باب في تفسير اختلاف المواضع

بَاب فِي تَفْسِير اخْتِلَاف الْمَوَاضِع
وَأما قَوْله عز وَجل {أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْخَواص فِي المواطن الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير قَوْله {أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب} يَعْنِي فِي الْبَاب الَّذِي هم فِيهِ، وَأما تَفْسِير {إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار} فهم فِي أَسْفَل دَرك من جَهَنَّم فَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله جلّ ذكره لأهل النَّار {لَيْسَ لَهُم طَعَام إِلَّا من ضَرِيع} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {وَلَا طَعَام إِلَّا من غسلين} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {إِن شَجَرَة الزقوم طَعَام الأثيم} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض وَلَكِن تفسيرهن عِنْد الْخَواص فِي الْمَوَاضِع الْمُخْتَلفَة، أما تَفْسِير {لَيْسَ لَهُم طَعَام إِلَّا من ضَرِيع} يَعْنِي فِي الْبَاب الَّذِي هم فِيهِ، وَقَوله {وَلَا طَعَام إِلَّا من غسلين} يَعْنِي فِي الْبَاب الَّذِي هم فِيهِ، وَقَالَ {إِن شَجَرَة الزقوم طَعَام الأثيم} يَعْنِي طَعَام أهل الْجَحِيم.

وَأما قَوْله {وَأَن الْكَافرين لَا مولى لَهُم} وَقَوله فِي آيَة أُخْرَى: {ثمَّ ردوا إِلَى الله مَوْلَاهُم الْحق وضل عَنْهُم مَا كَانُوا يفترون} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما من تَفْسِير الْوُجُوه الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير {وَأَن الْكَافرين لَا مولى لَهُم} يَعْنِي لَا يتولاهم إِلَّا الله سُبْحَانَهُ فِي العون مثل قَوْله للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (فَإِن الله هُوَ مَوْلَاهُ) فِي العون لَهُ، وَأما تَفْسِير قَوْله للْكَافِرِينَ {ثمَّ ردوا إِلَى الله مَوْلَاهُم الْحق} يَعْنِي ثمَّ ردوا إِلَى الله فِي الْآخِرَة رَبهم ومولاهم الْحق لأَنهم اتَّخذُوا فِي الدُّنْيَا أَرْبَابًا بَاطِلا أَوْلِيَاء من دون الله فَلذَلِك قَالَ: {ثمَّ ردوا إِلَى الله مَوْلَاهُم الْحق وضل عَنْهُم مَا كَانُوا يفترون} وَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {وأقسطوا إِن الله يحب المقسطين} وَقَوله {وَأما القاسطون فَكَانُوا لِجَهَنَّم حطبا} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض وَلَكِن تفسيرهما فِي الْوُجُوه مُخْتَلف، فَأَما تَفْسِير {وأقسطوا إِن} فَإِنَّهُ يَقُول: واعدلوا {إِن الله يحب المقسطين} يَعْنِي يحب الَّذين يعدلُونَ فِي القَوْل وَالْفِعْل، وَأما تَفْسِير {وَأما القاسطون فَكَانُوا لِجَهَنَّم حطبا} يَعْنِي وَأما الْعَادِلُونَ بِهِ يَعْنِي الَّذين يشركُونَ مَعَه غَيره {فَكَانُوا لِجَهَنَّم حطبا} فَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مَا لكم من وَلَايتهم من شَيْء} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض وَلَكِن تفسيرهما فِي الْوُجُوه مُخْتَلف، فَأَما تَفْسِير {والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض} يَعْنِي فِي دين الْإِسْلَام، وَتَفْسِير {الَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مَا لكم من ولايتهم من شَيْء حَتَّى يهاجروا} فِي الْمَوَارِيث حَتَّى يهاجروا، ثمَّ نسختها {وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض} فأشرك جَمِيع الْمُؤمنِينَ والإخوان فِي الْمَوَارِيث، من هاجر وَمن لم يُهَاجر فَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله جلّ اسْمه لإبليس {إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى قَول مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام حِين قتل النَّفس {هَذَا من عمل الشَّيْطَان}، فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض وَلَكِنهما تفسير فِي الْوُجُوه مُخْتَلف، فَأَما قَوْله عز وَجل لإبليس {إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان} يَعْنِي عباد الله المخلصين خَاصَّة لمن اسْتثْنى عز وَجل أَنهم فِي علمه مُؤمنُونَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لإبليس عَلَيْهِم سُلْطَان أَن يستزلهم عَن التَّوْحِيد إِلَى الشّرك خَاصَّة بدعايته وتزيينه ووسوسته، فَأَما الذُّنُوب دون الشّرك فَهُوَ يستزلهم وَذَلِكَ قَول مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام حِين قتل النَّفس {هَذَا من عمل الشَّيْطَان} يَعْنِي من تَزْيِين الشَّيْطَان من غير كفر كَمَا زين لآدَم عَلَيْهِ السَّلَام ولإخوة يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام وَغَيرهم فأزلهم وَكَانُوا من أفاضل عباد الله المخلصين فَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله لإبليس {إِنَّمَا سُلْطَانه على الَّذين يتولونه} يَعْنِي الْمُشْركين وَقَول إِبْلِيس فِي آيَة أُخْرَى {وَمَا كَانَ لي عَلَيْكُم من سُلْطَان} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْوُجُوه الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير قَوْله سُبْحَانَهُ لإبليس {إِنَّمَا سُلْطَانه على الَّذين يتولونه} يَعْنِي سُلْطَانه فِي الدُّعَاء إِلَى الشّرك والتزيين والوسوسة فِي أَمر الشّرك {على الَّذين يتولونه} يَعْنِي إِبْلِيس وَالَّذين هم بِاللَّه مشركون فَذَلِك قَوْله {واستفزز من اسْتَطَعْت مِنْهُم بصوتك} يَعْنِي بدعائك وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَة إِبْنِ مَسْعُود، وَقَالَ فِي آيَة اخرى {ألم تَرَ أَنا أرسلنَا الشَّيَاطِين على الْكَافرين تؤزهم أزا} يَعْنِي تغريهم إغراء وتزعجهم فِي الْكفْر إزعاجا بِالدُّعَاءِ والتزيين، وَأما تَفْسِير قَول إِبْلِيس {وَمَا كَانَ لي عَلَيْكُم من سُلْطَان} يَقُول: وَلم يكن لي عَلَيْكُم من الْملك مَا أقهركم على الشّرك، وتصديق ذَلِك قَوْله {إِلَّا أَن دعوتكم فاستجبتم لي} فَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله عز وَجل للْكفَّار {إِنَّا نسيناكم} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {لَا يضل رَبِّي وَلَا ينسى} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْوُجُوه الْمُخْتَلفَة، فَأَما تَفْسِير الْوُجُوه قَول الله تبَارك وَتَعَالَى {إِنَّا نسيناكم} فَإِنَّهُ يَقُول للْكفَّار حِين أدخلهم النَّار: إِنَّا تركناكم فِي الْعَذَاب، وَلَا ينسى الرب تبَارك وَتَعَالَى شَيْئا أبدا وَلَا يذهب من حفظه وَلكنه كَمَا قَالَ أَيْضا {نسوا الله فنسيهم} يَقُول: تركُوا الْإِيمَان بِاللَّه فتركهم الله سُبْحَانَهُ من ذكره وكما قَالَ {مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها} يَعْنِي نتركها كَمَا هِيَ فَلَا ننسخها، وَأما قَوْله عز وَجل {لَا يضل رَبِّي وَلَا ينسى} يَعْنِي لَا يخطيء مَا فِي الْكتاب {وَلَا ينسى} يَعْنِي وَلَا يذهب من حفظه أبدا فَهَذَا تفسيرهما.

وَأما قَوْله {ونحشره يَوْم الْقِيَامَة أعمى} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {فبصرك الْيَوْم حَدِيد} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض ولكنهما فِي تَفْسِير الْوُجُوه الْمُخْتَلفَة، وَأما قَوْله {ونحشره يَوْم الْقِيَامَة أعمى} عَن حجَّته، وَأما قَوْله {فبصرك الْيَوْم حَدِيد} فَإِذا بعث الله عز وَجل الْكَافِر من قَبره فَنظر إِلَى الْبَعْث الَّذِي كَانَ يكذب بِهِ فِي دَار الدُّنْيَا وَذَلِكَ كشف الغطاء عَنهُ فبصره عِنْد ذَلِك حَدِيد أَي شاخص بَصَره لَا يطرف فَهَذَا تفسيرهما.
ئەثەری دواتر ئەثەری پێشووتر