أول ظهور الاعتزال في البصرة وبغداد
أول ظهور الاعتزال في البصرة وبغداد
وبالبصرة أول ظُهُور الاعتزال لِأَن أَبَا حُذَيْفَة وَاصل بن عَطاء جَاءَ بِهِ من الْمَدِينَة، وَيُقَال: معتزلة بَغْدَاد أخذُوا الاعتزال من معتزلة الْبَصْرَة أَولَهُم بشر بن الْمُعْتَمِر خرج إِلَى الْبَصْرَة فلقى بشر بن سعيد وَأَبا عُثْمَان الزَّعْفَرَانِي فَأخذ عَنْهُمَا الاعتزال وهما صاحبا وَاصل بن عَطاء، فَحمل الاعتزال وَالْأُصُول الْخَمْسَة إِلَى بَغْدَاد ودعا إِلَيْهِ النَّاس ففشى قَوْله فَأَخذه الرشيد وحبسه فِي السجْن فَجعل يَقُول فِي السجْن رجزا مزاوجا فِي الْعدْل والتوحيد والوعيد حَتَّى قَالَ أَرْبَعِينَ ألف بَيت لم يسمع النَّاس بِشعر مثل ذَلِك فألهج النَّاس بنشدها فِي كل مجْلِس ومحفل، فَقيل للرشيد: مَا يَقُوله فِي السجْن من الشّعْر أضرّ على النَّاس من الْكَلَام الَّذِي بَينه، ثمَّ أَخذ الْكَلَام من بشر بِبَغْدَاد أَبُو مُوسَى بن صبيح الملقب بمردار فَكَانَ الْمجْلس لَهُ وَالْكَلَام، وَخرج بعده الجعفران جَعْفَر بن حَرْب وجعفر بْن مُبشر، وَخرج بعد الجعفرين مُحَمَّد بن عبد الله الإسكافي فوضعوا من الْكتب وصنفوا فِي الْفِقْه وَالْكَلَام والجدال أَكثر من أن يحد وردوا على جَمِيع الْمُخَالفين من أهل الصَّلَاة وَغَيرهَا.
وَأما معتزلة الْبَصْرَة فَكَانَ أَبُو الْهُذيْل العلاف أَخذ الْكَلَام من بشر بن سعيد وَأبي عُثْمَان الزَّعْفَرَانِي صَاحِبي وَاصل بن عَطاء فَوضع من الْكتب ألفا ومائتي صنف يرد فِيهَا على الْمُخَالفين وينقض كتبهمْ إِلَّا كتاب الْحجَّة فَإِنَّهُ وَضعه فِي الْأُصُول، وَكَانَ الْمجْلس قبل أبي الْهُذيْل بِالْبَصْرَةِ وَالْكَلَام لِضِرَار بن عَمْرو حتى أظهر الْخلاف، والتبس عَلَيْهِ الْعدْل والتوحيد والوعيد وَنَصّ رِسَالَة إِلَى الْعَامَّة مَا سبقه إِلَيْهَا أحد فِي حسن الْكَلَام ونظامه يذكر فِيهَا الْعدْل والتوحيد والوعيد، ثمَّ كَانَ فِي آخر أَيَّامه أَبُو بكر الْأَصَم عبد الرَّحْمَن بن كيسَان فَالْتبسَ عَلَيْهِ أَيْضا الْعدْل والتوحيد وَله كتب كَثِيرَة مَا سبقه بهَا أحد وَكَانَ ابو الْهُذيْل يلقبه بخربان لِأَن الخر بِالْفَارِسِيَّةِ هُوَ الْحمار والخربان المكارى فَجرى عَلَيْهِ هَذَا اللقب، ثمَّ أخرج أَبُو الْهُذيْل إِبْرَاهِيم النظام وهشاما الفوطي فعابا عَلَيْهِ وخالفاه فِي الْفَرْع لِأَن الأَصْل الَّذِي خَالفه عَلَيْهِ هِشَام الفوطي يكون فِي مائَة وَعشْرين مَسْأَلَة فَوضع عَلَيْهِ فِيهَا كتابا وَكَانَ آخر أَيَّام أبي الْهُذيْل، وَكَانَ كف بَصَره، فَتقدم إِلَى بعض تلامذته فنقضها عَلَيْهِ، ثمَّ خَالفه إِبْرَاهِيم النظام أَيْضا فِي مائَة وَعشْرين مَسْأَلَة فَوضع فِيهَا نقضا ونقضها عَلَيْهِ أَبُو الْهُذيْل وَكَانَت المناظرات بَينهم فِي الْمجَالِس لَا تَنْقَطِع، وَأَبُو الْهُذيْل هَذَا لم يدْرك فِي أهل الجدل مثله وَهُوَ أبوهم وأستاذهم وَكَانَ الْخُلَفَاء الثَّلَاثَة: الْمَأْمُون والمعتصم والواثق يقدمونه ويعظمونه، وَكَانَ الْوَزير ابْن أبي دؤاد من تلامذته وَكَانَ لَا يقوم لَهُ فِي الْكَلَام خصم يصوغ الْكَلَام صياغة، ثمَّ خرج من تَحت يَد النظام بعد أَن صنف كتبا كَثِيرَة الجاحظ وصنف كتبا وَكَانَ صَاحب تصنيف وَلم يكن صَاحب جدل، وَأخرج هِشَام عباد بن سُلَيْمَان وَكَانَ أحد الْمُتَكَلِّمين فَمَلَأ الأَرْض كتبا وَخِلَافًا وَخرج عَن حد الاعتزال إِلَى الْكفْر والزندقة لحدة نظره وَكَثْرَة تفتيشه، ثمَّ لم يقم للمعتزلة إِمَام مَذْكُور بِالْبَصْرَةِ وَلَا بَغْدَاد إِلَى أَن خرج أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب بكور جبى بَين الْبَصْرَة والأهواز، وَكَانَ لَقِي الشحام بِالْبَصْرَةِ قبل خُرُوج عَليّ بن مُحَمَّد الشحام صَاحب أبي الْهُذيْل فتعلم مِنْهُ فَخرج لَا شبه لَهُ وَوضع أَرْبَعِينَ ألف ورقة فِي الْكَلَام وَوضع تَفْسِير الْقُرْآن فِي مائَة جُزْء وشيئا لم يسْبقهُ أحد بِمثلِهِ، وَسَهل الْجِدَال على النَّاس، ثمَّ خرج ابْنه أَبُو هَاشم فَوضع مائَة وَسِتِّينَ كتابا فِي الجدل فِي أَيَّام قَلَائِل شَيْء مَا وصل إِلَى مثله أحد قبله وَلَا أَبوهُ، وَخَالف أَبَاهُ فِي تِسْعَة وَعشْرين مَسْأَلَة وَكَانَ أَبوهُ يُخَالف أَبَا الْهُذيْل فِي تسع عشرَة مَسْأَلَة، وَبَين معتزلة بَغْدَاد ومعتزلة الْبَصْرَة اخْتِلَاف كثير فَاحش يكفر بَعضهم بَعْضًا فِي بعض ذَلِك الِاخْتِلَاف أَكثر من ألف مَسْأَلَة، نَعُوذ بِاللَّه من الريب كُله ونسأله السَّلامَة وَمن لزم السوَاد الْأَعْظَم وَترك الشَّك نجا إِن شَاءَ الله وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه.