسوا أهل الْأَهْوَاء فَإِن لَهُم غرَّة كغرة الجرب، وَقَالَ خُصيف: أشهد أَن فِي التَّوْرَاة: أَن يَا مُوسَى لَا تخاصم أهل الْأَهْوَاء فَيَقَع فِي قَلْبك شَيْء فيدخلك النَّار.

قوله ﷺ لابن عباس (هات اللقط)

قوله ﷺ لابن عباس (هات اللقط)

وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام غَدَاة الْعقبَة لِابْنِ عَبَّاس: هَات اللقط لي، فلقط لَهُ ثَلَاث حَصَيَات من حصا الْخذف، وَقَالَ: بأمثال هَؤُلَاءِ وَإِيَّاكُم والغلو فِي الدّين، إِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ بالغلو فِي الدّين.

قصة الشاب الإسرائيلي الذي غوى الناس

قصة الشاب الإسرائيلي الذي غوى الناس

وَقَالَ خَالِد الربعِي: بَلغنِي أَنه كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل شَاب قد قَرَأَ كتابا وَعلم علما وَأَنه كَانَ مغمورا فيهم وَأَنه طلب بقرَاءَته الشّرف وَالْمَال فابتدع بدعا أدْرك الشّرف وَالْمَال فِي الدُّنْيَا حَتَّى أَمن بِهِ وَهُوَ كَذَلِك، قَالَ: فتفكر لَيْلَة وَهُوَ على فرَاشه فَقَالَ فِي نَفسه: هَب هَؤُلَاءِ النَّاس لَا يعلمُونَ مَا ابتدعت أَلَيْسَ الله يعلم وَقد اقْترب أجلي فَلَو أَني تبت، فَبلغ من اجْتِهَاده فِي التَّوْبَة أَن خرق ترقوته فَجعل فِيهَا سلسلة ثمَّ أوثقها إِلَى آسِيَة من أواسي الْمَسْجِد، وَقَالَ: لَا يزَال هَذَا مَكَاني حَتَّى ينزل الله لي تَوْبَة أَو أَمُوت مَكَاني هَا هُنَا، قَالَ: فَأوحى الله عز وَجل فِي شَأْنه: إِنَّك لَو أصبت ذَنبا فِيمَا بيني وَبَيْنك بَالغا مَا بلغ تبت عَلَيْك وَلَكِن كَيفَ بعبادي الَّذين أضللت؟ مَاتُوا فَدَخَلُوا جَهَنَّم، وَلَا أَتُوب عَلَيْك.

باب ذكر الجماعة والنصيحة في الدين

بَاب ذكر الْجَمَاعَة والنصيحة فِي الدّين

قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من فَارق الْجَمَاعَة قيد شبر فقد خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: يَد الله على الْجَمَاعَة فَمن شَذَّ مِنْهَا شَذَّ مَعَ الشَّيْطَان وَعصى الله وَرَسُوله، وَقَالَ حُذَيْفَة: يَد الله على الْجَمَاعَة شَذَّ من شَذَّ عَنْهَا، وَعَن تَمِيم الداري عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِنَّمَا الدّين النَّصِيحَة، قَالُوا: لمن يَا رَسُول الله؟ قَالَ: لله ولكتابه وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين ولعامتهم، وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن الدّين النَّصِيحَة، قَالُوا: لمن يَا رَسُول الله؟ قَالَ: لله ولكتابه وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين ولعامتهم.

وَاعْلَمُوا رحمكم الله أَن أفضل مَا تمسك بِهِ الْعباد مَا جَاءَ بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ هَذَا الدّين، وبالنصيحة لله جَاءَت المُرْسَلُونَ، قَالَ نوح صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: {وأنصح لكم} وَقَالَ هود: {وَأَنا لكم نَاصح أَمِين} وَقَالَ صَالح عَلَيْهِ السَّلَام: {وَنَصَحْت لكم وَلَكِن لَا تحبون الناصحين}.

وبلغنا أَن الله عز وَجل قَالَ: مَا تعبدني عبد بِمثل النصح، وَقَالَ: {الَّذين يحملون الْعَرْش وَمن حوله يسبحون بِحَمْد رَبهم ويؤمنون بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ للَّذين آمنُوا رَبنَا وسعت كل شَيْء رَحْمَة وعلما فَاغْفِر للَّذين تَابُوا وَاتبعُوا سَبِيلك وقهم عَذَاب الْجَحِيم رَبنَا وأدخلهم جنَّات عدن الَّتِي وعدتهم وَمن صلح من آبَائِهِم وأزواجهم وذرياتهم إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم وقهم السَّيِّئَات وَمن تق السَّيِّئَات يَوْمئِذٍ فقد رَحمته وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم} فَهَذَا نصح الْمَلَائِكَة لله فِي عباده فأنصح عباد الله لعباد الله الْمَلَائِكَة وأغشهم لِعِبَادِهِ الشَّيْطَان.

قول أبي العالية الرياحي:
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة الرياحي: تعلمُوا الْإِسْلَام فَإِذا علمتموه فَلَا ترغبوا عَنهُ وَعَلَيْكُم بالصراط الْمُسْتَقيم فَإِن الصِّرَاط الْمُسْتَقيم الْإِسْلَام وَلَا تحرفوه يَمِينا وَلَا شمالا وَعَلَيْكُم بِسنة نَبِيكُم وَأَصْحَابه.

قول حذيفة:
وَقَالَ حُذَيْفَة: اتَّقوا الله يَا معشر الْقُرَّاء وخذوا طَرِيق من كَانَ قبلكُمْ فوَاللَّه لَئِن اسْتَقَمْتُمْ لقد سبقتم سبقا بَعيدا، وَلَئِن تَرَكْتُمُوهُ يَمِينا وَشمَالًا لقد ضللتم ضلالا بَعيدا - أَو قَالَ: مُبينًا.

رواية العرباض بن سارية لنصيحة رسول الله ﷺ:
وَقَالَ الْعِرْبَاض بن سَارِيَة: صلى بِنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ وعظنا فَكَانَ فِيمَا وعظنا أَنه قَالَ: من يَعش مِنْكُم بعدي فسيرى اخْتِلَافا كثيرا فَعَلَيْكُم بستني وَسنة الْخُلَفَاء من بعدي الرَّاشِدين المهديين، عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور فَإِن كل بِدعَة ضَلَالَة.

أقوال لبعض الصالحين:
وَقَالَ ابْن مَسْعُود: إِنَّمَا هما اثْنَتَانِ الْهدى وَالْكَلَام فَأحْسن الْكَلَام كَلَام الله وَأحسن الْهدى هدى مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَلا وَإِيَّاكُم والمحدثات فَإِن شَرّ الْأُمُور محدثاتها وكل بِدعَة ضَلَالَة.

وَقَالَت عَائِشَة رَحْمَة الله عَلَيْهَا، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من صنع أمرا لَيْسَ على أمرنَا فَهُوَ مَرْدُود.

وَقَالَ ابْن مَسْعُود: سَأَلت حُذَيْفَة الْوَصِيَّة فَقَالَ: إياك والتلون فِي أَمر الله، وَإِيَّاك وَمَا تنكر وَعَلَيْك بِمَا تعرف، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: سَتَجِدُونَ قوما يدعونكم إِلَى كتاب الله وَقد نبذوه وَرَاء ظُهُورهمْ عَلَيْكُم بِالْعلمِ، وَإِيَّاكُم والتبدع والتنطع والتعمق وَعَلَيْكُم بالعتيق.

وَقَالَ معَاذ بن جبل: إيَّاكُمْ والتنطع والتبدع وَعَلَيْكُم بالعتيق.

وَقَالَ عبد الله: إِن الله عز وَجل لم يخلق شَيْئا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِلَّا جعل لَهُ نِهَايَة يَنْتَهِي إِلَيْهَا، وَينْقص وَيزِيد، فالإسلام الْيَوْم مقبل وَله ثبات ويوشك أَن يبلغ نهايته ثمَّ ينقص الدّين وَلَا يزِيد إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَآيَة ذَلِك أَن تَفْشُو الْفَاقَة وتقطع الْأَرْحَام حَتَّى لَا يخَاف الْغني إِلَّا الْفقر، وَلَا يجد الْفَقِير من يعْطف عَلَيْهِ.

وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لتتبعن سنَن من كَانَ قبلكُمْ باعا كباع وذراعا كذراع وشبرا كشبر حَتَّى لَو دخلُوا جُحر ضَب لدخلتم، قُلْنَا: يَا رَسُول الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمن؟!.

وَقَالَ هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه: إِنَّمَا هلك بَنو إِسْرَائِيل حِين نَشأ فيهم أَوْلَاد سَبَايَا الْأُمَم قبلهم فوضعوا فيهم الرَّأْي فهلكوا.

وَقَالَ ابْن مَسْعُود: الْقَصْد فِي السّنة خير من الِاجْتِهَاد فِي الْبِدْعَة.

موافقة أهل البدع لإبليس بالقياس وتركهم النص

موافقة أهل البدع لإبليس بالقياس وتركهم النص

قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: وَأهل الْبدع وافقوا إِبْلِيس فِي مجَال الْقيَاس وَتركُوا النَّص من التَّنْزِيل وتأولوا تَأْوِيلا فَاسِدا فعدلوا عَن نَص الْخَبَر إِلَى الْقيَاس الْفَاسِد وَهَذِه جملَة عَددهمْ واختصار أخبارهم.

وَعَن أنس بن مَالك قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن بنى إِسْرَائِيل افْتَرَقت على ثَلَاث وَسبعين فرقة كلهم فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة فَقيل يَا رَسُول الله مَا هَذِه الْوَاحِدَة؟ فَقبض يَده، وَقَالَ: الْجَمَاعَة، وَقَالَ: {واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ كُنْتُم أَعدَاء فألف بَين قُلُوبكُمْ فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا وكنتم على شفا حُفْرَة من النَّار فأنقذكم مِنْهَا كَذَلِك يبين الله لكم آيَاته لَعَلَّكُمْ تهتدون} [آل عمران: ١٠٣].

قول جماعة من التابعين أن أول من قاس إبليس

قول جماعة من التابعين أن أول من قاس إبليس

وَقَالَ جمَاعَة من التَّابِعين رَحِمهم الله: أَن أول من قَاس إِبْلِيس، وَذَلِكَ أَنهم يُرِيدُونَ أَنه قَاس ليدفع بقياسه مَا أَمر بِهِ نصا لِأَن الله عز وَجل أمره بِالسُّجُود لآدَم فَقَالَ {أَنا خير مِنْهُ خلقتني من نَار وخلقته من طين} يُرِيد أَن قُوَّة النَّار على الطين دَلِيل على أَن الأضعف حكمه أَن يخضع للأقْوَى، وَأَن آدم أولى بِالسُّجُود فَوضع إِبْلِيس الْقيَاس فِي غير مَوْضِعه لِأَن ذَلِك الْقيَاس من إِبْلِيس إِنَّمَا يسْتَعْمل مثله إِذا لم يَقع أَمر وَلَا نَص فَلَمَّا اسْتعْمل إِبْلِيس هَذَا مَعَ وجود النَّص وَالْأَمر اللَّازِم كَانَ مخطئا فِي قِيَاسه، فَصَارَ بقِيَاسه الْفَاسِد كَافِرًا ملعونا وَكَانَ قبل من خِيَار الْمَلَائِكَة، فنعوذ بِاللَّه من مكره وَسُوء مَا سبق من الْكتاب الأول.

مخالفة إبليس لأمر الله تعالىٰ بشأن السجود لآدم

مخالفة إبليس لأمر الله تعالىٰ بشأن السجود لآدم

قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: لما قصّ الله عز وَجل شَأْن آدم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأمره للْمَلَائكَة بِالسُّجُود لآدَم وَنَبَّهنَا على جملَة الْخَبَر، وقصة إِبْلِيس وَكَيف استكبر لما سبق فِيهِ من الشَّقَاء وَكَيف قَاس فَقَالَ: {أَنا خير مِنْهُ خلقتني من نَار وخلقته من طين} فَقَالَ له الله عز وَجل {فَاخْرُج مِنْهَا فَإنَّك رجيم} إِلَى آخر السُّورَة وَكَانَ بقياسه الْفَاسِد وَتَركه أَمر ربه كَافِرًا ملعونا فَسَأَلَ التَّأْخِير إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَأَخَّرَهُ كَمَا قصّ الله شَأْنه.

تفسير الآيات التي هي شبه الاستثناء

تفسير الآيات التي هي شبه الاستثناء

وَأما شبه الِاسْتِثْنَاء فِي قَوْله فِي الْبَقَرَة {لِئَلَّا يكون للنَّاس عَلَيْكُم حجَّة} يَعْنِي الْيَهُود يعلمُونَ أَن الْكَعْبَة هِيَ الْقبْلَة ثمَّ اسْتثْنى {إِلَّا الَّذين ظلمُوا} يَعْنِي الْمُشْركين من أهل مَكَّة فَإِنَّهُم لَا يعلمُونَ أَن الْكَعْبَة هِيَ الْقبْلَة فَهَذِهِ حجَّة لَهُم، وَفِي الْبَقَرَة فِي أَمر الدّين {إِلَى أجل مُسَمّى فاكتبوه} فَإِنَّهُ {أقسط عِنْد الله وأقوم للشَّهَادَة وَأدنى أَلا ترتابوا} يَقُول وَأَحْرَى أَلا تَشكوا فِي المَال وَالْأَجَل ثمَّ اسْتثْنى فَقَالَ {إِلَّا أَن تكون تِجَارَة حَاضِرَة تديرونها بَيْنكُم فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَلا تكتبوها} وَقَالَ فِي آل عمرَان {فَلَيْسَ من الله فِي شَيْء} ثمَّ اسْتثْنى فَقَالَ {إِلَّا أَن تتقوا مِنْهُم تقاة} فَلَا بَأْس أَن يرضيهم بِلِسَانِهِ، وَقَالَ فِي النِّسَاء {وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم من النِّسَاء} ثمَّ اسْتثْنى {إِلَّا مَا قد سلف} قبل التَّحْرِيم، وَقَالَ أَيْضا {وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ} ثمَّ اسْتثْنى {إِلَّا مَا قد سلف} قبل التَّحْرِيم فَلَا بَأْس.

قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: فَهَذِهِ جملَة مختصرة من تَفْسِير الْمُتَشَابه بَيِّنَة كَافِيَة نافعة لمن عقل وتدبر وَخَافَ وأناب وَترك الْهوى وَالْفساد وَلزِمَ الْحق وَقَالَ بِهِ وآمن بِهِ وَكَانَ حذرا على شَأْنه وَمَا أَمر بِهِ والإقبال على الْجَمَاعَة وَالله يَقُول {وَلَا تفَرقُوا واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ كُنْتُم أَعدَاء فألف بَين قُلُوبكُمْ فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا} وَأمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالاتباع وَترك التنطع والابتداع وسمى الْبِدْعَة ضَلَالَة وَالْجَمَاعَة هِدَايَة فرحم الله امْرَءًا لزم مَا أَمر بِهِ وَاتبع سَبِيل ربه {فَإِن الله لهادى الَّذين آمنُوا إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم} {وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين} وَقَالَ {فَأَما من طَغى وآثر الْحَيَاة الدُّنْيَا فَإِن الْجَحِيم هِيَ المأوى وَأما من خَافَ مقَام ربه وَنهى النَّفس عَن الْهوى فَإِن الْجنَّة هِيَ المأوى} وكل هوى رحمكم الله فَهُوَ يطغى ويردى فعلى العَبْد محاسبة نَفسه وزجرها عَن الفضول الموبق وَأَن يحذر أَن يَقُول قولا مَال بِهِ إِلَيْهِ هَوَاهُ فيحبط ذَلِك عمله وَإِن الله عز وَجل قَالَ {وَاتبع هَوَاهُ وَكَانَ أمره فرطا} وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من سبّ أَصْحَابِي فَعَلَيهِ لعنة الله، فليحذر الساب صحابة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن تلْحقهُ لعنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَيْضًا فَإِنَّمَا أمرنَا أَن نَسْتَغْفِر للَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَعلمنَا أَن نقُول: {رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤف رَحِيم}.

بيان ما جاء في القرآن الكريم من الكلمات بمعنى واحد إلا في حالة لها معنى مخالف

بيان ما جاء في القرآن الكريم من الكلمات بمعنى واحد إلا في حالة لها معنى مخالف

وَقَوله {ريب} يَعْنِي شكا فِي الْقُرْآن كُله إِلَّا الَّذِي فِي الطّور {ريب الْمنون} يَعْنِي حوادث الْمَوْت، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {لَعَلَّكُمْ} يَعْنِي {لكَي} إِلَّا الَّذِي فِي الشُّعَرَاء {لَعَلَّكُمْ تخلدون} يَعْنِي كأنكم تخلدون، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {رجز} يَعْنِي عذَابا غير وَاحِد فِي المدثر {وَالرجز فاهجر} يَعْنِي والصنم فاجتنب عِبَادَته، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {شياطين} يَعْنِي إِبْلِيس وَذريته غير وَاحِد فِي الْبَقَرَة {وَإِذا خلوا إِلَى شياطينهم} يَعْنِي رُؤَسَائِهِمْ من الْيَهُود كَعْب بن الْأَشْرَف وَأَصْحَابه، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {شُهَدَاء} يَعْنِي يشْهدُونَ على كل شَيْء غير وَاحِد فِي الْبَقَرَة {وَادعوا شهداءكم} يَعْنِي شركاءكم، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {يسخرون} و {سخريا} يَعْنِي الِاسْتِهْزَاء غير وَاحِد فِي الزخرف {ليتَّخذ بَعضهم بَعْضًا سخريا} يَعْنِي السخرة فِي الْخدمَة، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {السكينَة} يَعْنِي الطُّمَأْنِينَة فِي الْقلب إِلَّا وَاحِدًا فِي الْبَقَرَة {سكينَة من ربكُم} يَعْنِي شَيْئا كرأس الهر لَهَا جَنَاحَانِ، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {واقسطوا إِن الله يحب المقسطين} يَعْنِي واعدلوا إِن الله يحب المعدلين يَقُول الَّذين يعدلُونَ فِي القَوْل وَالْفِعْل، غير وَاحِد فِي قل أوحى، {وَأما القاسطون} يَعْنِي الْعَادِلُونَ الَّذين يعدلُونَ بِاللَّه سُبْحَانَهُ غَيره {فَكَانُوا لِجَهَنَّم حطبا}، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن (يَا أسفا) فَهُوَ الْحزن غير وَاحِد فِي الزخرف {فَلَمَّا آسفونا} يَعْنِي أغضبونا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن: {يئس} وَ { لَا تيأسوا} يَعْنِي الْقنُوط غير وَاحِد فِي الرَّعْد: {أفلم ييأس الَّذين آمنُوا} يَعْنِي أفلم يتَبَيَّن الَّذين آمنُوا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {بروج} يَعْنِي الْكَوَاكِب غير وَاحِد فِي النِّسَاء {وَلَو كُنْتُم فِي بروج مشيدة} يَعْنِي الْقُصُور الطوَال فِي السَّمَاء الحصينة، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {النِّكَاح} يَعْنِي التَّزْوِيج غير وَاحِد فِي النِّسَاء {وابتلوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذا بلغُوا النِّكَاح} يَعْنِي الْحلم، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {الْبر وَالْبَحْر} يَعْنِي الْيَابِس وَالْمَاء غير وَاحِد فِي الرّوم {ظهر الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر} يَعْنِي الْبَريَّة والقرى، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {إخباتا} يَعْنِي إخلاصا غير وَاحِد فِي بنى إِسْرَائِيل {كلما خبت زدناهم سعيرا} يَعْنِي كلما سكنت إِذْ أكلت لحومهم زدناهم سعيرا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {بخس} يَعْنِي نقصا غير وَاحِد فِي يُوسُف {وشروه بِثمن بخس} يَعْنِي حَرَامًا {دَرَاهِم مَعْدُودَة}، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {وَارِدُونَ} يَعْنِي داخلون غير وَاحِد فِي الْقَصَص {وَلما ورد مَاء مَدين} يَعْنِي وَلما هجم على المَاء وَلم يدْخل المَاء، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {لنرجمنكم} و {يرجموكم} يَعْنِي الْقَتْل غير وَاحِد فِي مَرْيَم {لَئِن لم تَنْتَهِ لأرجمنك} يَعْنِي لأشتمنك، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {حسبانا} و {يحسبون} يَعْنِي حسابا غير وَاحِد فِي الْكَهْف {حسبانا} يَعْنِي عذَابا من السَّمَاء، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {بعل} يَعْنِي الزَّوْج غير وَاحِد فِي الصافات {أَتَدعُونَ بعلا} يَعْنِي رَبًّا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {كسفا} يَعْنِي جانبا من السَّمَاء غير وَاحِد فِي الرّوم {ويجعله كسفا} يَعْنِي يَجْعَل السَّحَاب قطعا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {الأنباء} يَعْنِي الْأَحَادِيث غير وَاحِد فِي سُورَة الْقَصَص {فعميت عَلَيْهِم الأنباء يَوْمئِذٍ} يَعْنِي الْحجَج، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {مَاء معِين} يَعْنِي جَارِيا غير الَّذِي فِي تبَارك {فَمن يأتيكم بِمَاء معِين} يَعْنِي مَاء طَاهِرا تناله الدلاء، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {كلا} فَهُوَ {لَا} غير وَاحِد فِي المطففين {كلا بل ران على قُلُوبهم} يَعْنِي طبع على قُلُوبهم.

كليات مقاتل بن سليمان في التفسير

كليات مقاتل بن سليمان في التفسير

وَقَالَ مقَاتل: كل شَيْء فِي الْقُرْآن {كَذَلِك} يَعْنِي هَكَذَا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {ذَلِك} يَعْنِي هَذَا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {تِلْكَ} يَعْنِي هَذِه، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {لَعَلَّهُم} يَعْنِي {لكَي}، وكل شَيْء فِيهِ {طبع} يَعْنِي ختم، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {فراشا} يَعْنِي بساطا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {بساطا} يَعْنِي فراشا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {لَا يفقهُونَ} يَعْنِي يترددون فِي الضَّلَالَة، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار} يَعْنِي الْبَسَاتِين تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار فِي أَسْفَل أشجارها، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {تجْرِي من تَحْتهم الْأَنْهَار} يَعْنِي تَحت مَنَازِلهمْ وغرفهم، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {الرهبان} يَعْنِي المجتهدين في دينهم، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {أَحْبَارهم} يَعْنِي علماءهم، {وَلَا تغنى نفس عَن نفس شَيْئا} يَعْنِي لَا تغنى نفس كَافِر عَن نفس كَافِرَة شَيْئا من الْمَنْفَعَة، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {لَا يغنى مولى عَن مولى شَيْئا} يَعْنِي قريب عَن قرَابَته شَيْئا من الْمَنْفَعَة، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {لَا يُؤْخَذ مِنْهَا عدل} يَعْنِي فدَاء، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {يَوْم لَا ينفع} يَعْنِي لَا فدَاء فِيهِ، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن (خاسئا) يَعْنِي صاغرا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {اخسئوا} اصغروا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {خَاسِئِينَ} يَعْنِي صاغرين، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {وقفينا} يَعْنِي تبعنا على آثَارهم، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون} فَهُوَ أَمر تخليق وَالْقِيَامَة، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {خطوَات الشَّيْطَان} يَعْنِي تَزْيِين الشَّيْطَان، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {حبطت أَعْمَالهم} يَعْنِي بطلت أَعْمَالهم، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {لَا تأس} يَعْنِي لَا تحزن، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {فادرؤا عَن أَنفسكُم} يَعْنِي فادفعوا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {ويدرؤن} يَعْنِي ويدفعون، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {فَإِن آنستم} يَعْنِي رَأَيْتُمْ، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {قولا سديدا} يَعْنِي عدلا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {غليظا} يَعْنِي شَدِيدا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {ألم تَرَ إِلَى الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب} يَعْنِي حظا من التَّوْرَاة، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {لعنة الله} يَعْنِي عَذَاب الله، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {سعيرا} يَعْنِي وقودا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {عَسى} فَهُوَ من الله وَاجِب، وكل شَيْء فِيهِ {الْحَمد لله} يَعْنِي الشُّكْر لله، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {ويذرهم فِي طغيانهم يعمهون} يَعْنِي يدعهم فِي ضلالتهم فَلَا يخرجهم، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {ذرهم فِي خوضهم} يَعْنِي خل عَنْهُم فِي باطلهم يَتَرَدَّدُونَ، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {قد فصلنا الْآيَات} يَعْنِي قد بينا الآيات، وَكَذَلِكَ {نفصل الْآيَات}، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {اعْمَلُوا على مكانتكم} يَعْنِي جديلتكم وناحيتكم، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {يعْمل على شاكلته} يَعْنِي على جديلته، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {وصدف عَنْهَا} يَعْنِي أعرض، {سنجزي الَّذين يصدفون} يَعْنِي عَن الْحق، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {نقطع دابر الْقَوْم الَّذين ظلمُوا} يَعْنِي أصل الْقَوْم الَّذين كفرُوا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين} يَعْنِي لَا تسعوا بِالْمَعَاصِي، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {يَبْغُونَهَا عوجا} يَعْنِي يُرِيدُونَ مِلَّة الْإِسْلَام، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {كَأَن لم يغنوا فِيهَا} يَعْنِي كَأَن لم يَكُونُوا فِيهَا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {وَإِذ تَأذن رَبك} يَعْنِي وَإِذ قَالَ رَبك، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {زعم الَّذين كفرُوا} يَعْنِي قَالَ الَّذين كفرُوا قولا كذبا، وكل شَيْء فِي الْقرَان {تالله} يعْني وَالله، وكل شَيْء فِيهِ {لَا جرم} يعْني حَقًا، وكل شَيْء فِيهِ {وجلت قُلُوبهم} يعْني خَافت، وَكَذَلِكَ {وَقُلُوبهمْ وَجلة}، وكل شَيْء فِي الْقرَان {مُردفِينَ} و {تترى} و {مدرارا} و {أبابيل} فَهُوَ متتابع، وكل شَيْء فِيهِ {عَذَاب مُقيم} يعْنى دَائِما لَا يَنْقَطِع، وكل شَيْء فِيهِ {عَذَاب أَلِيم} يعْني وجيعا، وكل شَيْء فِيهِ {إفكا} يعْنى كذبا، وَكَذَلِكَ {الْمُؤْتَفِكَات} يعْني المكذبات، وكل شَيْء فِيهِ {أولو الطول} يَعْنِي السعَة، وكل شَيْء فِي الْقرَان {الْخَوَالِف} يَعْنِي النِّسَاء، وكل شَيْء فِيهِ {الخالفين} يَعْنِي من تخلف من الرِّجَال عَن الْغَزْو، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {الْفلك المشحون} يَعْنِي السفن الموقرة، وكل شَيْء فِيهِ {فِي فلك يسبحون} يَعْنِي فِي دوران يجرونَ، وكل شَيْء فِيهِ {يرتدوا} {يرتدد} يَعْنِي الرُّجُوع، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {الطمس} يَعْنِي التَّحْوِيل، وكل شَيْء فِيهِ {الْمَغْفِرَة} يَعْنِي التجاوز، وكل شَيْء فِيهِ {غل} يَعْنِي الْغِشّ، وكل شَيْء فِيهِ {كظيم} و {مكظوم} يَعْنِي مكروبا، وكل شَيْء فِيهِ {دمرنا تدميرا} يَعْنِي أهلكنا بِالْعَذَابِ هَلَاكًا، وكل شَيْء فِيهِ {انفطرت} و {منفطر} يَعْنِي انفجرت ومنفجر، وكل شَيْء فِيهِ {فطركم} و {فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض} يَعْنِي خَلقكُم خَالق السَّمَوَات وَالْأَرْض، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {مسطورا} يَعْنِي مَكْتُوبًا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {الشَّيْطَان الرَّجِيم} يَعْنِي الملعون، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {على الأرائك} يَعْنِي على السرر فِي الحجال، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {قَالَ الْمَلأ من قومه} يَعْنِي الْأَشْرَاف، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {بل قُلُوبهم فِي غمرة} يَعْنِي فِي غَفلَة، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {مبلسون} يَعْنِي آيسون و {إِبْلِيس} يَعْنِي آيسا من الْجنَّة، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {أندادا} يَعْنِي شُرَكَاء، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر} يَعْنِي يُوسع الرزق على من يَشَاء ويقتر على من يَشَاء، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {كتب يدرسونها} و {مَا كُنْتُم تدرسون} يَعْنِي تقرأونها {ودرسوا} يَعْنِي الْقُرْآن، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {عذب فرات} يَعْنِي طيبا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {دَار الْبَوَار} و {قوما بورا} و {تجارة لن تبور} يَعْنِي بِهِ الْهَلَاك، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {نصب} يَعْنِي الْمَشَقَّة، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {لغوب} يَعْنِي عناء، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {يصطرخون} يَعْنِي يستغيثون، و {الصريخ} يَعْنِي غياثا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {مَا زادهم إِلَّا نفورا} يَعْنِي تباعدا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {لدينا} يَعْنِي عندنَا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {وَمَا أمرنَا إِلَّا وَاحِدَة} يَعْنِي إِذا شَاءَ أمره فِي الْبَعْث، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {زَجْرَة} يَعْنِي نفخة من إسْرَافيل فِي الْبَعْث، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {مهطعين} يَعْنِي مُقْبِلين، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {يهرعون} يَعْنِي يسعون، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {الكرب الْعَظِيم} يَعْنِي الهول الشَّديد، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {الْجَحِيم} يَعْنِي مَا عظم من النَّار، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {نبأ} يَعْنِي حَدِيثا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {أَفْوَاجًا} يَعْنِي زمرا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {خَلقكُم من نفس وَاحِدَة} يَعْنِي آدم، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ} يَعْنِي يُوسع صَدره للْإيمَان، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {وَمَا قدرُوا الله حق قدره} يَعْنِي مَا عظموه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حق عَظمته، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {شططا} يَعْنِي جورا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {بِحَمْد رَبهم} يَعْنِي بِأَمْر رَبهم، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {كدأب آل فِرْعَوْن} يَعْنِي كأشباه آل فِرْعَوْن وكفعلهم أَيْضا وَكَذَلِكَ {مثل دأب قوم نوح} يَعْنِي مثل أشباه ونظراء، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {مَا لكم من الله من عَاصِم} يَعْنِي من مَانع، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {مَانِعا} يَعْنِي عَاصِمًا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {صرحا} يَعْنِي قصرا، وكل شَيْء فِيهِ {داخرين} يَعْنِي صاغرين، وكل شَيْء فِيهِ {صاغرين} يَعْنِي مذلين، وكل شَيْء فِيهِ {تبَارك} يَعْنِي افتعل الْبركَة، وكل شَيْء فِيهِ (الْأَنْعَام) يَعْنِي الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، وكل شَيْء فِيهِ {وَفِي آذانهم وقرا} يعْنى ثقلا، وكل شَيْء فِيهِ {فِي أكنة} يَعْنِي على الْقُلُوب الغطاء، وَكَذَلِكَ {قُلُوبنَا غلف}، و {الرواسي} الْجبَال لِئَلَّا تَزُول بكم الأَرْض، و {السَّمَاء الدُّنْيَا} أدنى السَّمَوَات إِلَى الأَرْض، و {النحس} و {النحسات} الشداد، و {يستحبون الْحَيَاة الدُّنْيَا} و {استحبوا} أَيْضا اخْتَارُوا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {خروا} يَعْنِي وَقَعُوا، وكل شَيْء فِيهِ {الَّذين خلوا من قبلكُمْ} يَعْنِي الْأُمَم الَّذين مضوا قبلكُمْ وَكَذَلِكَ {قد خلت} قد مَضَت، وَقَوله {فِي رَوْضَة يحبرون} يَعْنِي بالروضة بساتين الْجنَّة يكرمون فِيهَا وينعمون، و {عزم الْأُمُور} يَعْنِي حق الْأُمُور، و {ظلّ وَجهه مسودا} يَعْنِي متغيرا، وَقَوله {اصطفى} يَعْنِي اخْتَار، وَقَوله {اجتبى} يَعْنِي استخلص، وَقَوله {الخراصون} يَعْنِي الَّذين يتخرصون الْكَذِب فيتقولونه، وَقَوله {الطوفان} يَعْنِي الْغَرق: {وَلما طَغى المَاء} يَعْنِي على كل شَيْء، {والأكواب} يَعْنِي أكوابا لَيست لَهَا عرى مُدَوَّرَة الرؤس، وَقَوله {عُرُبا} يَعْنِي عاشقات لِأَزْوَاجِهِنَّ، وَقَوله {ولدان} يَعْنِي لَا يكبرُونَ، {مخلدون} يَعْنِي لَا يموتون، و {الأتراب} يَعْنِي مستويات فِي الملاذ بَنَات ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {مُتَقَابلين} يَعْنِي فِي الزِّيَارَة، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {رحيق} يَعْنِي الْخمر، وَقَوله {معِين} يَعْنِي خمرًا جَارِيا، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {بلغ أشده} يَعْنِي ثَمَانِيَة عشر سنة وَهُوَ إِلَى أَرْبَعِينَ سنة فِي أشده، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {استوى} أَي ابْن اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سنة وَاسْتقر، وَقَوله {أُفٍّ لكم} أَي الردئ من الْكَلَام، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {يعرض الَّذين كفرُوا على النَّار} و {عرضنَا جَهَنَّم يَوْمئِذٍ للْكَافِرِينَ عرضا} أَي كشفنا الغطاء عَنْهَا، وَقَوله {وكأين} أَي وَكم، وَقَوله {سَوَّلَ لَهُم} أَي زين لَهُم وَكَذَلِكَ {سَوَّلت لَهُم} زينت، وَقَوله {سِيمَاهُمْ} أَي علامتهم، وَقَوله {لَو تزيلوا} أَي الاعتزال، وَمثله {فزيلنا بَينهم} وَمثله {وامتازوا الْيَوْم} أَي اعتزلوا، وَقَوله {قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم} يَعْنِي يخفضوا أَبْصَارهم عَن الْمَحَارِم وَكَذَلِكَ كل {غض}، وَقَوله {الَّذين يَلْمِزُونَ الْمُطوِّعين من الْمُؤمنِينَ} و {يَلْمِزك} و {لُمزَة} يَعْنِي الطعْن على الْإِنْسَان فِي الشَّيْء بِعَيْنِه، وَقَوله {همزَة} و {هماز} يَعْنِي المغتاب، وَقَوله {بهيج} و {ذَات بهجة} يَعْنِي ذَات حسن، وَقَوله {طلعها} و {لَهَا طلع} يَعْنِي الثَّمر، وَقَوله {عنيد} يَعْنِي معرضًا، وَقَوله {أزلفت} يَعْنِي قربت، وَقَوله {من قرن} يَعْنِي أمة، وَقَوله {قَاتلهم الله} يَعْنِي لعنهم الله، وَقَوله {لَا أَبْرَح} يَعْنِي لَا أَزَال، وَقَوله {فاكهين} يَعْنِي معجبين، وَقَوله {فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ} يَعْنِي نعماء رَبكُمَا، و {آلَاء الله} يَعْنِي نعماء الله، وَقَوله {بلَاء من ربكُم} يَعْنِي نقما، و {إِن هَذَا لَهو الْبلَاء الْمُبين} يَعْنِي النقم، وَقَوله {اقذفيه} يَعْنِي الْإِلْقَاء، وَقَوله {فنبذناه بالعراء} يَعْنِي ألقيناه، وَقَوله {الأجداث} يَعْنِي الْقُبُور، وَقَوله {فَهَل من مدكر} يَعْنِي متذكر وَكَذَلِكَ {وادكر بعد أمة} يَعْنِي وَذكر، وَقَوله {أساطير الْأَوَّلين} يَعْنِي أَحَادِيث الْأَوَّلين، و {كأنهن الْيَاقُوت والمرجان} الدُّرَر الْعِظَام، وَقَوله {لم يطمثهن} يَعْنِي لم يطأهن وَهُوَ الْجِمَاع، وَقَوله {زرابي} و {عبقري} يَعْنِي الطنافس، وَقَوله {رَفْرَف خضر} يَعْنِي الْمجَالِس على الْفرش، وَقَوله {من إستبرق} يَعْنِي الديباج، وَقَوله {غير متجانف لإثم} يَعْنِي غير متعمد، وَكَذَلِكَ {جنفا} يَعْنِي عمدا، و {المقت} البغض، وَكَذَلِكَ {القالين} و {مَا قلى} يَعْنِي المقت، وَقَوله {سفرة} يَعْنِي الكتبة و {أسفارا} يَعْنِي كتبا، وَقَوله {فالق} يَعْنِي خَالق و {الفلق} يَعْنِي الْخلق، وَقَوله {شَعَائِر} يَعْنِي الْمَنَاسِك، وَقَوله {لَا أقسم} يَعْنِي أقسم، وَقَوله {وَمَا أَدْرَاك} كل شَيْء مِنْهُ فِي الْقُرْآن أَي قد أخْبرك مَا هُوَ، وكل شَيْء فِي الْقُرْآن {وَمَا يدْريك} فَلم يُخبرهُ مَا هُوَ، وَقَوله {جبلا كثيرا} و {الجبلة} يَعْنِي الْخلق.

باب تفسير اشتباه التقديم في الكلام

بَاب تَفْسِير اشْتِبَاه التَّقْدِيم فِي الْكَلَام

أما قَوْله عز وَجل: {وَهُوَ الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام وَكَانَ عَرْشه على المَاء} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض وَلَكِن تفسيرهما فِي وُجُوه تَقْدِيم الْكَلَام مشتبه، أما تَفْسِير قَوْله {إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش يغشي اللَّيْل النَّهَار يَطْلُبهُ حثيثا وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بأَمْره أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين} فِيهَا تَقْدِيم يَقُول: كَانَ استواؤه على الْعَرْش قبل خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالله تَعَالَى فَوق الْعَرْش، فَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله عز وَجل: {قل أئنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ وتجعلون لَهُ أندادا ذَلِك رب الْعَالمين وَجعل فِيهَا رواسي من فَوْقهَا وَبَارك فِيهَا وَقدر فِيهَا أقواتها فِي أَرْبَعَة أَيَّام سَوَاء للسائلين ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخَان}، وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {أم السَّمَاء بناها رفع سمكها فسواها} إِلَى قَوْله {وَالْأَرْض بعد ذَلِك دحاها} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض وَلَكِن تفسيرهما فِي وُجُوه تَقْدِيم الْكَلَام مشتبه، أما قَوْله {أئنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ} إِلَى قَوْله {ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان} فِيهَا تَقْدِيم وَكَانَ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء قبل ذَلِك وَالسَّمَاء خلقت قبل الأَرْض، وَذَلِكَ {أَو لم ير الَّذين كفرُوا أَن السَّمَاء وَالْأَرْض كَانَتَا رتقا ففتقناهما} كِلَاهُمَا كَانَتَا مَاء ففتقهما فأبان بَعْضهَا من بعض وَخرج البخار من المَاء كشبه الدُّخان فخلق سبع سموات مِنْهُ فِي يَوْمَيْنِ قبل خلق الأَرْض وَكَانَ مَوضِع الْكَعْبَة زبدة على ظهر المَاء فخلق الأَرْض بعد ذَلِك فبسطها من تَحت الْكَعْبَة فَذَلِك قَوْله {وَالْأَرْض بعد ذَلِك دحاها} يَعْنِي بعد خلق السَّمَوَات {دحاها} يَعْنِي بسطها من تَحت الْكَعْبَة.

باب تفسير متشابه صلات الكلام

بَاب تَفْسِير متشابه صلات الْكَلَام

أما قَوْله عز وَجل لمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام {إِنَّا مَعكُمْ مستمعون} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {إِنَّا نَحن نحيي ونميت} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {أَلَيْسَ ذَلِك بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى} وَنَحْو ذَلِك مِمَّا ذكر فِي نَفسه جلّ ذكره مِمَّا يشبه كَلَام الْجَمَاعَة والفرد فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض وَلَكِن تفسيرهما فِي صلات الْكَلَام مشتبه، أما قَوْله يخبر عَن نَفسه من نَحْو قَوْله {إِنَّا نَحن نحيي ونميت} وَقُلْنَا وَفعلنَا، وَأَشْبَاه ذَلِك من الْكَلَام فَهُوَ صلَة فِي الْكَلَام وَهُوَ من كَلَام الله وَحده، وَهَذَا كَلَام الْمُلُوك، يَقُول الْملك وَحده: قد أمرنَا لَك بِكَذَا وَكَذَا وَنحن نعطيك كَذَا وَكَذَا، وَلَا يحسن هَذَا القَوْل لغير الْمُلُوك وَأَن الله سُبْحَانَهُ ملك الْمُلُوك وَهَذَا من قَوْله وَهُوَ وَاحِد لَا شريك لَهُ فِي الْملك وَلَا فِي شَيْء من الْأَشْيَاء فَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله لآدَم عَلَيْهِ السَّلَام {خلقه من تُرَاب} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {خلق الْإِنْسَان من صلصال كالفخار} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من صلصال من حمإ مسنون} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض وَلَكِن تفسيرهن فِي اخْتِلَاف الْحَالَات مشتبه، أما قَوْله لآدَم {خلقه من تُرَاب} فَإِن بَدْء خلقه كَانَ من تُرَاب من أَدِيم الأَرْض فَذَلِك قَوْله {خلقه من تُرَاب} فحول التُّرَاب بِالْمَاءِ إِلَى الطين فَذَلِك قَوْله {وَبَدَأَ خلق الْإِنْسَان من طين} فَصَارَ طينا إِذا قبض عَلَيْهِ انْسَلَّ فَذَلِك قَوْله {وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين} فَترك حَتَّى تغير رِيحه فَذَلِك قَوْله {من حمإ مسنون} يَعْنِي من حمإ متغير الرّيح وَكَانَ طينا لاصقا جيدا فَذَلِك قَوْله {طين لازب} يَعْنِي لاصقا جيدا، ثمَّ صوره فَتَركه مصورا حَتَّى جف فَإِذا حرك صَار لَهُ قعقعة بِمَنْزِلَة الطين الْجيد إِذا ذهب عَنهُ المَاء تشقق وَصَارَ لَهُ صَوت كصوت الفخار فَذَلِك قَوْله {خلق الْإِنْسَان من صلصال كالفخار} ثمَّ نفخ فِيهِ الرّوح فَصَارَ لَحْمًا ودما، فَأَرَادَ أَن ينْهض قبل أَن تتمّ الرّوح فِيهِ، فَذَلِك قَوْله {خلق الْإِنْسَان من عجل}، {ثمَّ جعل نَسْله من مَاء مهين} يَعْنِي خلق ذُريَّته من النُّطْفَة الَّتِي تنسل من الْإِنْسَان، والمهين الضَّعِيف.

وَأما قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {قَالُوا رَبنَا أمتنَا اثْنَتَيْنِ وأحييتنا اثْنَتَيْنِ} وَقَوله فِي آيَة أُخْرَى {لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الموتة الأولى} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض وَلَكِن تفسيرهما فِي وُجُوه الْحَالَات مشتبه، أما قَوْله {أمتنَا اثْنَتَيْنِ وأحييتنا اثْنَتَيْنِ} يَعْنِي كُنَّا نطفا ميتَة لَيست فِيهَا أَرْوَاح فخلقتنا من تِلْكَ النُّطْفَة فَجعلت فِينَا أرواحا فَهَذِهِ موتَة وحياة يَعْنِي بالموتة والحياة الْحَيَاة الثَّانِيَة حِين أماتهم فِي الدُّنْيَا عِنْد آجالهم ثمَّ يحييهم يَوْم الْقِيَامَة فَهَذِهِ موتَة وحياة أُخْرَى تَصْدِيق ذَلِك فِي سُورَة الْبَقَرَة حَيْثُ يَقُول للْكفَّار وهم أَحيَاء فِي الدِّينَا {كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا فأحياكم} يَقُول: كُنْتُم نطفا ميتَة لَيست فِيهَا أَرْوَاح فخلقكم وَجعل فِيكُم أرواحا ثمَّ يميتكم عِنْد آجالكم فِي الدُّنْيَا، ثمَّ يُحْيِيكُمْ فِي الْآخِرَة فهاتان موتتان وحياتان فَهَذَا تفسيرهما.

باب في تفسير اختلاف المواضع

بَاب فِي تَفْسِير اخْتِلَاف الْمَوَاضِع

وَأما قَوْله عز وَجل {أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْخَواص فِي المواطن الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير قَوْله {أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب} يَعْنِي فِي الْبَاب الَّذِي هم فِيهِ، وَأما تَفْسِير {إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار} فهم فِي أَسْفَل دَرك من جَهَنَّم فَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله جلّ ذكره لأهل النَّار {لَيْسَ لَهُم طَعَام إِلَّا من ضَرِيع} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {وَلَا طَعَام إِلَّا من غسلين} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {إِن شَجَرَة الزقوم طَعَام الأثيم} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض وَلَكِن تفسيرهن عِنْد الْخَواص فِي الْمَوَاضِع الْمُخْتَلفَة، أما تَفْسِير {لَيْسَ لَهُم طَعَام إِلَّا من ضَرِيع} يَعْنِي فِي الْبَاب الَّذِي هم فِيهِ، وَقَوله {وَلَا طَعَام إِلَّا من غسلين} يَعْنِي فِي الْبَاب الَّذِي هم فِيهِ، وَقَالَ {إِن شَجَرَة الزقوم طَعَام الأثيم} يَعْنِي طَعَام أهل الْجَحِيم.

وَأما قَوْله {وَأَن الْكَافرين لَا مولى لَهُم} وَقَوله فِي آيَة أُخْرَى: {ثمَّ ردوا إِلَى الله مَوْلَاهُم الْحق وضل عَنْهُم مَا كَانُوا يفترون} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما من تَفْسِير الْوُجُوه الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير {وَأَن الْكَافرين لَا مولى لَهُم} يَعْنِي لَا يتولاهم إِلَّا الله سُبْحَانَهُ فِي العون مثل قَوْله للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (فَإِن الله هُوَ مَوْلَاهُ) فِي العون لَهُ، وَأما تَفْسِير قَوْله للْكَافِرِينَ {ثمَّ ردوا إِلَى الله مَوْلَاهُم الْحق} يَعْنِي ثمَّ ردوا إِلَى الله فِي الْآخِرَة رَبهم ومولاهم الْحق لأَنهم اتَّخذُوا فِي الدُّنْيَا أَرْبَابًا بَاطِلا أَوْلِيَاء من دون الله فَلذَلِك قَالَ: {ثمَّ ردوا إِلَى الله مَوْلَاهُم الْحق وضل عَنْهُم مَا كَانُوا يفترون} وَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {وأقسطوا إِن الله يحب المقسطين} وَقَوله {وَأما القاسطون فَكَانُوا لِجَهَنَّم حطبا} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض وَلَكِن تفسيرهما فِي الْوُجُوه مُخْتَلف، فَأَما تَفْسِير {وأقسطوا إِن} فَإِنَّهُ يَقُول: واعدلوا {إِن الله يحب المقسطين} يَعْنِي يحب الَّذين يعدلُونَ فِي القَوْل وَالْفِعْل، وَأما تَفْسِير {وَأما القاسطون فَكَانُوا لِجَهَنَّم حطبا} يَعْنِي وَأما الْعَادِلُونَ بِهِ يَعْنِي الَّذين يشركُونَ مَعَه غَيره {فَكَانُوا لِجَهَنَّم حطبا} فَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مَا لكم من وَلَايتهم من شَيْء} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض وَلَكِن تفسيرهما فِي الْوُجُوه مُخْتَلف، فَأَما تَفْسِير {والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض} يَعْنِي فِي دين الْإِسْلَام، وَتَفْسِير {الَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مَا لكم من ولايتهم من شَيْء حَتَّى يهاجروا} فِي الْمَوَارِيث حَتَّى يهاجروا، ثمَّ نسختها {وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض} فأشرك جَمِيع الْمُؤمنِينَ والإخوان فِي الْمَوَارِيث، من هاجر وَمن لم يُهَاجر فَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله جلّ اسْمه لإبليس {إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى قَول مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام حِين قتل النَّفس {هَذَا من عمل الشَّيْطَان}، فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض وَلَكِنهما تفسير فِي الْوُجُوه مُخْتَلف، فَأَما قَوْله عز وَجل لإبليس {إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان} يَعْنِي عباد الله المخلصين خَاصَّة لمن اسْتثْنى عز وَجل أَنهم فِي علمه مُؤمنُونَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لإبليس عَلَيْهِم سُلْطَان أَن يستزلهم عَن التَّوْحِيد إِلَى الشّرك خَاصَّة بدعايته وتزيينه ووسوسته، فَأَما الذُّنُوب دون الشّرك فَهُوَ يستزلهم وَذَلِكَ قَول مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام حِين قتل النَّفس {هَذَا من عمل الشَّيْطَان} يَعْنِي من تَزْيِين الشَّيْطَان من غير كفر كَمَا زين لآدَم عَلَيْهِ السَّلَام ولإخوة يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام وَغَيرهم فأزلهم وَكَانُوا من أفاضل عباد الله المخلصين فَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله لإبليس {إِنَّمَا سُلْطَانه على الَّذين يتولونه} يَعْنِي الْمُشْركين وَقَول إِبْلِيس فِي آيَة أُخْرَى {وَمَا كَانَ لي عَلَيْكُم من سُلْطَان} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْوُجُوه الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير قَوْله سُبْحَانَهُ لإبليس {إِنَّمَا سُلْطَانه على الَّذين يتولونه} يَعْنِي سُلْطَانه فِي الدُّعَاء إِلَى الشّرك والتزيين والوسوسة فِي أَمر الشّرك {على الَّذين يتولونه} يَعْنِي إِبْلِيس وَالَّذين هم بِاللَّه مشركون فَذَلِك قَوْله {واستفزز من اسْتَطَعْت مِنْهُم بصوتك} يَعْنِي بدعائك وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَة إِبْنِ مَسْعُود، وَقَالَ فِي آيَة اخرى {ألم تَرَ أَنا أرسلنَا الشَّيَاطِين على الْكَافرين تؤزهم أزا} يَعْنِي تغريهم إغراء وتزعجهم فِي الْكفْر إزعاجا بِالدُّعَاءِ والتزيين، وَأما تَفْسِير قَول إِبْلِيس {وَمَا كَانَ لي عَلَيْكُم من سُلْطَان} يَقُول: وَلم يكن لي عَلَيْكُم من الْملك مَا أقهركم على الشّرك، وتصديق ذَلِك قَوْله {إِلَّا أَن دعوتكم فاستجبتم لي} فَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله عز وَجل للْكفَّار {إِنَّا نسيناكم} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {لَا يضل رَبِّي وَلَا ينسى} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْوُجُوه الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير الْوُجُوه قَول الله تبَارك وَتَعَالَى {إِنَّا نسيناكم} فَإِنَّهُ يَقُول للْكفَّار حِين أدخلهم النَّار: إِنَّا تركناكم فِي الْعَذَاب، وَلَا ينسى الرب تبَارك وَتَعَالَى شَيْئا أبدا وَلَا يذهب من حفظه وَلكنه كَمَا قَالَ أَيْضا {نسوا الله فنسيهم} يَقُول: تركُوا الْإِيمَان بِاللَّه فتركهم الله سُبْحَانَهُ من ذكره وكما قَالَ {مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها} يَعْنِي نتركها كَمَا هِيَ فَلَا ننسخها، وَأما قَوْله عز وَجل {لَا يضل رَبِّي وَلَا ينسى} يَعْنِي لَا يخطيء مَا فِي الْكتاب {وَلَا ينسى} يَعْنِي وَلَا يذهب من حفظه أبدا فَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله {ونحشره يَوْم الْقِيَامَة أعمى} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {فبصرك الْيَوْم حَدِيد} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْوُجُوه الْمُخْتَلفَة، وَأما قَوْله {ونحشره يَوْم الْقِيَامَة أعمى} عَن حجَّته، وَأما قَوْله {فبصرك الْيَوْم حَدِيد} فَإِذا بعث الله عز وَجل الْكَافِر من قَبره فَنظر إِلَى الْبَعْث الَّذِي كَانَ يكذب بِهِ فِي دَار الدُّنْيَا وَذَلِكَ كشف الغطاء عَنهُ فبصره عِنْد ذَلِك حَدِيد أَي شاخص بَصَره لَا يطرف فَهَذَا تفسيرهما.

باب ذكر متشابه القرآن

بَاب ذكر متشابه الْقُرْآن

قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: هَلَكت الزَّنَادِقَة وَشَكوا فِي الْقُرْآن حَتَّى زَعَمُوا أَن بعضه ينْقض بَعْضًا فِي تَفْسِير الآي الْمُتَشَابه كذبا وافتراء على الله جلّ اسْمه من جهلهم بالتفسير للآي الْمُحكم الَّذِي زَاد الله الْمُؤمنِينَ بِهِ إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا، فَقَالَ الْمُؤْمِنُونَ: آمنا بِهِ وَنحن بِهِ مُؤمنُونَ مقرون أَن بعضه يصدق بَعْضًا، وَاعْلَم أحسن الله توفيقنا وَإِيَّاك أَن لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا كَثِيرَة ومواطن ومواضع مِنْهُ خَاص وعام {لَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ أمنا بِهِ وَمَا يذكر إِلَّا أولُوا الْأَلْبَاب} وَأَيْضًا فَمن طلب علم مَا أشكل عَلَيْهِ من ذَلِك عِنْد أهل الْعلم بِهِ من ثِقَات الْعلمَاء وجد مطلبه، ولعمري إِن أهل الْأَهْوَاء فِي مثل ذَلِك اخْتلفُوا وَضَلُّوا، وَهَذِه جملَة جَاءَت بهَا الرِّوَايَة وأخذناها عَن الثِّقَات عَن مقَاتل بن سُلَيْمَان إِن تدبرت ذَلِك نفعك إِن شَاءَ الله.

قَالَ مقَاتل: أما مَا شكت فِيهِ الزَّنَادِقَة فِي مثل هَذِه الْآيَة وَنَحْوهَا من قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {هَذَا يَوْم لَا ينطقون وَلَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون} ثمَّ قَالَ فِي آيَة أُخْرَى {ثمَّ إِنَّكُم يَوْم الْقِيَامَة عِنْد ربكُم تختصمون} فَهَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْخَواص فِي المواطن الْمُخْتَلفَة، أما تَفْسِير {هَذَا يَوْم لَا ينطقون وَلَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون} فَأول مَا يجْتَمع الْخَلَائق بعد الْبَعْث فهم لَا ينطقون فِي ذَلِك الموطن {وَلَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون} قَالَ مِقْدَار سِتِّينَ سنة ثمَّ يُؤذن لَهُم فِي الْكَلَام فيكلم بَعضهم بَعْضًا {ثمَّ إِنَّكُم يَوْم الْقِيَامَة عِنْد ربكُم تختصمون} عِنْد الْحساب ثمَّ يُقَال لَهُم {قَالَ لَا تختصموا لدي وَقد قدمت إِلَيْكُم بالوعيد} بعد الْحساب.

وَأما قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {ونحشرهم يَوْم الْقِيَامَة على وُجُوههم عميا وبكما وصما} وَقَالَ فِي أَيَّة أُخْرَى {ونادى أَصْحَاب النَّار أَصْحَاب الْجنَّة} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا، يَقُول: هم بكم ونادى أَصْحَاب النَّار وَلَيْسَ بمنتقض وَلكنهَا فِي تَفْسِير الْخَواص فِي المواطن الْمُخْتَلفَة، وَأما قَوْله {ونادى أَصْحَاب النَّار أَصْحَاب الْجنَّة} فَإِنَّهُم أول مَا يدْخلُونَ النَّار ينادون أهل النَّار {وَنَادَوْا يَا مَالك ليَقْضِ علينا رَبك قَالَ إِنَّكُم مَاكِثُونَ} وينادون أَصْحَاب الْجنَّة {أَن أفيضوا علينا من المَاء} وَيَقُولُونَ: {رَبنَا أخرجنَا مِنْهَا فَإِن عدنا فَإنَّا ظَالِمُونَ} فيتركهم مِقْدَار سَبْعَة آلَاف سنة أَو مَا شَاءَ الله من ذَلِك ثمَّ يَقُول عز وَجل سُبْحَانَهُ فِي آخر ذَلِك {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تكَلمُون} فَعِنْدَ ذَلِك صَارُوا عميا وبكما وصما لَا يَسْتَطِيعُونَ الْكَلَام وَلَا يسمعُونَ وَلَا يبصرون فَهَذَا تَفْسِيرهَا.

وَأما قَوْله عز وَجل {فَلَا أَنْسَاب بَينهم يَوْمئِذٍ وَلَا يتساءلون} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا حِين قَالَ {وَلَا يتساءلون} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {وَأَقْبل بَعضهم على بعض يتساءلون} وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْخَواص فِي المواطن الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير {فَلَا أَنْسَاب بَينهم يَوْمئِذٍ وَلَا يتساءلون} فَإِذا نفخ فِي الصُّور النفخة الثَّانِيَة قَامَ الْخَلَائق من قُبُورهم فَلَا أَنْسَاب بَينهم فِي ذَلِك الموطن وَلَا يعْطف بَعضهم على بعض قريب لِقَرَابَتِهِ حَتَّى ينجو من الْحساب إِلَى الْجنَّة وَلَا يسْأَل بَعضهم بَعْضًا فَذَلِك قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {وَلَا يسْأَل حميم حميما} وَذَلِكَ قَوْله {يَوْم يفر الْمَرْء من أَخِيه وَأمه وَأَبِيهِ وصاحبته وبنيه لكل امْرِئ مِنْهُم يَوْمئِذٍ شَأْن يُغْنِيه} فَإِذا صَارُوا إِلَى الْجنَّة {أقبل بَعضهم على بعض يتساءلون} إِذا رأى بَعضهم بَعْضًا فَهَذَا تَفْسِيرهَا.

وَأما قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {وَيَوْم نحشرهم جَمِيعًا ثمَّ نقُول للَّذين أشركوا أَيْن شركاؤكم الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ ثمَّ لم تكن فتنتهم إِلَّا أَن قَالُوا وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {يَوْمئِذٍ يود الَّذين كفرُوا وعصوا الرَّسُول لَو تسوى بهم الأَرْض وَلَا يكتمون الله حَدِيثا} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا حَيْثُ قَالُوا {وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين} وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْخَواص فِي المواطن الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير قَول الْمُشْركين حَيْثُ قَالُوا {وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين} فَإِنَّهُم لما نَظَرُوا يَوْم الْقِيَامَة إِلَى مَا يصنع الله بِأَهْل التَّوْحِيد من الْكَرَامَة وَكَيف يتَجَاوَز عَن مساويهم ويشفع فيهم الْمَلَائِكَة والنبيون والمؤمنون بَعضهم فِي بعض قَالَ الْمُشْركُونَ عِنْد ذَلِك: تَعَالَوْا نكتم الشّرك فَلَمَّا سئلوا {أَيْن شركاؤكم الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ} قَالُوا {وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين}، فَلَمَّا كتموا الشّرك ختم الله على ألسنتهم واستنطق جوارحهم وأيديهم وأرجلهم فَذَلِك قَوْله {الْيَوْم نختم على أَفْوَاههم} يَعْنِي بعد مَا كتمت الألسن الشّرك {وتكلمنا أَيْديهم وَتشهد أَرجُلهم} بالشرك {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} يَعْنِي بِمَا كَانُوا يعْملُونَ، وَقَالَ فِي حم السَّجْدَة {وَمَا كُنْتُم تستترون أَن يشْهد عَلَيْكُم سمعكم وَلَا أبصاركم وَلَا جلودكم وَلَكِن ظننتم أَن الله لَا يعلم كثيرا مِمَّا تَعْمَلُونَ} يَعْنِي بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ من الشّرك فَذَلِك قَوْله فِي سُورَة النِّسَاء {يَوْمئِذٍ يود الَّذين كفرُوا وعصوا الرَّسُول لَو تسوى بهم الأَرْض وَلَا يكتمون الله حَدِيثا} يَعْنِي يودون حِين شهِدت عَلَيْهِم الْجَوَارِح بالشرك لَو سويت بهم الأَرْض فَدَخَلُوا فِيهَا، ثمَّ ذكر الْجَوَارِح فَقَالَ: {وَلَا يكتمون الله حَدِيثا} يَعْنِي بالجوارح الْأَيْدِي والأرجل والأسماع والأبصار والجلود وَلَا يكتمون الله الشّرك فَيَشْهَدُونَ بِهِ عَلَيْهِم عِنْد الله فَذَلِك قَوْله {وَلَا يكتمون الله حَدِيثا} يَعْنِي بالجوارح وَذَلِكَ قَوْله {بل الْإِنْسَان على نَفسه بَصِيرَة} يَقُول بل جوارح الْكَافِر على نَفسه شاهدة بالشرك فَلَمَّا شهِدت الْجَوَارِح بِمَا كتمت الألسن من الشّرك أطلق الله الألسن فنطقت بعد ذَلِك فَقَالَت للجوارح وَبَيَان ذَلِك فِي حم السَّجْدَة: {وَقَالُوا لجلودهم لم شهدتم علينا قَالُوا أنطقنا الله الَّذِي أنطق كل شَيْء وَهُوَ خَلقكُم أول مرّة وَإِلَيْهِ ترجعون} مِن الدُّنْيَا، ثمَّ اعْترفت الألسن بعد ذَلِك بالشرك فَلَمَّا سَأَلتهمْ الخزنة عِنْد دُخُول النَّار فِي سُورَة الزمر قَالُوا: {ألم يأتكم رسل مِنْكُم يَتلون عَلَيْكُم آيَات ربكُم وينذرونكم لِقَاء يومكم هَذَا قَالُوا بلَى وَلَكِن حقت كلمة الْعَذَاب على الْكَافرين} وَذَلِكَ قَوْله فِي تبَارك الْملك {ألم يأتكم نَذِير قَالُوا بلَى قد جَاءَنَا نَذِير فكذبنا وَقُلْنَا مَا نزل الله من شَيْء إِن أَنْتُم إِلَّا فِي ضلال كَبِير} فَلَمَّا أقرُّوا على أنفسهم بالشرك والتكذيب بقول الله عز وَجل للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {فَاعْتَرفُوا بذنبهم فسحقا لأَصْحَاب السعير} يَعْنِي تكذيبهم الرُّسُل فِيمَا جَاءَت بِهِ من التَّوْحِيد وَغَيره فَهَذَا تفسيرهما، وَأما قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {وَيَوْم تقوم السَّاعَة يقسم المجرمون مَا لَبِثُوا غير سَاعَة} وَقَوله {يتخافتون بَينهم إِن لبثتم إِلَّا عشرا} وَقَوله {إِن لبثتم إِلَّا يَوْمًا} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْخَواص فِي المواطن الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير {إِن لبثتم إِلَّا عشرا} فَإِنَّهُم من أول مَا بعثوا من الْقُبُور نظرُوا إِلَى مَا كَانُوا يكذبُون بِهِ فِي الدُّنْيَا من الْبَعْث استقلوا مكثهم فِي الْقُبُور فتشاوروا بَينهم وَقَالُوا {إِن لبثتم إِلَّا عشرا} يَعْنِي مَا لبثتم إِلَّا عشر لَيَال ثمَّ استكثروا عَن افعال أمثالهم وأبوا فِي أنفسهم {إِن لبثتم} يَعْنِي مَا لبثتم إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا من أَيَّام الدُّنْيَا، ثمَّ استكثروا أَيْضا يَوْمًا فاتفق رَأْيهمْ على أَنهم لم يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَة من نَهَار من أَيَّام الدُّنْيَا وَذَلِكَ قَوْله {وَيَوْم تقوم السَّاعَة يقسم المجرمون مَا لَبِثُوا غير سَاعَة} يَقُول الله عز وَجل {كَذَلِك كَانُوا يؤفكون} يَعْنِي هَكَذَا كَانُوا يكذبُون فِي الدُّنْيَا كَمَا كذبُوا فِي الْآخِرَة حِين بَعثهمْ فَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {يَوْم يجمع الله الرُّسُل فَيَقُول مَاذَا أجبتم قَالُوا لَا علم لنا} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {وَيَقُول الأشهاد هَؤُلَاءِ الَّذين كذبُوا على رَبهم} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْخَواص فِي المواطن الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير {يَوْم يجمع الله الرُّسُل فَيَقُول مَاذَا أجبتم قَالُوا لَا علم لنا} فَإِنَّهُ أول مَا يبْعَث الْخَلَائق قَامُوا مبهوتين فَسُئِلت الرُّسُل {مَاذَا أجبتم} فِي التَّوْحِيد {قَالُوا لَا علم لنا} ثمَّ رجعت إِلَيْهِم عُقُولهمْ بعد ذَلِك فَلَمَّا سئلوا أخبروا بِمَاذَا أجِيبُوا فَذَلِك قَوْله {وَيَقُول الأشهاد} يَعْنِي الرُّسُل يَوْم الْقِيَامَة {هَؤُلَاءِ الَّذين كذبُوا على رَبهم} فزعموا أَن لَهُ شَرِيكا فَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْخَواص فِي المواطن الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير {لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار} يَعْنِي لَا يرَاهُ الْخلق فِي الدُّنْيَا دون الْآخِرَة وَلَا فِي السَّمَوَات دون الْجنَّة، وَقَوله {وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة} يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة {ناضرة} يَعْنِي الْحسن وَالْبَيَاض يعلوها النُّور {إِلَى رَبهَا ناظرة} ينظرُونَ إِلَى الله عز وَجل يَوْمئِذٍ مُعَاينَة فَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله حَيْثُ قَالَ مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لرَبه عز وَجل: {رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك قَالَ لن تراني} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى لمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: {وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْخَواص فِي المواطن الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير قَوْله جلّ اسْمه لمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام {لن تراني} قَالَ مُوسَى لما سمع كَلَام ربه بِأَرْض الْقُدس اشتاق إِلَى رُؤْيَته فَقَالَ {رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك} فَقَالَ الله عز وَجل {لن تراني} يَعْنِي فِي الدُّنْيَا فَأَما فِي الْجنَّة فَإِن مُوسَى وَغَيره يرونه فِي الْجنَّة معاينة.

وَأما تَفْسِير قَوْله لمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: {وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى} فَقَالَ: رَآهُ فِي الْجنَّة لَيْلَة أُسرى بِهِ تَصْدِيق ذَلِك قَوْله {وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى عِنْدهَا جنَّة المأوى} فَذَلِك قَوْله {مَا زاغ الْبَصَر وَمَا طَغى} يَقُول: مَا مَال بصر مُحَمَّد عَن رُؤْيَة ربه حِين رَآهُ نظر إِلَيْهِ فِي جنَّة المأوى وَمَا ظلم كَمَا قَالَ مُوسَى {تبت إِلَيْك وَأَنا أول الْمُؤمنِينَ} فقد كَانَ إِبْرَاهِيم ونوح وآدَم صلى الله عَلَيْهِم وَغَيرهم مُؤمنين قبل مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَلَكِن قَول مُوسَى {وَأَنا أول الْمُؤمنِينَ} يَعْنِي أَنا اول المصدقين بأنك لن ترى فِي الدُّنْيَا وكما قَالَ فِي سحرة فِرْعَوْن {أَن كُنَّا أول الْمُؤمنِينَ} يَعْنِي أول المصدقين من أهل مصر من بني إِسْرَائِيل بِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام من التَّوْحِيد وكما قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {وَأَنا أول الْمُسلمين} يَعْنِي من أهل مَكَّة خَاصَّة وَقد كَانَ قبله مُسلمُونَ فِي الْأُمَم الخالية فَهَذَا تفسيرهما فِي المواطن.

وَأما قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّه عَليّ حَكِيم} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى: وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على رَبهم قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بلَى وربنا} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْخَواص فِي المواطن الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير {وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب} كَمَا كلم مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام تكليما من وَرَاء حجاب، وَأما فِي الْآخِرَة فَإِنَّهُ يقف الْبَار والفاجر على ربه يكلمونه بِغَيْر حجاب وَذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة كَمَا قَالَ عز وَجل فِي كِتَابه يكلمهم وَيسْأل عَن أَعْمَالهم عِنْد الْحساب فَذَلِك قَوْله جلّ ذكره {فوربك لنسئلنهم أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ} فَإِذا صَارُوا إِلَى الْجنَّة أهل الْجنَّة وَأهل النَّار إلى النَّار فَإِنَّهُ يكلم أهل الْجنَّة وَلَا يحتجب عَنْهُم وَأما الْكفَّار فَإِنَّهُ {وَلَا يكلمهم الله} يَعْنِي بعد الْحساب {وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة} بعد الْحساب {وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم}.

باب ذكر الشراة والخوارج

بَاب ذكر الشراة والخوارج

قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: وَأَنا اذكر الشراة والخوارج وعددهم فِي هَذَا الْجُزْء وَعند تفسيري قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: تفترق أمتِي على ثَلَاث وَسبعين فرقة، وأبينهم بأسمائهم إِن شَاءَ الله.

فَأَما الْفرْقَة الأولى من الْخَوَارِج: فهم المحكمة الَّذين كَانُوا يخرجُون بسيوفهم فِي الْأَسْوَاق فيجتمع النَّاس على غَفلَة فينادون: لَا حكم إِلَّا لله، ويضعون سيوفهم فِيمَن يلحقون من النَّاس فَلَا يزالون يقتلُون حَتَّى يقتلُوا وَكَانَ الْوَاحِد مِنْهُم إِذا خرج للتحكيم لَا يرجع أَو يقتل فَكَانَ النَّاس مِنْهُم على وَجل وفتنة وَلم يبْق مِنْهُم الْيَوْم أحد على وَجه الأَرْض بِحَمْد الله، فَمَتَى تعرضت هَذِه الْفرْقَة من الشراة يُقَال لَهُم: أخبرونا عَن قَوْلكُم: لَا حكم إِلَّا لله، مَاذَا تُرِيدُونَ؟ فَإِنَّهُم يَقُولُونَ: لَا تحكيم فِي دين الله لأحد من النَّاس إِلَّا لله، وهم لَا يحكمون بَينهم حكما فَلَمَّا حكم أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة رَضِي الله عَنْهُم وخلع عليا رَضِي الله عَنهُ، قَالَ هَؤُلَاءِ عَليُّ كفر بِجعْل الحكم إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَلَا حكم إِلَّا لله.

والشراة كلهم يكفرون أَصْحَاب الْمعاصِي وَمن خالفهم فِي مَذْهَبهم مَعَ اخْتِلَاف أقاويلهم ومذاهبهم، يُقَال لَهُم: من أيْنَ قُلْتُمْ: لَا حكم إِلَّا لله؟ وَقد حكم الله النَّاس فِي كِتَابه فِي غير مَوضِع: قَالَ عز وَجل فِي جَزَاء الصَّيْد {يحكم بِهِ ذَوا عدل مِنْكُم} وَقَالَ تَعَالَى {وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا أَو إعرضا فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يصلحا بَينهمَا} وَقَالَ {وَإِن خِفْتُمْ شقَاق بَينهمَا فَابْعَثُوا حكما وَمن أَهله وَحكما من أَهلهَا} يَعْنِي الزَّوْج وَالزَّوْجَة وَقَالَ {وَمَا اختلفتم فِيهِ من شَيْء فَحكمه إِلَى الله} وَأَيْضًا: {فَردُّوهُ إِلَى الله وَإِلَى الرَّسُول} وَقَالَ: {وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أولى الْأَمر مِنْهُم لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته لَاتبعتم الشَّيْطَان إِلَّا قَلِيلا} فَهَذَا مُحكم الْقُرْآن قد جعل أحكاما كَثِيرَة إِلَى الْعلمَاء وَإِلَى الْأُمَرَاء من النَّاس ينظرُونَ فِيهِ مِمَّا لم ينزل بَيَانه من عِنْد الله، فَكيف قُلْتُمْ: لَا حكم إِلَّا لله؟ فَإِن أَبَوا هَذَا الشَّرْح ومحكم الْكتاب ظهر جهلهم، وَإِن قَالُوا بِهِ تركُوا قَوْلهم وَرَجَعُوا إِلَى الْحق.

وَيُقَال لَهُم: لَا يحل دم مُؤمن يهرق إِلَّا بِثَلَاثَة خلال: إِمَّا زنى بعد إِحْصَان أَو ارتداد بعد إِيمَان أَو أَن يقتل نفسا عمدا فَيقْتل بِهِ ثمَّ لم يُطلق قتل أحد من أهل الْقبْلَة، فَبِمَ استحللتم قتل النَّاس؟ فَإِن حاولوا حجَّة لم يجدوها وَإِن مروا على جهلهم بِغَيْر حجَّة بَان خطؤهم.

وَيُقَال لَهُم فِي تَكْفِير النَّاس: لم كَفرْتُمْ من أقرّ بِاللَّه وَرَسُوله وَدينه ثمَّ أَتَى كَبِيرَة؟ فَإِن قَالُوا: قِيَاسا على قَول الله عز وَجل {وَمن يكفر بِالْإِيمَان فقد حَبط عمله} ثمَّ قَالَ عز وَجل: {إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا} وَقَالَ: {وَهُوَ الَّذِي خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن} فَلم يَجْعَل الله بَين الْكفْر وَالْإِيمَان منزلَة ثَالِثَة وَمن كفر وحبط عمله فَهُوَ مُشْرك وَالْإِيمَان رَأس الْأَعْمَال وَأول الْفَرَائِض فِي عمل وَمن ترك مَا أمره الله بِهِ فقد حَبط عمله وإيمانه وَمن حَبط عمله فَهُوَ بِلَا إِيمَان وَالَّذِي لَا إِيمَان لَهُ مُشْرك كَافِر.

يُقَال لَهُم: أخطأتم الْقيَاس وتركتم طَرِيق الْعلم وَذَلِكَ أَن الله عز وَجل بَين فِي كِتَابه الْمُحكم أَن الْفَاسِق لَهُ منزلَة بَين الْإِيمَان وَالْكفْر بقوله {وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ} وَلم يقل إِنَّهُم مَعَ فسقهم مُؤمنُونَ كَمَا قَالَت المرجئة وَلَا قَالَ إِنَّهُم مَعَ فسقهم كفار كَمَا قُلْتُمْ أَنْتُم وَأثبت لَهُم اسْم الْفسق فَقَط فهم فساق لَا مُؤمنُونَ وَلَا كافرون كَمَا قَالَ الله عز وَجل وأجمعت عَلَيْهِ الْأمة، وَالْأمة مجمعة على اسْم الْفسق لأهل الْكَبَائِر وَإِنَّمَا هُوَ اسْم ومنزلة بَين الْكفْر وَالْإِيمَان أَجمعت الْأمة على ذَلِك وَإِنَّمَا ذهب من ذهب إِلَى تَكْفِير أهل الْكَبَائِر من أهل الْقبْلَة بعد القَوْل بفسقهم، وَكَذَلِكَ المرجئة إِنَّمَا سموا أهل الْكَبَائِر مُؤمنين بعد مَا سموهم فاسقين لِأَن الله عز وَجل سماهم فاسقين وَلم يتهيأ لَهُم أَن يزيلوا اسْم الْفسق عَنْهُم فَاجْتمعُوا على فسقهم ثمَّ افْتَرَقُوا إِلَى غير ذَلِك.

وَيُقَال لَهُم أَيْضا: لما صيرتم الْكَبَائِر والصغائر شَيْئا وَاحِدًا وَالله عز وَجل قد فرق بَين الصَّغَائِر والكبائر بقوله {إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ وَنُدْخِلكُمْ مدخلًا كَرِيمًا} يعْنى من لم يعْمل الْكَبَائِر؟ فَإِن حاولوا حجَّة فِي تَكْفِير الْأمة لم يَجدوا، وَإِن جعلُوا الذُّنُوب كلهَا كَبَائِر لم يَجدوا إِلَى الْحجَّة سَبِيلا من عقل وَلَا سمع.

وَقَالُوا بِولَايَة الشَّيْخَيْنِ أبي بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا وعداوة الختنين عُثْمَان وَعلي رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالُوا: كفر عُثْمَان وَكَذَلِكَ عَليّ، يُقَال لَهُم: بِمَاذَا كفرتموهما؟ فَإِن قَالُوا: لِأَن عليا حكم الْحكمَيْنِ وخلع نَفسه عَن إمرة الْمُؤمنِينَ وَحكم فِي دين الله فَكفر وَعُثْمَان ولى رِقَاب الْمُؤمنِينَ وُلَاة جور فَحكم بِغَيْر مَا حكم الله فَكفر.

يُقَال لَهُم: قد بَينا أَن الله عز وَجل قد جعل فِي كثير من دينه الحكم إِلَى عباده فَلَا حَاجَة لنا إِلَى إِعَادَته.

أخبرونا الْآن عَن عُثْمَان، وَعلي رَضِي الله عَنْهُمَا: أليسا كَانَا وليين للْمُسلمين فِي الأَصْل بِإِجْمَاع لَا اخْتِلَاف فِيهِ عنْدكُمْ وَعند كل النَّاس؟ فَإِن قَالُوا: لَا مَا كَانَا وليين للْمُؤْمِنين، تجاهلوا وردوا الْإِجْمَاع، وَإِن قَالُوا: نعم قد كَانَا مُؤمنين وليين للْمُؤْمِنين بِإِجْمَاع ثمَّ كفرا.

يُقَال لَهُم: فالإجماع على إيمانهما وولايتهما ثَابت حَتَّى يجِئ إِجْمَاع مثله فيزيل ولايتهما وإيمانهما وَيثبت كفرهما، فَلَا حجَّة لَهُم بعد هَذَا الْبَيَان فِي تكفيرهما.

وَيُقَال لَهُم: قد روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِإِجْمَاع الْأمة لَا يخْتَلف فِيهِ ناقل وَلَا راوٍ أَنه سَمَّاكُم مارقة وَأخْبر عَنْكُم وذكركم أَنكُمْ كلاب أهل النَّار، فَقيل: يَا رَسُول الله مَا معنى مارقة؟ قَالَ: يَمْرُقُونَ من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية، يعْني يخرجُون من الدّين، وَأَنْتُم بِإِجْمَاع الْأمة مارقون خارجون من دين الله لَا اخْتِلَاف بَين الْأمة فِي ذَلِك مَعَ أَن أفعالكم من إهراق دِمَاء الْمُسلمين وتكفيركم السّلف وَالْخلف واستحلالكم لما حرم الله عَلَيْكُم ظَاهِرَة شاهدة عَلَيْكُم بأنكم خارجون من الدّين داخلون فِي البغي وَالْفِسْق وَمِنْهُم فرق تبلغ بهم أَعْمَالهم وأقاويلهم إلى الْكفْر سنذكركم إِذا أَتَيْنَا على ذكرهم إِن شَاءَ الله.

وَإِمَّا الثَّانِيَة من الْخَوَارِج: فهم الْأزَارِقَة والعمرية أَصْحَاب عبد الله بن الْأَزْرَق وَعمر بن قَتَادَة، وَهَؤُلَاء أقل الْخَوَارِج شرا لأَنهم لَا يرَوْنَ إهراق دِمَاء الْمُسلمين وَلَا غنم أَمْوَالهم وَلَا سبي ذَرَارِيهمْ وَلَكِن يَقُولُونَ: المعاصي كفر، ويتبرؤن من عُثْمَان وَعلي ويتولون أَبَا بكر وَعمر، وهم أَصْحَاب ليل وورع واجتهاد وَقد فقد هَؤُلَاءِ بِحَمْد الله لم يبْق مِنْهُم أحد.

وَإِمَّا الثَّالِثَة: فهم الشبيبية أَصْحَاب شبيب الْخَارِجِي خرج على الْحجَّاج بن يُوسُف فِي خَمْسَة وَسبعين رجلا من قومه من جبال عمان فَهزمَ للحجاج أَرْبَعَة جيوش حَتَّى دخل الْكُوفَة وصعدت امْرَأَته مِنْبَر الْكُوفَة وخطبت ولعنت الْحجَّاج وَبني مَرْوَان على الْمِنْبَر وَكَانَت جعلت ذَلِك عَلَيْهَا نذرا فوفت بنذرها، ثمَّ خرج إِلَى الأهواز ونواحيها فَكَانَ لَا يقوم لَهُ جَيش وَكَانَ أَشْجَع النَّاس وأفرسهم، وَذَلِكَ أَن أمه مَاتَت وأرضع بِلَبن أتان لَهُم فَخرج شَدِيد الْبدن، وَكَانَ لَا يقتل أحدا وَلَا يسبي وَلَا يسْتَحل شَيْئا مِمَّا حرم الله إِلَّا مَا يستحله من الْحجَّاج وَأَصْحَابه غير أَنه كَانَ يكفر السّلف وَالْخلف ويتبرأ من الختنين ويتولى الشَّيْخَيْنِ، وَكَانَ آخر أمره أَن جنح بِهِ فرسه فَرمى بِهِ فِي دجله فغرق فشق بَطْنه وَأخرج فُؤَاده أسود كالحجر فَكَانُوا يضْربُونَ بِهِ الأَرْض فيرتفع قامة الرجل من صلابته وغلظه وَقد تفرق أَصْحَابه بعد هَلَاكه فَلم ير مِنْهُم أحد إِلَى الْيَوْم.

وَأما الْفرْقَة الرَّابِعَة: فهم النجدية [النجدات] أَصْحَاب نجدة الحروري خرج من جبال عمان فَقتل الْأَطْفَال وسبى النِّسَاء وأهرق الدِّمَاء واستحل الْفروج وَالْأَمْوَال وَكَانَ يكفر السّلف وَالْخلف ويتولى ويتبرأ وَكَانَ رديا مرديا حَتَّى قتل وَكَانَ يَقُول: الِاسْتِطَاعَة مَعَ الْفِعْل.

والفرقة الْخَامِسَة من الْخَوَارِج: هم الإباضية أَصْحَاب إباض بن عَمْرو خَرجُوا من سَواد الْكُوفَة فَقتلُوا النَّاس وَسبوا الذُّرِّيَّة وَقتلُوا الْأَطْفَال وَكَفرُوا الْأمة وأفسدوا فِي الْعباد والبلاد فَمنهمْ الْيَوْم بقايا بسواد الْكُوفَة.

والفرقة السَّادِسَة: الصفرية وهم أَصْحَاب الْمُهلب بن أبي صفرَة خَرجُوا على الْحجَّاج مَعَ يزِيد بن الْمُهلب فَقَاتلُوا الْحجَّاج وَلم يؤذوا النَّاس وَلَا كفرُوا الْأمة وَلَا قَالُوا بشئ من قَول الْخَوَارِج الَّذين تقدم ذكرهم حَتَّى هَزَمَهُمْ الْحجَّاج وأبادهم وَدخل يزِيد فِي طَاعَته بعد ذَلِك.

والفرقة السَّابِعَة: الحرورية يَقُولُونَ بتكفير الْأمة ويتبرؤن من الختنين ويتولون الشَّيْخَيْنِ ويسبون ويستحلون الْأَمْوَال والفروج وَيَأْخُذُونَ بِالْقُرْآنِ وَلَا يَقُولُونَ بِالسنةِ أصلا، وَإِذا تطهر مِنْهُم الرجل أَو الْمَرْأَة للصَّلَاة لَا يبرح وَلَا يمشي أصلا حَتَّى يصلي فِي الْمَكَان الَّذِي تطهر فِيهِ وَزَعَمُوا أَنه إِذا مَشى الرجل تحرّك شرجه وانتقضت طَهَارَته، ويستنجون بِالْمَاءِ وَإِذا خرجت مِنْهُم الرّيح لم يَتَطَهَّرُوا للصَّلَاة خلافًا لجَمِيع الْأمة وَلَا يصلونَ فِي السَّرَاوِيل وَيَقُولُونَ: السَّرَاوِيل جب الفقاح، وتقاتل نِسَاؤُهُم على الْخَيل مضمرات كَمَا يُقَاتل رِجَالهمْ، وهم بِنَاحِيَة سجستان وهراة وخراسان وهم عَالم كثير لَا يعرف عَددهمْ إِلَّا الله وهم أَصْحَاب خيل وشجاعة.

وَأما الْفرْقَة الثَّامِنَة: فهم الحمزية يَقُولُونَ بِكُل قَول الحرورية غير أَنهم لَا يسْتَحلُّونَ أَخذ مَال أحد حَتَّى يقتلوه فَإِن لم يَجدوا صَاحب المَال لم يتناولوا من ذَلِك المَال شَيْئا دون أَن يظْهر صَاحبه فيقتلوه فَإِذا قَتَلُوهُ حِينَئِذٍ استحلوا مَاله قد جعلُوا هَذَا شَرِيعَة لَهُم.

والفرقة التَّاسِعَة: الصليدية من الحمزية أَيْضا يَقُولُونَ بقول الحرورية والحمزية وَيقْتلُونَ ويستحلون الْأَمْوَال على الْأَحْوَال كلهَا، وهم أشر الْخَوَارِج وأقذرهم وَأَكْثَرهم فَسَادًا وَلَهُم عدد وَجمع بِنَاحِيَة سجستان ونواحيها.

والفرقة الْعَاشِرَة من الْخَوَارِج: هم الشراة الَّذين يكفرون أَصْحَاب المعاصي فِي الصَّغَائِر والكبائر ويتبرؤن من الختنين عُثْمَان وَعلي ويتولون الشَّيْخَيْنِ أَبَا بكر وَعمر، وهم لَا يسْتَحلُّونَ أَمْوَال النَّاس وَلَا يسبون النِّسَاء وَلَا يخالفون فِي دين وَلَا سنة وهم يَقُولُونَ: العصاة كفار نعْمَة لَا كفار شرك وهم فِي نَاحيَة هراة واصطخر بَين دارابجرد وكرمان، وَلَهُم كتب وضعوها على تَصْحِيح مَذْهَبهم فِيهَا حجج وَكَلَام صَعب وَفِيهِمْ عُلَمَاء وفقهاء وَلَهُم مُرُوءَة ظَاهِرَة وَدُنْيا وَاسِعَة وخصب، وَقد ظهر فيهم الْيَوْم مَذَاهِب الْمُعْتَزلَة فَمنهمْ من ترك مذْهبه وَقَالَ بالاعتزال فنغوذ بِاللَّه من الضلال كُله وَقد ذكرت جملا أشرحها لَك على النسق بعد ذكرى لمتشابه الْقُرْآن وَمَا أشبه ذَلِك إِن شَاءَ الله نفعنا الله وَإِيَّاكُم ونسأله الزِّيَادَة فِي الْعلم وَالْعَمَل.

باب ذكر المرجئة

بَاب ذكر المرجئة

وَقد ذكرت المرجئة فِي كتَابنَا هَذَا أَولا وآخرا إِذْ قَوْلهَا خَارج من التعارف وَالْعقل، أَلا ترى أَن مِنْهُم من يَقُول: من قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وَحرم مَا حرم الله وَأحل مَا أحل الله دخل الْجنَّة إِذا مَاتَ، وَإِن زنى، وَإِن سرق، وَقتل، وَشرب الْخمر، وَقذف الْمُحْصنَات، وَترك الصَّلَاة، وَالزَّكَاة وَالصِّيَام، إِذا كَانَ مقرا بهَا يسوف التَّوْبَة لم يضرّهُ وُقُوعه على الْكَبَائِر وَتَركه للفرائض، وركوبه الْفَوَاحِش، وَإِن فعل ذَلِك استحلالا كَانَ كَافِرًا بِاللَّه مُشْركًا وَخرج من إيمَانه وَصَارَ من أهل النَّار، وَأَن الْإِيمَان لَا يزِيد وَلَا ينقص وإيمان الْمَلَائِكَة والأنبياء والأمم وعلماء النَّاس وجهالهم وَاحِد لَا يزِيد مِنْهُ شَيْء على شَيْء أصلا، وَاحْتَجُّوا بقول الله عز وَجل {إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء} فَقَالُوا: الْكَافِر وَحده لَا يغْفر لَهُ وَمَا دون الْكفْر مغْفُور لأَهله، وَرووا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: من قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة وَإِن زنى وسرق وَقتل، وَأَنا أذكر دَلِيل هَذَا فِي آخِر الكتاب فِي جُزْء الْحجَّاج إِن شَاءَ الله.

وَيَنْبَغِي أَن يَقُول لَهُم: أخبرونا عَن الْإِيمَان: مَا هُوَ؟ فَإِن قَالُوا: لَا ندري، سَقَطت مواربة كَلَامهم وصاروا بِمَنْزِلَة من يَقُول الشَّيْء على الْجَهْل وَالْجَاهِل لَا حجَّة لَهُ.

وَإِن قَالُوا: الْإِيمَان هُوَ الْإِقْرَار، فقد صدقُوا، يُقَال لَهُم: فالإقرار يكون بِاللِّسَانِ أَو بِالْقَلْبِ؟ فَإِن قَالُوا: بِاللِّسَانِ فَقَط، يُقَال لَهُم: فالمنافقون الَّذين أقرُّوا بألسنتهم وأسروا الشّرك أهوَ شَيْء صَحَّ لَهُم الْإِيمَان إِذا أقرُّوا بألسنتهم وَالْإِيمَان عنْدكُمْ الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ؟

فَإِن قَالُوا: هَؤُلَاءِ أقرُّوا بألسنتهم وأسروا هَذِه فَلم يَصح إِيمَانهم، نقضوا قَوْلهم لأَنهم قد اعْتَرَفُوا أَن القَوْل بِاللِّسَانِ لَا يَصح إِلَّا مَعَ إِقْرَار بِالْقَلْبِ وَإِن شكّ الْقلب بِبَعْض إِقْرَار اللِّسَان، فَيجب عَلَيْهِم حِينَئِذٍ أَن يَقُولُوا: الْإِيمَان قَول بِاللِّسَانِ وَإِقْرَار بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَار بِالْقَلْبِ عمل بل هُوَ أصل كل الْأَعْمَال الَّتِي بالجوارح لِأَن الْجَوَارِح عَن الْقلب تصدر وَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد وَجب أَن يَقُولُوا: إِن الْإِيمَان قَول وَعمل، وينقضوا أصلهم، إِن الْإِيمَان قَول بِلَا عمل، وَأَيْضًا إِذا أقرُّوا أَن الْإِيمَان قَول بِاللِّسَانِ وتصديق بِالْقَلْبِ لزمتهم أَن يَقُولُوا: وَعمل بالجوارح، فَإِن أَبَوا أَن يَقُولُوا ذَلِك ردوا إِلَى الْكَلَام الأول فَبَان جهلهم، وَإِن أَجَازُوا ذَلِك تركُوا قَوْلهم وَقَالُوا: الْإِيمَان قَول بِاللِّسَانِ وتصديق بِالْقَلْبِ وَعمل بالجوارح يزِيد وَينْقص، وَهَذَا هُوَ الْحق لَا يجوز غَيره.

وَيُقَال لَهُم أَيْضا: أخبرونا: افْترض الله على عباده فَرَائض فِيهَا أَمر وَنهي؟ فَإِن قَالُوا: لَا، جهلوا وكابروا، وَإِن قَالُوا: نعم، قيل لَهُم: فَمَا تَقولُونَ فِيمَن أدّى إِلَى الله مَا أمْر بِهِ وانْتهى عَمَّا نَهَاهُ أهوَ كمن عَصَاهُ فِي أمره وَنَهْيه؟ فَإِن قَالُوا: هما سَوَاء عِنْد الله، وَعِنْدنَا جعلُوا الْمعْصِيَة كالطاعة وَالطَّاعَة كالمعصية وَهَذَا جهل وَكفر مِمَّن قَالَه، وَإِن قَالُوا: الطَّاعَة غير الْمعْصِيَة وَلَيْسَ من أطَاع الله فِي أمره وَنَهْيه كمن عَصَاهُ، تركُوا قَوْلهم وَقَالُوا بِالْحَقِّ.

وَيُقَال لَهُم: أخبرونا عَن قَول الله تبَارك وَتَعَالَى {أم حسب الَّذين يعْملُونَ السَّيِّئَات أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء محياهم ومماتهم سَاءَ مَا يحكمون} وَقَالَ تَعَالَى {أم حسب الَّذين يعْملُونَ السَّيِّئَات أَن يسبقونا سَاءَ مَا يحكمون} أَهَذا شَيْء قَالَه على حَقِيقَة القَوْل أم على الْمجَاز؟ فَإِن قَالُوا: على الْمجَاز، جعلُوا إِخْبَار الله عَن وعده على الْمجَاز وَهَذَا كفر مِمَّن قَالَه لِأَن أحدا لَا يتَيَقَّن حِينَئِذٍ بِخَبَرِهِ إِذا لم يكن لَهُ حَقِيقَة وَصِحَّة، وَإِن قَالُوا: على حَقِيقَة، يُقَال لَهُم: أخبر الله عز وَجل أَنه لَا يَسْتَوِي عِنْده الْوَلِيّ والعدو.

وَيُقَال لَهُم: أخبرونا عَمَّن زنا وأتى شَيْئا من الْكَبَائِر: أَتَرَوْنَ عَلَيْهِ التَّوْبَة أم لَا؟ فَإِن قَالُوا: لَا، بان جهلهم، وَإِن قَالُوا: نعم، قيل لَهُم: لأي شَيْء يَتُوب؟ فَإِن قَالُوا: يقبل الله تَوْبَته وَيغْفر ذَنبه، تركُوا قَوْلهم وَجعلُوا لأهل الْمعاصِي تَوْبَة وغفرانا مِمَّا اجترموا، وَإِن قَالُوا: لَا، يَحْتَاجُونَ إِلَى غفران وَلَا تَوْبَة عَلَيْهِم، خَرجُوا من دين الْإِسْلَام وخالفوا الْجَمَاعَة.

وَيُقَال لَهُم: فَلم قُلْتُمْ: إِن الله يغْفر للمُصرين بِلَا تَوْبَة أَمن سمع أَو عقل؟ فَإِن فِي الْعقل شَوَاهِد دَالَّة أَن الْحَكِيم لَا يَسْتَوِي عِنْده وليه الَّذِي أطاعه وعدوه الَّذِي عَصَاهُ وَلَا يجوز ذَلِك فِي الْحِكْمَة.

وَيُقَال لَهُم فِي قَوْلهم: إِن الْإِيمَان لَا يزِيد وَلَا ينقص، مَا تَقولُونَ فِيمَن آمن وَهُوَ بِاللَّه وبدينه عَارِف وَمن آمن وَهُوَ بِاللَّه وبدينه جَاهِل؟ فَإِن قَالُوا: هما سَوَاء، تجاهلوا، وَإِن قَالُوا: الْمُؤمن الْعَارِف بِاللَّه وبدينه أفضل، تركُوا قَوْلهم وَقَالُوا بِالْحَقِّ، إِن الْإِيمَان يزِيد بِالْعَمَلِ وَالْعلم وَينْقص بِنَقص الْعلم وَالْعَمَل.

وَيُقَال لَهُم: هَل تَجْعَلُونَ بَين أهل الْمعْصِيَة وَأهل الطَّاعَة فضلا؟ فَإِن قَالُوا: لَا فضل بَينهم، تجاهلوا، وَإِن قَالُوا: نعم، قيل لَهُم: مَا الَّذِي تجعلونه بَينهم؟ فَإِن قَالُوا: لأهل الطَّاعَة الْوَعْد وَالثَّوَاب وَلأَهل الْمعْصِيَة الْوَعيد وَالْعِقَاب تركُوا قَوْلهم الْخَبيث وَقَالُوا بِالْحَقِّ، وَإِن قَالُوا: لَا ندري، تجاهلوا.

وَيُقَال لَهُم: مَا تَقولُونَ فِي قَول الله تبَارك وَتَعَالَى {من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يجزى إِلَّا مثلهَا وهم لَا يظْلمُونَ} أَلَيْسَ عنْدكُمْ من تصدق بدرهم فَلهُ عشر من الْحَسَنَات وَمن سرق درهما فَعَلَيهِ وزر دِرْهَم وَاحِد؟ فَإِذا قَالُوا: نعم، يُقَال لَهُم: فَرجل سرق عشرَة دَرَاهِم وَتصدق مِنْهَا بدرهم أَلَيْسَ لَهُ تسع حَسَنَات وَعِنْده تسع الدَّرَاهِم؟ فَإِن قَالُوا: لَا تُجزئه صَدَقَة من سَرقَة لِأَن السّرقَة تحبط أجره، تركُوا قَوْلهم، وَإِن قَالُوا: تُجزئه زَعَمُوا أَن من سرق عشرَة دَرَاهِم وَتصدق بدرهم مِنْهَا فَلهُ تسع حَسَنَات وَعِنْده تسع الدَّرَاهِم لِأَن الْحَسَنَة بِعشْرَة أَمْثَالهَا والسيئة بِمِثْلِهَا وَهَذَا ربح لَا ربح بعده مَعَ أَن على السَّارِق لأموال النَّاس بِسَبَب سَرقته ذنوبا يُعَاقب عَلَيْهَا.

لا تجالسوه فإنه ضال مضل

سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَمَا جَاءَ فِيهِمْ

٨٢٥ - حَدَّثَنِي أَبِي، نا مَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَطَّارُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي وَعَمِّي يَقُولَانِ: سَمِعْنَا الْحَسَنَ وَهُوَ يَنْهَى عَنْ مُجَالَسَةِ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ، يَقُولُ: لَا تُجَالِسُوهُ فَإِنَّهُ ضَالٌّ مُضِلٌّ " قَالَ مَرْحُومٌ: قَالَ أَبِي: " وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا يَوْمَئِذٍ يَتَكَلَّمُ فِي الْقَدَرِ غَيْرَ مَعْبَدٍ وَرَجُلٍ مِنَ الْأَسَاوِرَةِ يُقَالُ لَهُ: سَسَوَيْهِ.

يلعنان القدرية الذين يكذبون بقدر الله عز وجل حتى يؤمنوا بخيره وشره

سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَمَا جَاءَ فِيهِمْ

٨٢٤ - حَدَّثَنِي أَبِي، نا بَهْزٌ، نا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ «يَلْعَنَانِ الْقَدَرِيَّةَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِقَدَرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يُؤْمِنُوا بِخَيْرِهِ وَشَرِّهِ».

لا تجالسوا أهل القدر

سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَمَا جَاءَ فِيهِمْ

٨٢٣ - حَدَّثَنِي أَبِي، نا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: «لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ».

عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وزاد فيه: «خيره وشره»

سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَمَا جَاءَ فِيهِمْ

٨٢١ - حَدَّثَنِي أَبِي، نا وَكِيعٌ، نا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ وَزَادَ فِيهِ: «خَيْرِهِ وَشَرِّهِ».

لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع

سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَمَا جَاءَ فِيهِمْ

٨٢٠ - حَدَّثَنِي أَبِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ: حَتَّى يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، وَحَتَّى يُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَحَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ ".

لقيت أبي بن كعب رضي الله عنه فذكر معنى حديث إسحاق الرازي

سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَمَا جَاءَ فِيهِمْ

٨١٩ - حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، نا سُفْيَانُ، نا أَبُو سِنَانٍ سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ، نا وَهْبُ بْنُ خَالِدٍ الْحِمْصِيُّ، عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ، قَالَ: لَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ إِسْحَاقَ الرَّازِيِّ، وَحَدِيثُ إِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ أَتَمُّ كَلَامًا وَأَكْثَرُ.

لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم

سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَمَا جَاءَ فِيهِمْ

٨١٨ - حَدَّثَنِي أَبِي، نا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا سِنَانٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ خَالِدٍ الْحِمْصِيِّ، عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ، قَالَ: وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ فَأَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ: أَبَا الْمُنْذِرِ وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ، فَخَشِيتُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ هَلَاكُ دِينِي وَأَمْرِي، حَدِّثْنِي عَنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْفَعُنِي بِهِ، فَقَالَ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ كَانَ لَكَ جَبَلُ أُحُدٍ أَوْ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَإِنَّكَ إِنْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ، وَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودِ فَتَسْأَلَهُ، فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، كَانَ أَبُو سِنَانٍ يَقْتَصُّ الْحَدِيثَ قَالَ: وَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ أَخِي حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ فَتَسْأَلَهُ، فَأَتَيْتُ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: فَأْتِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَسَلْهُ، فَأَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ كَانَ لَكَ جَبَلُ أُحُدٍ ذَهَبًا أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَإِنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَأَنَّكَ إِنْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ».

قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض

سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَمَا جَاءَ فِيهِمْ

٨١٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالْقَانِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، أَنَا أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «قَدَّرَ اللَّهُ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ».

لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم

سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَمَا جَاءَ فِيهِمْ

٨١٦ - حَدَّثَنِي أَبِي، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، نا عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ شَرِيكٍ الْهُذَلِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَيْمُونٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبِي وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَرَّةً أُخْرَى: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ وَلَا تُفَاتِحُوهُمْ».

الجهمية كفار والقدرية كفار

سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَمَا جَاءَ فِيهِمْ

٨١٥ - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ قِيرَاطٍ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ طَهْمَانَ، يَقُولُ: «الْجَهْمِيَّةُ كُفَّارٌ وَالْقَدَرِيَّةُ كُفَّارٌ».

فأعدت الصلاة بعد أربعين سنة، أو ثلاثين سنة

سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَمَا جَاءَ فِيهِمْ

٨١٤ - حَدَّثَنِي سَوَّارٌ، أَوْ حُدِّثْتُ عَنْهُ، حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَعْدٍ، ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدَرِيُّ، فَأَعَدْتُ الصَّلَاةَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، أَوْ ثَلَاثِينَ سَنَةً» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَكْبَرُ عِلْمِي أَنَّي سَمِعْتُ مِنْ سَوَّارٍ أَوْ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْهُ.

سبحان الله فقد علم الله كل نفس ما هي عاملة وإلى ما هي صائرة

سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَمَا جَاءَ فِيهِمْ

٨١٣ - قَالَ حَوْثَرَةُ: وَحَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْخَطْمِيِّ، قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنَّ غَيْلَانَ يَقُولُ فِي الْقَدَرِ كَذَا وَكَذَا، فَمَرَّ بِهِ فَقَالَ: «أَخْبِرْنِي عَنِ الْعِلْمِ؟» فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا هِيَ عَامِلَةٌ وَإِلَى مَا هِيَ صَائِرَةٌ» فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قُلْتَ غَيْرَ هَذَا لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، اذْهَبِ الْآنَ فَاجْهَدْ جَهْدَكَ».

وإن قالوا: لم يعلم، فقد حلت دماؤهم

سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَمَا جَاءَ فِيهِمْ

٨١٢ - حُدِّثْتُ، عَنْ حَوْثَرَةَ بْنِ أَشْرَسَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلَّامًا أَبَا الْمُنْذِرِ، غَيْرَ مَرَّةٍ، وَهُوَ يَقُولُ: " سَلُوهُمْ عَنِ الْعِلْمِ، هَلْ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، فَإِنْ قَالُوا: قَدْ عَلِمَ، فَلَيْسَ فِي أَيْدِيهِمْ شَيْءٌ، وَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَعْلَمْ، فَقَدْ حَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ ".

لا تقر له بالعلم، إن أقررت له بالعلم فأمكنه من رجليك يسحبك عرض المربد

سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَمَا جَاءَ فِيهِمْ

٨١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، نا أَبُو رَجَاءٍ الْكَلْبِيُّ وَاسْمُهُ رَوْحُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلَيْنِ يَتَكَلَّمَانِ فِي الْمِرْبَدِ فِي الْقَدَرِ، فَقَالَ فَضْلٌ الرَّقَاشِيُّ لِصَاحِبِهِ: «لَا تُقِرُّ لَهُ بِالْعِلْمِ، إِنْ أَقْرَرْتَ لَهُ بِالْعِلْمِ فَأَمْكِنْهُ مِنْ رِجْلَيْكَ يَسْحَبَكَ عَرْضَ الْمِرْبَدِ».

إن الله عز وجل لم يكن عالما حتى خلق علما فعلم فجحد علم الله عز وجل فهو كافر

سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَمَا جَاءَ فِيهِمْ

٨١٠ - سَمِعْتُ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ، وَسَأَلَهُ عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ عَنْ مَنْ قَالَ: بِالْقَدَرِ يَكُونُ كَافِرًا؟ قَالَ: " إِذَا جَحَدَ الْعِلْمَ، إِذَا قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا حَتَّى خَلَقَ عِلْمًا فَعَلِمَ فَجَحَدَ عِلْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ كَافِرٌ ".

إن كان ممن يخاصم فيه ويدعو إليه فلا نصلي خلفه

سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَمَا جَاءَ فِيهِمْ

٨٠٩ - سَأَلْتُ أَبِي مَرَّةً أُخْرَى عَنِ الصَّلَاةِ، خَلْفَ الْقَدَرِيِّ فَقَالَ: «إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُخَاصِمُ فِيهِ وَيَدْعُو إِلَيْهِ فَلَا نُصَلِّي خَلْفَهُ».

إنما هذه لمن آوى ونصر هذا شيء قد مضى وانقطع هذا لهؤلاء خاصة

سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ

٨٠٧ - سَمِعْتُ أَبِيَ رَحِمَهُ اللَّهُ، يَقُولُ: كَانَ أَسْوَدُ بْنُ سَالِمٍ يَقُولُ: " لَا أَرْوِي عَنْ عَلْقَمَةَ، شَيْئًا لِأَنَّهُ قَالَ: أَرْجُو أَنْ أَكُونَ مُؤْمِنًا "، خَاصَمَهُ صَدَقَةُ الْمَرْوَزِيُّ عَلَى بَابِ ابْنِ عُلَيَّةَ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ: أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ صَدَقَةُ، وَكُلُّنَا أَنْكَرْنَا عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَكَانَ الْأَسْوَدُ يَقُولُ: أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا، وَتَأَوَّلَ هَذِهِ الْآيَةَ {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: ٧٤] فَقَالَ أَبِي: إِنَّمَا هَذِهِ لِمَنْ آوَى وَنَصَرَ هَذَا شَيْءٌ قَدْ مَضَى وَانْقَطَعَ هَذَا لِهَؤُلَاءِ خَاصَّةً.

وقالوا: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين

سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ

٨٠٦ - حَدَّثَنِي أَبِي، نا خَالِدُ بْنُ حَيَّانَ أَبُو يَزِيدَ الرَّقِّيُّ، نا مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا سَالِمٌ الْأَفْطَسُ بِالْإِرْجَاءِ فَعَرَضَهُ، قَالَ: فَنَفَرَ مِنْهُ أَصْحَابُنَا نَفَارًا شَدِيدًا وَكَانَ أَشَدَّهُمْ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ، فَأَمَّا عَبْدُ الْكَرِيمِ فَإِنَّهُ عَاهَدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَلَّا يَأْوِيهِ وَإِيَّاهُ سَقْفُ بَيْتٍ إِلَّا الْمَسْجِدَ، قَالَ مَعْقِلٌ فَحَجَجْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِي قَالَ: فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ يُوسُفَ قَالَ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} [يوسف: ١١٠] مُخَفَّفَةً، قَالَ: قُلْتُ إِنَّ لَنَا إِلَيْكَ حَاجَةً فَاخْلُ لَنَا فَفَعَلَ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ قَوْمًا قَبْلَنَا قَدْ أَحْدَثُوا وَتَكَلَّمُوا وَقَالُوا: إِنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ لَيْسَتَا مِنَ الدِّينِ، قَالَ: فَقَالَ: أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} [البينة: ٥] فَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ مِنَ الدِّينِ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَيْسَ فِي الْإِيمَانِ زِيَادَةٌ، قَالَ: أَوَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا أَنْزَلَ {فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [التوبة: ١٢٤] فَمَا هَذَا الْإِيمَانُ الَّذِي زَادَهُمْ، قَالَ: قُلْتُ فَإِنَّهُمْ قَدِ انْتَحَلُوكَ وَبَلَغَنِي أَن ذَرًّا دَخَلَ عَلَيْكَ فِي أَصْحَابٍ لَهُ فَعَرَضُوا عَلَيْكَ قَوْلَهُمْ فَقَبِلْتَهُ وَقُلْتَ هَذَا الْأَمْرَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا كَانَ هَذَا - مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا - قَالَ: ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَجَلَسْتُ إِلَى نَافِعٍ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، قَالَ: أَسِرٌّ أَمْ عَلَانِيَةٌ؟ فَقُلْتُ: لَا، بَلْ سِرٌّ، قَالَ: رُبَّ سِرٍّ لَا خَيْرَ فِيهِ، فَقُلْتُ لَهُ: لَيْسَ مِنْ ذَاكَ، فَلَمَّا صَلَّيْنَا الْعَصْرَ قَامَ وَأَخَذَ بِيَدِي وَخَرَجَ مِنَ الْخَوْخَةِ وَلَمْ يَنْتَظِرِ الْقَاصَّ، فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَخْلِنِي مِنْ هَذَا، قَالَ: تَنَحَّ يَا عَمْرُو، فَذَكَرْتُ لَهُ بُدُوَّ قَوْلِهِمْ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَضْرِبَهُمُ بِالسَّيْفِ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» قَالَ: قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ نُقِرُّ بِأَنَّ الصَّلَاةَ فَرِيضَةٌ وَلَا نُصَلِّي، وَأَنَّ الْخَمْرَ حَرَامٌ وَنَحْنُ نَشْرَبُهَا، وَأَنَّ نِكَاحَ الْأُمَّهَاتِ حَرَامٌ وَنَحْنُ نَفْعَلُ، قَالَ: فَنَتَرَ يَدَهُ مِنْ يَدَيَّ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ فَعَلَ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ»، قَالَ مَعْقِلٌ: ثُمَّ لَقِيتُ الزُّهْرِيَّ فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِهِمْ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ أَوَقَدْ أَخَذَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْخُصُومَاتِ؟» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُو مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الشَّارِبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» قَالَ مَعْقِلٌ: ثُمَّ لَقِيتُ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ، قَالَ: فَقُلْتُ: إِنَّ مَيْمُونًا وَعَبْدَ الْكَرِيمِ بَلَغَهُمَا أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْكَ نَاسٌ مِنَ الْمُرْجِئَةِ فَعَرَضُوا عَلَيْكَ قَوْلَهُمْ فَقَبِلْتَ قَوْلَهُمْ، قَالَ: «فَقَبِلَ ذَلِكَ عَلَيَّ مَيْمُونٌ وَعَبْدُ الْكَرِيمِ؟» قُلْتُ: لَا، قَالَ: " فَدَخَلَ عَلَيَّ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا وَأَنَا مَرِيضٌ، فَقَالُوا: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ بَلَغَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ رَجُلٌ بِأَمَةٍ سَوْدَاءَ أَوْ حَبَشِيَّةٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَفَتَرَى هَذِهِ مُؤْمِنَةً؟ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَشْهَدِينَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «وَتَشْهَدِينَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «وَتَشْهَدِينَ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «أَتَشْهَدِينَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُكَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» قَالَ: فَخَرَجُوا وَهُمْ يَنْتَحِلُونِي " قَالَ مَعْقِلٌ: ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَى مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا أَيُّوبَ لَوْ قَرَأْتَ لَنَا سُورَةً فَفَسَّرْتَهَا، قَالَ: فَقَرَأَ أَوْ قُرِئَتْ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ حَتَّى إِذَا بَلَغَ {مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير: ٢١] قَالَ: «ذَاكَ جِبْرِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَالْخَيْبَةُ لِمَنْ يَقُولُ إِيمَانُهُ كَإِيمَانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ».

لا تدعوه يجالسنا، لا تدعوه يجلس إلينا

سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ

٨٠٥ - حَدَّثَنِي أَبِي، نا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، نا ابْنُ عَوْنٍ، قَالَ: " كُنَّا جُلُوسًا فِي مَسْجِدِ بَنِي عَدِيٍّ قَالَ وَفِينَا أَبُو السَّوَّارِ الْعَدَوِيُّ فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَعْبَدٌ الْجَهْمِيُّ مِنْ بَعْضِ الْأَبْوَابِ، فَقَالَ أَبُو السَّوَّارِ: مَا أَدْخَلَ هَذَا مَسْجِدَنَا؟ لَا تَدَعُوهُ يُجَالِسُنَا، لَا تَدَعُوهُ يَجْلِسُ إِلَيْنَا، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: إِنَّمَا جَاءَ إِلَى قَرِيبَةٍ لَهُ مُعْتَكِفَةٌ فِي هَذِهِ الْقُبَّةِ، قَالَ: فَجَاءَ فَدَخَلَ عَلَيْهَا ثُمَّ خَرَجَ فَذَهَبَ ".

لا يدخل الجنة منان ولا عاق ولا مدمن خمر

سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ

٨٠٤ - حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ نُبَيْطِ بْنِ شَرِيطٍ، عَنْ جَابَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ وَلَا عَاقٌّ وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ» قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: نُبَيْطُ بْنُ شَرِيطٍ هُو أَبُو سَلَمَةَ بْنُ نُبَيْطٍ وَكَانَ شُعْبَةُ أَلْثَغَ فَكَانَ يَقُولُ: شُبَيْطُ بْنُ شَرِيْطٍ.

آية النفاق بغض الأنصار وآية الإيمان حب الأنصار

سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ

٨٠٣ - حَدَّثَنِي أَبِي، نا بَهْزٌ، نا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «آيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ وَآيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ».

يكون الناس مجدبين فينزل الله عليهم رزقا من رزقه فيصبحون مشركين

سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ

٨٠٢ - حَدَّثَنِي أَبِي، نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَهُو أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، نا عِمْرَانُ يَعْنِي الْقَطَّانَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَكُونُ النَّاسُ مُجْدِبِينَ فَيُنْزِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِزْقًا مِنْ رِزْقِهِ فَيُصْبِحُونَ مُشْرِكِينَ» فَقِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «يَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا».

تكفير معتزلة بغداد لمعتزلة البصرة

تكفير معتزلة بغداد لمعتزلة البصرة

فَأَما الَّذِي يكفر فِيهِ معتزلة بَغْدَاد معتزلة الْبَصْرَة فَالْقَوْل فِي الشاك والشاك فِي الشاك، وَمعنى ذَلِك أَن معتزلة بَغْدَاد وَالْبَصْرَة وَجَمِيع أهل الْقبْلَة لَا اخْتِلَاف بَينهم أَن من شكّ فِي كَافِر فَهُوَ كَافِر لِأَن الشاك فِي الْكفْر لَا إِيمَان لَهُ لِأَنَّهُ لَا يعرف كفرا من إِيمَان فَلَيْسَ بَين الْأمة كلهَا الْمُعْتَزلَة وَمن دونهم خلاف أَن الشاك فِي الْكَافِر كَافِر، ثمَّ زَاد معتزلة بَغْدَاد على معتزلة الْبَصْرَة أَن الشاك فِي الشاك والشاك فِي الشاك إِلَى الْأَبَد إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ كلهم كفار وسبيلهم سَبِيل الشاك الأول، وَقَالَ معتزلة الْبَصْرَة: الشاك الأول كَافِر لِأَنَّهُ شكّ فِي الْكفْر والشاك الثَّانِي الَّذِي هُوَ شَاك فِي الشَّك لَيْسَ بِكَافِر بل هُوَ فَاسق لِأَنَّهُ لم يشك فِي الْكفْر إِنَّمَا شكّ فِي هَذَا الشاك أيكفر بشكه أم لَا؟، فَلَيْسَ سَبيله فِي الْكفْر سَبِيل الشاك الأول، وَكَذَلِكَ عِنْدهم الشاك فِي الشاك والشاك فِي الشاك إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ كلهم فساق إِلَّا الشاك الأول فَإِنَّهُ كَافِر، وَقَوْلهمْ أحسن من قَول أهل بَغْدَاد، وَتقول معتزلة بَغْدَاد الجعفران والإسكافي: إِن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ أفضل النَّاس بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ إِن أبا بكر أفضل من عمر ثمَّ إِن عمر أفضل من عُثْمَان رَضِي الله عَنْهُم، ومعتزلة الْبَصْرَة أَبُو الْهُذيْل يَقُول: أَبُو بكر وَعلي فِي الْفضل سَوَاء لَا فضل بَينهمَا ثمَّ أبو بكر أفضل من عمر ثمَّ عمر أفضل من عُثْمَان، وَقَوْلهمْ هَذَا كلهم فِي التَّفْضِيل على مَا ذكرت لَك فَافْهَم.

وَاعْلَم أَن للمعتزلة من الْكَلَام مَا لا أستجيز ذكره لأَنهم قد خَرجُوا عَن أصُول الْإِسْلَام إِلَى فروع الْكفْر، فَمن بعض قَوْلهم: إِن أطفال الْمُشْركين عِنْدهم فِي الْجنَّة، وَقَالَ هِشَام مِنْهُم: لَا أَقُول إِن الله شَيْء وَلَكِن هُوَ منشىء الْأَشْيَاء، وَكَيف تدبرت قَوْلهم عرفت جهلهم ووسواسهم، وَهَوَسهم لأَنهم يَخْتَلِفُونَ فِي الأجساد والأرواح من الْخلق كلهم إنسهم وجانهم وَلَا يدعونَ ذكر بَهِيمَة وَلَا طَائِر وَلَا شَيْء خلقه الله عز وَجل إِلَّا تكلمُوا عَلَيْهِ وَوَضَعُوا قِيَاسا ثمَّ عدلوا عَن ذَلِك كُله فَلم يرْضوا بِهِ وهم لَا يعلمُونَ، فَقَالَت طَائِفَة بِظَاهِر التَّنْزِيل ورد الْمُتَشَابه إِلَى الْمُحكم وَالتّرْك وهم أهل الْعرَاق وَبينهمْ فِي ذَلِك خلاف ومنازعات وَأَشْيَاء تخرج إِلَى الْكفْر والتعطيل والتخليط.

وَالَّذِي عِنْدِي من ذَلِك أَن تلْزم الْمنْهَج الْمُسْتَقيم وَمَا نزل بِهِ التَّنْزِيل وَسنة الرَّسُول وَمَا مضى عَلَيْهِ السّلف الصَّالح فَعَلَيْك بِالسنةِ وَالْجَمَاعَة ترشد إِن شَاءَ الله، وَإِنَّمَا تركت الْبَيَان فِي ذكر اخْتلَافهمْ لبشاعة مَا يَقُولُونَ وفظيع مَا بِهِ ينطقون وَالله للظالم بالمرصاد، فَعَلَيْك يَا أخي بالتضرع إِلَى الله أَن يحميك لَهُ فَمَا الدّين مَا يَقُول المخلطون وَلَا أرى للبيب مَا هُوَ أفضل من لُزُوم مَا بَين الدفتين والإكثار من النّظر فِي تَأْوِيله وَلُزُوم السّنة وَالْجَمَاعَة، ودع عَنْك العوج وَلم وَكَيف فَمَا أمرت بِهِ وَإِنَّمَا خلقك الله لعبادته وَأنزل إِلَيْك نورا مُبينًا وَأرْسل إِلَيْك رَسُولا كَرِيمًا فَاتبع نوره وَمَا سنّ لَك نبيه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَمَا عدا هذَيْن فَهُوَ ضلال واستقم كَمَا أمرت وَكن لله مُطيعًا، إِن الْأَهْوَاء مَالَتْ بِأَهْلِهَا فأوردتهم عذَابا أَلِيمًا.

وَمن بعض مَا أدلك عَلَيْهِ أَن تعلم أَن الله عز وَجل أرسل مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَبلغ الرسَالَة وَلم يكتم شَيْئا وَبَين وأرشد وَقد نهاك الْقُرْآن وَالرَّسُول عَن الشُّبُهَات والجدال وَلَا تتأول الْقُرْآن على رَأْيك وَالله عز وَجل يَقُول فِي كِتَابه {مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ فيتبعون مَا تشابه مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة وابتغاء تَأْوِيله وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله} ثمَّ قَالَ {والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا وَمَا يذكر إِلَّا أولُوا الْأَلْبَاب} ثمَّ علمنَا الِاسْتِعَاذَة كَيفَ نَقُول فَقَالَ: {رَبنَا لَا تزغ قُلُوبنَا بعد إِذْ هديتنا وهب لنا من لَدُنْك رَحْمَة إِنَّك أَنْت الْوَهَّاب} {رَبنَا إِنَّك جَامع النَّاس ليَوْم لَا ريب فِيهِ إِن الله لَا يخلف الميعاد} ثمَّ الصّديق أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ بعد الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان ثمَّ عَليّ رَضِي الله عَنْهُم وأرضاهم وهم الْقدْوَة والسادة والأعلام وَالْحجّة، فَهَل سَمِعت عَنْهُم إِلَّا التحذير عَن الْبدع والمحدثات وَنقل عَنْهُم أَن كل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة فَهَذَا مُحدث ووسواس، فاحذر يَا أخي وَاعْلَم أَنَّك بمنظر من اللَّطِيف الْخَبِير.

وَلم أَضَع كتابي هَذَا إِلَّا ليَكُون إِمَامًا وأصلا أرجع إِلَيْهِ ومعقلا لي وَلِلْمُؤْمنِينَ إِن شَاءَ الله فَخذ مَا آتيتك فِيهِ وَتمسك بِجَمِيعِهِ فَإِنَّهُ وَمَا فِيهِ من أصل وَحجَّة مَذْهَب من سلف من مصابيح الْهدى، والصدر الأول وَأهل البصائر وَالْعلم وَالْكتاب وَالسّنة وَلم أترك من جهد جهدي شَيْئا إِلَّا قد أثْبته ودللت عَلَيْهِ وَفِي بعض وصاتي لكم بَلَاغ إِن شَاءَ الله وَبِه أعوذ وَبِه ألوذ من الْحور بعد الكور وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه.

الذي يصف الإسلام ولا يعمل به

سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ

٨٠١ - حَدَّثَنِي أَبِي، نا وَكِيعٌ، نا الْأَعْمَشُ، وَسُفْيَانُ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ هُرْمُزَ أَبِي الْمِقْدَامِ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، قَالَ: سُئِلَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا الْمُنَافِقُ؟ قَالَ: الَّذِي يَصِفُ الْإِسْلَامَ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ ".

كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة فتعلمنا الإيمان

سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ

٨٠٠ - حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ، نا وَكِيعٌ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ نَجِيحٍ، نا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فَتَيَانٌ حَزَاوِرَةٌ فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا».

يأتي الرجل الرجل لا يملك له ولا لنفسه ضرا ولا نفعا

سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ

٧٩٩ - حَدَّثَنِي أَبِي، نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ الطَّائِيِّ، قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ أَيُّوبُ بْنُ عَائِذٍ الْبَخْتَرِيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: " يَأْتِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ لَا يَمْلِكُ لَهُ وَلَا لِنَفْسِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا فَيَحْلِفُ لَهُ أَنَّكَ كَيْتَ وَلَعَلَّهُ لَا يَتَحَلَّى مِنْهُ بِشَيْءٍ فَيَرْجِعُ وَمَا فِيهِ مِنْ دِينِهِ شَيْءٌ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا} [النساء: ٥٠] ".

اجلسوا نؤمن ساعة نذكر الله

سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ

٧٩٨ - حَدَّثَنِي أَبِي، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: خَرَجَ مُعَاذٌ فِي نَاسٍ فَقَالَ: «اجْلِسُوا نُؤْمِنُ سَاعَةً نَذْكُرُ اللَّهَ».

لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح به

سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ

٧٩٦ - حَدَّثَنَا هارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، غَيْرَ مَرَّةٍ، نا ضَمْرَةُ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنِ الْهُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لَوْ وُزِنَ إِيمَانُ أَبِي بَكْرٍ بِإِيمَانِ أَهْلِ الْأَرْضِ لَرَجَحَ بِهِ».

عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: " القلوب أربعة

سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ

٧٩٥ - وَوَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: أُخْبِرْتُ عَنْ فُضَيْلٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ يَعْنِي الْأَعْمَشَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " الْقُلُوبُ أَرْبَعَةٌ: قَلْبٌ أَجْرَدُ كَأَنَّمَا فِيهِ سِرَاجٌ يَزْهَرُ فَذَلِكَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ، وَقَلْبٌ أَغْلَفُ فَذَلِكَ قَلْبُ الْكَافِرِ، وَقَلْبٌ مُصْفَحٌ فَذَلِكَ قَلْبُ الْمُنَافِقِ، وَقَلْبٌ فِيهِ إِيمَانٌ وَنِفَاقٌ، وَمَثَلُ الْإِيمَانِ فِيهِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ يَسْقِيَهَا مَاءٌ طَيِّبٌ، وَمَثَلُ النِّفَاقِ فِيهِ كَمَثَلِ قَرْحَةٍ يَمُدُّهَا قَيْحٌ وَدَمٌ، فَأَيُّمَا غَلَبَ عَلَيْهِ غَلَبَهُ ".

قال: «الفقه والعلم»

سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ

٧٩٤ - قَالَ أَبِي: أُخْبِرْتُ عَنْ فُضَيْلٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: ٢٦٩] قَالَ: «الْفِقْهُ وَالْعِلْمُ».

البلاد التي غلب على أهلها الاعتزال

البلاد التي غلب على أهلها الاعتزال

وَاعْلَم أَن للمعتزلة سوى من ذَكَرْنَاهُمْ جمَاعَة كَثِيرَة قد وضعُوا من الْكتب والهوس مَا لَا يُحْصى وَلَا يبلغ جمعه، وَهُم فِي كل بلد وقرية لَا تَخْلُو مِنْهُم الأَرْض فَأَما الْبلدَانِ الَّتِي غلب عَلَيْهَا الاعتزال حَتَّى لَا يظْهر فِيهَا غير الاعتزال فَعَسْكَرَ مكرم من أَرض الأهواز والصيمرة ومدينة بِأَرْض فَارس يُقَال لَهَا جهرم وهراة واصطخر من أَرض كرمان نصفهم خوارج ونصفهم معتزلة إِلَّا أَن الاعتزال أغلب عَلَيْهِم.

أول ظهور الاعتزال في البصرة وبغداد

أول ظهور الاعتزال في البصرة وبغداد

وبالبصرة أول ظُهُور الاعتزال لِأَن أَبَا حُذَيْفَة وَاصل بن عَطاء جَاءَ بِهِ من الْمَدِينَة، وَيُقَال: معتزلة بَغْدَاد أخذُوا الاعتزال من معتزلة الْبَصْرَة أَولَهُم بشر بن الْمُعْتَمِر خرج إِلَى الْبَصْرَة فلقى بشر بن سعيد وَأَبا عُثْمَان الزَّعْفَرَانِي فَأخذ عَنْهُمَا الاعتزال وهما صاحبا وَاصل بن عَطاء، فَحمل الاعتزال وَالْأُصُول الْخَمْسَة إِلَى بَغْدَاد ودعا إِلَيْهِ النَّاس ففشى قَوْله فَأَخذه الرشيد وحبسه فِي السجْن فَجعل يَقُول فِي السجْن رجزا مزاوجا فِي الْعدْل والتوحيد والوعيد حَتَّى قَالَ أَرْبَعِينَ ألف بَيت لم يسمع النَّاس بِشعر مثل ذَلِك فألهج النَّاس بنشدها فِي كل مجْلِس ومحفل، فَقيل للرشيد: مَا يَقُوله فِي السجْن من الشّعْر أضرّ على النَّاس من الْكَلَام الَّذِي بَينه، ثمَّ أَخذ الْكَلَام من بشر بِبَغْدَاد أَبُو مُوسَى بن صبيح الملقب بمردار فَكَانَ الْمجْلس لَهُ وَالْكَلَام، وَخرج بعده الجعفران جَعْفَر بن حَرْب وجعفر بْن مُبشر، وَخرج بعد الجعفرين مُحَمَّد بن عبد الله الإسكافي فوضعوا من الْكتب وصنفوا فِي الْفِقْه وَالْكَلَام والجدال أَكثر من أن يحد وردوا على جَمِيع الْمُخَالفين من أهل الصَّلَاة وَغَيرهَا.

وَأما معتزلة الْبَصْرَة فَكَانَ أَبُو الْهُذيْل العلاف أَخذ الْكَلَام من بشر بن سعيد وَأبي عُثْمَان الزَّعْفَرَانِي صَاحِبي وَاصل بن عَطاء فَوضع من الْكتب ألفا ومائتي صنف يرد فِيهَا على الْمُخَالفين وينقض كتبهمْ إِلَّا كتاب الْحجَّة فَإِنَّهُ وَضعه فِي الْأُصُول، وَكَانَ الْمجْلس قبل أبي الْهُذيْل بِالْبَصْرَةِ وَالْكَلَام لِضِرَار بن عَمْرو حتى أظهر الْخلاف، والتبس عَلَيْهِ الْعدْل والتوحيد والوعيد وَنَصّ رِسَالَة إِلَى الْعَامَّة مَا سبقه إِلَيْهَا أحد فِي حسن الْكَلَام ونظامه يذكر فِيهَا الْعدْل والتوحيد والوعيد، ثمَّ كَانَ فِي آخر أَيَّامه أَبُو بكر الْأَصَم عبد الرَّحْمَن بن كيسَان فَالْتبسَ عَلَيْهِ أَيْضا الْعدْل والتوحيد وَله كتب كَثِيرَة مَا سبقه بهَا أحد وَكَانَ ابو الْهُذيْل يلقبه بخربان لِأَن الخر بِالْفَارِسِيَّةِ هُوَ الْحمار والخربان المكارى فَجرى عَلَيْهِ هَذَا اللقب، ثمَّ أخرج أَبُو الْهُذيْل إِبْرَاهِيم النظام وهشاما الفوطي فعابا عَلَيْهِ وخالفاه فِي الْفَرْع لِأَن الأَصْل الَّذِي خَالفه عَلَيْهِ هِشَام الفوطي يكون فِي مائَة وَعشْرين مَسْأَلَة فَوضع عَلَيْهِ فِيهَا كتابا وَكَانَ آخر أَيَّام أبي الْهُذيْل، وَكَانَ كف بَصَره، فَتقدم إِلَى بعض تلامذته فنقضها عَلَيْهِ، ثمَّ خَالفه إِبْرَاهِيم النظام أَيْضا فِي مائَة وَعشْرين مَسْأَلَة فَوضع فِيهَا نقضا ونقضها عَلَيْهِ أَبُو الْهُذيْل وَكَانَت المناظرات بَينهم فِي الْمجَالِس لَا تَنْقَطِع، وَأَبُو الْهُذيْل هَذَا لم يدْرك فِي أهل الجدل مثله وَهُوَ أبوهم وأستاذهم وَكَانَ الْخُلَفَاء الثَّلَاثَة: الْمَأْمُون والمعتصم والواثق يقدمونه ويعظمونه، وَكَانَ الْوَزير ابْن أبي دؤاد من تلامذته وَكَانَ لَا يقوم لَهُ فِي الْكَلَام خصم يصوغ الْكَلَام صياغة، ثمَّ خرج من تَحت يَد النظام بعد أَن صنف كتبا كَثِيرَة الجاحظ وصنف كتبا وَكَانَ صَاحب تصنيف وَلم يكن صَاحب جدل، وَأخرج هِشَام عباد بن سُلَيْمَان وَكَانَ أحد الْمُتَكَلِّمين فَمَلَأ الأَرْض كتبا وَخِلَافًا وَخرج عَن حد الاعتزال إِلَى الْكفْر والزندقة لحدة نظره وَكَثْرَة تفتيشه، ثمَّ لم يقم للمعتزلة إِمَام مَذْكُور بِالْبَصْرَةِ وَلَا بَغْدَاد إِلَى أَن خرج أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب بكور جبى بَين الْبَصْرَة والأهواز، وَكَانَ لَقِي الشحام بِالْبَصْرَةِ قبل خُرُوج عَليّ بن مُحَمَّد الشحام صَاحب أبي الْهُذيْل فتعلم مِنْهُ فَخرج لَا شبه لَهُ وَوضع أَرْبَعِينَ ألف ورقة فِي الْكَلَام وَوضع تَفْسِير الْقُرْآن فِي مائَة جُزْء وشيئا لم يسْبقهُ أحد بِمثلِهِ، وَسَهل الْجِدَال على النَّاس، ثمَّ خرج ابْنه أَبُو هَاشم فَوضع مائَة وَسِتِّينَ كتابا فِي الجدل فِي أَيَّام قَلَائِل شَيْء مَا وصل إِلَى مثله أحد قبله وَلَا أَبوهُ، وَخَالف أَبَاهُ فِي تِسْعَة وَعشْرين مَسْأَلَة وَكَانَ أَبوهُ يُخَالف أَبَا الْهُذيْل فِي تسع عشرَة مَسْأَلَة، وَبَين معتزلة بَغْدَاد ومعتزلة الْبَصْرَة اخْتِلَاف كثير فَاحش يكفر بَعضهم بَعْضًا فِي بعض ذَلِك الِاخْتِلَاف أَكثر من ألف مَسْأَلَة، نَعُوذ بِاللَّه من الريب كُله ونسأله السَّلامَة وَمن لزم السوَاد الْأَعْظَم وَترك الشَّك نجا إِن شَاءَ الله وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه.

الأعمال تحبط الأعمال، والأعمال تحول دون الأعمال

سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ

٧٩٣ - قَالَ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّ فُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ: قَرَأَ أَوَّلَ الْأَنْفَالِ حَتَّى بَلَغَ {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: ٤] ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ: «إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تُخْبِرُكَ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ مُؤْمِنًا حَقًّا فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ أَنَّ الْمُؤْمِنَ حَقًّا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَهُوَ شَاكٌّ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُكَذِّبٌ بِهِ أَوْ جَاهِلٌ لَا يَعْلَمُ، فَمَنْ كَانَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ حَقًّا مُسْتَكْمِلُ الْإِيمَانِ وَلَا يُسْتَكْمَلُ الْإِيمَانِ إِلَّا بِالْعَمَلِ وَلَنْ يَسْتَكْمِلَ عَبْدٌ الْإِيمَانَ وَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا حَقًّا حَتَّى يُؤْثِرَ دِينَهُ عَلَى شَهْوَتِهِ، وَلَنْ يَهْلِكَ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْثِرَ شَهْوَتَهُ عَلَى دِينِهِ، يَا سَفِيهُ مَا أَجْهَلَكَ لَا تَرْضَى أَنْ تَقُولَ أَنَا مُؤْمِنٌ حَتَّى تَقُولَ أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا مُسْتَكْمِلُ الْإِيمَانِ، وَاللَّهِ لَا تَكُونُ مُؤْمِنًا حَقًّا مُسْتَكْمِلَ الْإِيمَانِ حَتَّى تُؤَدِّيَ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكَ وَتَجْتَنِبَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَتَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ، ثُمَّ تَخَافُ مَعَ هَذَا أَنْ لَا يَقْبَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْكَ» وَوَصَفَ فُضَيْلٌ الْإِيمَانَ بِأَنَّهُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَقَرَأَ {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: ٥] فَقَدْ سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ دِينًا قِيمَةً بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، فَالْقَوْلُ: الْإِقْرَارُ بِالتَّوْحِيدِ وَالشَّهَادَةُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَلَاغِ، وَالْعَمَلُ: أَدَاءُ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ، وَقَرَأَ {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم: ٥٥] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: ١٣] فَالدِّينُ التَّصْدِيقُ بِالْعَمَلِ كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَكَمَا أَمَرَ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ بِإِقَامَتِهِ: وَالتَّفَرُّقُ فِيهِ تَرْكُ الْعَمَلِ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: ١١] فَالتَّوْبَةُ مِنَ الشِّرْكِ جَعَلَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَوْلًا وَعَمَلًا بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْي: لَيْسَ الصَّلَاةُ وَلَا الزَّكَاةُ وَلَا شَيْءٌ مِنَ الْفَرَائِضِ مِنَ الْإِيمَانِ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَخِلَافًا لِكِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوْ كَانَ الْقَوْلُ كَمَا يَقُولُونَ لَمْ يُقَاتِلْ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَهْلَ الرِّدَّةِ "، وَقَالَ الْفُضَيْلُ رَحِمَهُ اللَّهُ: " يَقُولُ أَهْلُ الْبِدَعِ: الْإِيمَانُ الْإِقْرَارُ بِلَا عَمَلٍ وَالْإِيمَانُ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُ النَّاسُ بِالْأَعْمَالِ، وَلَا يَتَفَاضَلُونَ بِالْإِيمَانِ، وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَ الْأَثَرَ وَرَدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» وَتَفْسِيرُ مَنْ يَقُولُ الْإِيمَانُ لَا يَتَفَاضَلُ يَقُولُ: إِنَّ الْفَرَائِضَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِيمَانِ، فَمَيَّزَ أَهْلُ الْبِدَعِ الْعَمَلَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَقَالُوا: إِنَّ فَرَائِضَ اللَّهِ لَيْسَ مِنَ الْإِيمَانِ وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ، أَخَافُ أَنْ يَكُونَ جَاحِدًا لِلْفَرَائِضِ، رَادًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَمْرَهُ، وَيَقُولُ أَهْلُ السُّنَّةِ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَرَنَ الْعَمَلَ بِالْإِيمَانِ وَأَنَّ فَرَائِضَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْإِيمَانِ، قَالُوا {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [محمد: ٢] فَهَذَا مَوْصُولُ الْعَمَلِ بِالْإِيمَانِ وَيَقُولُ أَهْلُ الْإِرْجَاءِ: إِنَّهُ مَقْطُوعٌ غَيْرُ مَوْصُولٍ، وَقَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النساء: ١٢٤] فَهَذَا مَوْصُولٌ وَأَهْلُ الْإِرْجَاءِ يَقُولُونَ بَلْ هُوَ مَقْطُوعٌ، وَقَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [الإسراء: ١٩] فَهَذَا مَوْصُولٌ وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَأَهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: هُوَ مَوْصُولٌ مُجْتَمِعٌ , وَأَهْلُ الْإِرْجَاءِ يَقُولُونَ هُوَ مَقْطُوعٌ مُتَفَرِّقٌ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُونَ لَكَانَ مَنْ عَصَى وَارْتَكَبَ الْمَعَاصِيَ وَالْمَحَارِمَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ وَكَانَ إِقْرَارُهُ يَكْفِيهِ مِنَ الْعَمَلِ، فَمَا أَسْوَأَ هَذَا مِنْ قَوْلٍ وَأَقْبَحَهُ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ " وَقَالَ فُضَيْلٌ: «أَصْلُ الْإِيمَانِ عِنْدَنَا وَفَرْعُهُ بَعْدَ الشَّهَادَةِ وَالتَّوْحِيدِ وَبَعْدَ الشَّهَادَةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَلَاغِ وَبَعْدَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَحِفْظُ الْأَمَانَةِ، وَتَرْكُ الْخِيَانَةِ، وَالْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَالنَّصِيحَةُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَالرَّحْمَةُ لِلنَّاسِ عَامَّةً»، قِيلَ لَهُ يَعْنِي فُضَيْلًا هَذَا مِنْ رَأْيِكَ تَقُولُهُ أَوْ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: بَلْ سَمِعْنَاهُ وَتَعَلَّمْنَاهُ، وَلَوْ لَمْ آخُذْهُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْفَضْلِ لَمْ أَتَكَلَّمْ بِهِ "، وَقَالَ فُضَيْلٌ: " يَقُولُ أَهْلُ الْإِرْجَاءِ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ وَيَقُولُ الْجَهْمِيَّةُ: الْإِيمَانُ الْمَعْرِفَةُ بِلَا قَوْلٍ وَلَا عَمَلٍ، وَيَقُولُ أَهْلُ السُّنَّةِ: الْإِيمَانُ الْمَعْرِفَةُ وَالْقَوْلُ وَالْعَمَلُ، فَمَنْ قَالَ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ فَقَدْ أَخَذَ بِالْوَثِيقَةِ، وَمَنْ قَالَ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ فَقَدْ خَاطَرَ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيُقْبَلُ إِقْرَارُهُ أَوْ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِذُنُوبِهِ "، وَقَالَ يَعْنِي فُضَيْلًا: قَدْ بَيَّنْتُ لَكَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ أَعْمَى "، وَقَالَ فُضَيْلٌ: " لَوْ قَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ أَنْتَ؟ مَا كَلَّمْتُهُ مَا عِشْتُ، وَقَالَ: إِذَا قُلْتَ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَهُوَ يَجْزِيكَ مِنْ أَنْ تَقُولَ أَنَا مُؤْمِنٌ، وَإِذَا قُلْتَ: أَنَا مُؤْمِنٌ لَا يَجْزِيكَ مِنْ أَنْ تَقُولَ آمَنْتُ بِاللَّهِ، لِأَنَّ آمَنْتُ بِاللَّهِ أَمْرٌ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: ١٣٦] الْآيَةَ، وَقَوْلُكَ أَنَا مُؤْمِنٌ تَكَلُّفٌ لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَقُولَهُ وَلَا بَأْسَ إِنْ قُلْتَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِقْرَارِ وَأَكْرَهُهُ عَلَى وَجْهِ التَّزْكِيَةِ "، وَقَالَ فُضَيْلٌ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى إِلَى هَذِهِ الْقِبْلَةِ فَهُوَ عِنْدَنَا مُؤْمِنٌ وَالنَّاسُ عِنْدَنَا مُؤْمِنُونَ بِالْإِقْرَارِ وَالْمَوَارِيثِ وَالْمُنَاكَحَةِ وَالْحُدُودِ وَالذَّبَائِحِ وَالنُّسُكِ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَخَطَايَا اللَّهُ حَسِيبُهُمْ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ، وَلَا نَدْرِي مَا هُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ فُضَيْلٌ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةِ الضَّبِّيَّ يَقُولُ: مَنْ شَكَّ فِي دِينِهِ فَهُوَ كَافِرٌ وَأَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ فُضَيْلٌ: «الِاسْتِثْنَاءُ لَيْسَ بِشَكٍّ» وَقَالَ فُضَيْلٌ: " الْمُرْجِئَةُ كُلَّمَا سَمِعُوا حَدِيثًا فِيهِ تَخْوِيفٌ، قَالُوا: هَذَا تَهْدِيدٌ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَخَافُ تَهْدِيدَ اللَّهِ وَتَحْذِيرَهُ وَتَخْوِيفَهُ وَوَعِيدَهُ وَيَرْجُو وَعْدَهُ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ لَا يَخَافُ تَهْدِيدَ اللَّهِ وَلَا تَحْذِيرَهُ وَلَا تَخْوِيفَهُ وَلَا وَعِيدَهُ وَلَا يَرْجُو وَعْدَهُ "، وَقَالَ فُضَيْلٌ: «الْأَعْمَالُ تُحْبِطُ الْأَعْمَالَ، وَالْأَعْمَالُ تَحُولَ دُونَ الْأَعْمَالِ».

📚 کتێبەکان