باب ذكر متشابه القرآن

بَاب ذكر متشابه الْقُرْآن
قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: هَلَكت الزَّنَادِقَة وَشَكوا فِي الْقُرْآن حَتَّى زَعَمُوا أَن بعضه ينْقض بَعْضًا فِي تَفْسِير الآي الْمُتَشَابه كذبا وافتراء على الله جلّ اسْمه من جهلهم بالتفسير للآي الْمُحكم الَّذِي زَاد الله الْمُؤمنِينَ بِهِ إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا، فَقَالَ الْمُؤْمِنُونَ: آمنا بِهِ وَنحن بِهِ مُؤمنُونَ مقرون أَن بعضه يصدق بَعْضًا، وَاعْلَم أحسن الله توفيقنا وَإِيَّاك أَن لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا كَثِيرَة ومواطن ومواضع مِنْهُ خَاص وعام {لَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ أمنا بِهِ وَمَا يذكر إِلَّا أولُوا الْأَلْبَاب} وَأَيْضًا فَمن طلب علم مَا أشكل عَلَيْهِ من ذَلِك عِنْد أهل الْعلم بِهِ من ثِقَات الْعلمَاء وجد مطلبه، ولعمري إِن أهل الْأَهْوَاء فِي مثل ذَلِك اخْتلفُوا وَضَلُّوا، وَهَذِه جملَة جَاءَت بهَا الرِّوَايَة وأخذناها عَن الثِّقَات عَن مقَاتل بن سُلَيْمَان إِن تدبرت ذَلِك نفعك إِن شَاءَ الله.

قَالَ مقَاتل: أما مَا شكت فِيهِ الزَّنَادِقَة فِي مثل هَذِه الْآيَة وَنَحْوهَا من قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {هَذَا يَوْم لَا ينطقون وَلَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون} ثمَّ قَالَ فِي آيَة أُخْرَى {ثمَّ إِنَّكُم يَوْم الْقِيَامَة عِنْد ربكُم تختصمون} فَهَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْخَواص فِي المواطن الْمُخْتَلفَة، أما تَفْسِير {هَذَا يَوْم لَا ينطقون وَلَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون} فَأول مَا يجْتَمع الْخَلَائق بعد الْبَعْث فهم لَا ينطقون فِي ذَلِك الموطن {وَلَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون} قَالَ مِقْدَار سِتِّينَ سنة ثمَّ يُؤذن لَهُم فِي الْكَلَام فيكلم بَعضهم بَعْضًا {ثمَّ إِنَّكُم يَوْم الْقِيَامَة عِنْد ربكُم تختصمون} عِنْد الْحساب ثمَّ يُقَال لَهُم {قَالَ لَا تختصموا لدي وَقد قدمت إِلَيْكُم بالوعيد} بعد الْحساب.

وَأما قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {ونحشرهم يَوْم الْقِيَامَة على وُجُوههم عميا وبكما وصما} وَقَالَ فِي أَيَّة أُخْرَى {ونادى أَصْحَاب النَّار أَصْحَاب الْجنَّة} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا، يَقُول: هم بكم ونادى أَصْحَاب النَّار وَلَيْسَ بمنتقض وَلكنهَا فِي تَفْسِير الْخَواص فِي المواطن الْمُخْتَلفَة، وَأما قَوْله {ونادى أَصْحَاب النَّار أَصْحَاب الْجنَّة} فَإِنَّهُم أول مَا يدْخلُونَ النَّار ينادون أهل النَّار {وَنَادَوْا يَا مَالك ليَقْضِ علينا رَبك قَالَ إِنَّكُم مَاكِثُونَ} وينادون أَصْحَاب الْجنَّة {أَن أفيضوا علينا من المَاء} وَيَقُولُونَ: {رَبنَا أخرجنَا مِنْهَا فَإِن عدنا فَإنَّا ظَالِمُونَ} فيتركهم مِقْدَار سَبْعَة آلَاف سنة أَو مَا شَاءَ الله من ذَلِك ثمَّ يَقُول عز وَجل سُبْحَانَهُ فِي آخر ذَلِك {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تكَلمُون} فَعِنْدَ ذَلِك صَارُوا عميا وبكما وصما لَا يَسْتَطِيعُونَ الْكَلَام وَلَا يسمعُونَ وَلَا يبصرون فَهَذَا تَفْسِيرهَا.

وَأما قَوْله عز وَجل {فَلَا أَنْسَاب بَينهم يَوْمئِذٍ وَلَا يتساءلون} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا حِين قَالَ {وَلَا يتساءلون} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {وَأَقْبل بَعضهم على بعض يتساءلون} وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْخَواص فِي المواطن الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير {فَلَا أَنْسَاب بَينهم يَوْمئِذٍ وَلَا يتساءلون} فَإِذا نفخ فِي الصُّور النفخة الثَّانِيَة قَامَ الْخَلَائق من قُبُورهم فَلَا أَنْسَاب بَينهم فِي ذَلِك الموطن وَلَا يعْطف بَعضهم على بعض قريب لِقَرَابَتِهِ حَتَّى ينجو من الْحساب إِلَى الْجنَّة وَلَا يسْأَل بَعضهم بَعْضًا فَذَلِك قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {وَلَا يسْأَل حميم حميما} وَذَلِكَ قَوْله {يَوْم يفر الْمَرْء من أَخِيه وَأمه وَأَبِيهِ وصاحبته وبنيه لكل امْرِئ مِنْهُم يَوْمئِذٍ شَأْن يُغْنِيه} فَإِذا صَارُوا إِلَى الْجنَّة {أقبل بَعضهم على بعض يتساءلون} إِذا رأى بَعضهم بَعْضًا فَهَذَا تَفْسِيرهَا.

وَأما قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {وَيَوْم نحشرهم جَمِيعًا ثمَّ نقُول للَّذين أشركوا أَيْن شركاؤكم الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ ثمَّ لم تكن فتنتهم إِلَّا أَن قَالُوا وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {يَوْمئِذٍ يود الَّذين كفرُوا وعصوا الرَّسُول لَو تسوى بهم الأَرْض وَلَا يكتمون الله حَدِيثا} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا حَيْثُ قَالُوا {وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين} وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْخَواص فِي المواطن الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير قَول الْمُشْركين حَيْثُ قَالُوا {وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين} فَإِنَّهُم لما نَظَرُوا يَوْم الْقِيَامَة إِلَى مَا يصنع الله بِأَهْل التَّوْحِيد من الْكَرَامَة وَكَيف يتَجَاوَز عَن مساويهم ويشفع فيهم الْمَلَائِكَة والنبيون والمؤمنون بَعضهم فِي بعض قَالَ الْمُشْركُونَ عِنْد ذَلِك: تَعَالَوْا نكتم الشّرك فَلَمَّا سئلوا {أَيْن شركاؤكم الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ} قَالُوا {وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين}، فَلَمَّا كتموا الشّرك ختم الله على ألسنتهم واستنطق جوارحهم وأيديهم وأرجلهم فَذَلِك قَوْله {الْيَوْم نختم على أَفْوَاههم} يَعْنِي بعد مَا كتمت الألسن الشّرك {وتكلمنا أَيْديهم وَتشهد أَرجُلهم} بالشرك {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} يَعْنِي بِمَا كَانُوا يعْملُونَ، وَقَالَ فِي حم السَّجْدَة {وَمَا كُنْتُم تستترون أَن يشْهد عَلَيْكُم سمعكم وَلَا أبصاركم وَلَا جلودكم وَلَكِن ظننتم أَن الله لَا يعلم كثيرا مِمَّا تَعْمَلُونَ} يَعْنِي بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ من الشّرك فَذَلِك قَوْله فِي سُورَة النِّسَاء {يَوْمئِذٍ يود الَّذين كفرُوا وعصوا الرَّسُول لَو تسوى بهم الأَرْض وَلَا يكتمون الله حَدِيثا} يَعْنِي يودون حِين شهِدت عَلَيْهِم الْجَوَارِح بالشرك لَو سويت بهم الأَرْض فَدَخَلُوا فِيهَا، ثمَّ ذكر الْجَوَارِح فَقَالَ: {وَلَا يكتمون الله حَدِيثا} يَعْنِي بالجوارح الْأَيْدِي والأرجل والأسماع والأبصار والجلود وَلَا يكتمون الله الشّرك فَيَشْهَدُونَ بِهِ عَلَيْهِم عِنْد الله فَذَلِك قَوْله {وَلَا يكتمون الله حَدِيثا} يَعْنِي بالجوارح وَذَلِكَ قَوْله {بل الْإِنْسَان على نَفسه بَصِيرَة} يَقُول بل جوارح الْكَافِر على نَفسه شاهدة بالشرك فَلَمَّا شهِدت الْجَوَارِح بِمَا كتمت الألسن من الشّرك أطلق الله الألسن فنطقت بعد ذَلِك فَقَالَت للجوارح وَبَيَان ذَلِك فِي حم السَّجْدَة: {وَقَالُوا لجلودهم لم شهدتم علينا قَالُوا أنطقنا الله الَّذِي أنطق كل شَيْء وَهُوَ خَلقكُم أول مرّة وَإِلَيْهِ ترجعون} مِن الدُّنْيَا، ثمَّ اعْترفت الألسن بعد ذَلِك بالشرك فَلَمَّا سَأَلتهمْ الخزنة عِنْد دُخُول النَّار فِي سُورَة الزمر قَالُوا: {ألم يأتكم رسل مِنْكُم يَتلون عَلَيْكُم آيَات ربكُم وينذرونكم لِقَاء يومكم هَذَا قَالُوا بلَى وَلَكِن حقت كلمة الْعَذَاب على الْكَافرين} وَذَلِكَ قَوْله فِي تبَارك الْملك {ألم يأتكم نَذِير قَالُوا بلَى قد جَاءَنَا نَذِير فكذبنا وَقُلْنَا مَا نزل الله من شَيْء إِن أَنْتُم إِلَّا فِي ضلال كَبِير} فَلَمَّا أقرُّوا على أنفسهم بالشرك والتكذيب بقول الله عز وَجل للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {فَاعْتَرفُوا بذنبهم فسحقا لأَصْحَاب السعير} يَعْنِي تكذيبهم الرُّسُل فِيمَا جَاءَت بِهِ من التَّوْحِيد وَغَيره فَهَذَا تفسيرهما، وَأما قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {وَيَوْم تقوم السَّاعَة يقسم المجرمون مَا لَبِثُوا غير سَاعَة} وَقَوله {يتخافتون بَينهم إِن لبثتم إِلَّا عشرا} وَقَوله {إِن لبثتم إِلَّا يَوْمًا} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْخَواص فِي المواطن الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير {إِن لبثتم إِلَّا عشرا} فَإِنَّهُم من أول مَا بعثوا من الْقُبُور نظرُوا إِلَى مَا كَانُوا يكذبُون بِهِ فِي الدُّنْيَا من الْبَعْث استقلوا مكثهم فِي الْقُبُور فتشاوروا بَينهم وَقَالُوا {إِن لبثتم إِلَّا عشرا} يَعْنِي مَا لبثتم إِلَّا عشر لَيَال ثمَّ استكثروا عَن افعال أمثالهم وأبوا فِي أنفسهم {إِن لبثتم} يَعْنِي مَا لبثتم إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا من أَيَّام الدُّنْيَا، ثمَّ استكثروا أَيْضا يَوْمًا فاتفق رَأْيهمْ على أَنهم لم يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَة من نَهَار من أَيَّام الدُّنْيَا وَذَلِكَ قَوْله {وَيَوْم تقوم السَّاعَة يقسم المجرمون مَا لَبِثُوا غير سَاعَة} يَقُول الله عز وَجل {كَذَلِك كَانُوا يؤفكون} يَعْنِي هَكَذَا كَانُوا يكذبُون فِي الدُّنْيَا كَمَا كذبُوا فِي الْآخِرَة حِين بَعثهمْ فَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {يَوْم يجمع الله الرُّسُل فَيَقُول مَاذَا أجبتم قَالُوا لَا علم لنا} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {وَيَقُول الأشهاد هَؤُلَاءِ الَّذين كذبُوا على رَبهم} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْخَواص فِي المواطن الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير {يَوْم يجمع الله الرُّسُل فَيَقُول مَاذَا أجبتم قَالُوا لَا علم لنا} فَإِنَّهُ أول مَا يبْعَث الْخَلَائق قَامُوا مبهوتين فَسُئِلت الرُّسُل {مَاذَا أجبتم} فِي التَّوْحِيد {قَالُوا لَا علم لنا} ثمَّ رجعت إِلَيْهِم عُقُولهمْ بعد ذَلِك فَلَمَّا سئلوا أخبروا بِمَاذَا أجِيبُوا فَذَلِك قَوْله {وَيَقُول الأشهاد} يَعْنِي الرُّسُل يَوْم الْقِيَامَة {هَؤُلَاءِ الَّذين كذبُوا على رَبهم} فزعموا أَن لَهُ شَرِيكا فَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْخَواص فِي المواطن الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير {لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار} يَعْنِي لَا يرَاهُ الْخلق فِي الدُّنْيَا دون الْآخِرَة وَلَا فِي السَّمَوَات دون الْجنَّة، وَقَوله {وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة} يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة {ناضرة} يَعْنِي الْحسن وَالْبَيَاض يعلوها النُّور {إِلَى رَبهَا ناظرة} ينظرُونَ إِلَى الله عز وَجل يَوْمئِذٍ مُعَاينَة فَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله حَيْثُ قَالَ مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لرَبه عز وَجل: {رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك قَالَ لن تراني} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى لمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: {وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْخَواص فِي المواطن الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير قَوْله جلّ اسْمه لمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام {لن تراني} قَالَ مُوسَى لما سمع كَلَام ربه بِأَرْض الْقُدس اشتاق إِلَى رُؤْيَته فَقَالَ {رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك} فَقَالَ الله عز وَجل {لن تراني} يَعْنِي فِي الدُّنْيَا فَأَما فِي الْجنَّة فَإِن مُوسَى وَغَيره يرونه فِي الْجنَّة معاينة.

وَأما تَفْسِير قَوْله لمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: {وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى} فَقَالَ: رَآهُ فِي الْجنَّة لَيْلَة أُسرى بِهِ تَصْدِيق ذَلِك قَوْله {وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى عِنْدهَا جنَّة المأوى} فَذَلِك قَوْله {مَا زاغ الْبَصَر وَمَا طَغى} يَقُول: مَا مَال بصر مُحَمَّد عَن رُؤْيَة ربه حِين رَآهُ نظر إِلَيْهِ فِي جنَّة المأوى وَمَا ظلم كَمَا قَالَ مُوسَى {تبت إِلَيْك وَأَنا أول الْمُؤمنِينَ} فقد كَانَ إِبْرَاهِيم ونوح وآدَم صلى الله عَلَيْهِم وَغَيرهم مُؤمنين قبل مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَلَكِن قَول مُوسَى {وَأَنا أول الْمُؤمنِينَ} يَعْنِي أَنا اول المصدقين بأنك لن ترى فِي الدُّنْيَا وكما قَالَ فِي سحرة فِرْعَوْن {أَن كُنَّا أول الْمُؤمنِينَ} يَعْنِي أول المصدقين من أهل مصر من بني إِسْرَائِيل بِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام من التَّوْحِيد وكما قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {وَأَنا أول الْمُسلمين} يَعْنِي من أهل مَكَّة خَاصَّة وَقد كَانَ قبله مُسلمُونَ فِي الْأُمَم الخالية فَهَذَا تفسيرهما فِي المواطن.

وَأما قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّه عَليّ حَكِيم} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى: وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على رَبهم قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بلَى وربنا} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْخَواص فِي المواطن الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير {وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب} كَمَا كلم مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام تكليما من وَرَاء حجاب، وَأما فِي الْآخِرَة فَإِنَّهُ يقف الْبَار والفاجر على ربه يكلمونه بِغَيْر حجاب وَذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة كَمَا قَالَ عز وَجل فِي كِتَابه يكلمهم وَيسْأل عَن أَعْمَالهم عِنْد الْحساب فَذَلِك قَوْله جلّ ذكره {فوربك لنسئلنهم أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ} فَإِذا صَارُوا إِلَى الْجنَّة أهل الْجنَّة وَأهل النَّار إلى النَّار فَإِنَّهُ يكلم أهل الْجنَّة وَلَا يحتجب عَنْهُم وَأما الْكفَّار فَإِنَّهُ {وَلَا يكلمهم الله} يَعْنِي بعد الْحساب {وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة} بعد الْحساب {وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم}.
ئەثەری پێشووتر