تفسير الآيات التي هي شبه الاستثناء
تفسير الآيات التي هي شبه الاستثناء
وَأما شبه الِاسْتِثْنَاء فِي قَوْله فِي الْبَقَرَة {لِئَلَّا يكون للنَّاس عَلَيْكُم حجَّة} يَعْنِي الْيَهُود يعلمُونَ أَن الْكَعْبَة هِيَ الْقبْلَة ثمَّ اسْتثْنى {إِلَّا الَّذين ظلمُوا} يَعْنِي الْمُشْركين من أهل مَكَّة فَإِنَّهُم لَا يعلمُونَ أَن الْكَعْبَة هِيَ الْقبْلَة فَهَذِهِ حجَّة لَهُم، وَفِي الْبَقَرَة فِي أَمر الدّين {إِلَى أجل مُسَمّى فاكتبوه} فَإِنَّهُ {أقسط عِنْد الله وأقوم للشَّهَادَة وَأدنى أَلا ترتابوا} يَقُول وَأَحْرَى أَلا تَشكوا فِي المَال وَالْأَجَل ثمَّ اسْتثْنى فَقَالَ {إِلَّا أَن تكون تِجَارَة حَاضِرَة تديرونها بَيْنكُم فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَلا تكتبوها} وَقَالَ فِي آل عمرَان {فَلَيْسَ من الله فِي شَيْء} ثمَّ اسْتثْنى فَقَالَ {إِلَّا أَن تتقوا مِنْهُم تقاة} فَلَا بَأْس أَن يرضيهم بِلِسَانِهِ، وَقَالَ فِي النِّسَاء {وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم من النِّسَاء} ثمَّ اسْتثْنى {إِلَّا مَا قد سلف} قبل التَّحْرِيم، وَقَالَ أَيْضا {وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ} ثمَّ اسْتثْنى {إِلَّا مَا قد سلف} قبل التَّحْرِيم فَلَا بَأْس.
قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: فَهَذِهِ جملَة مختصرة من تَفْسِير الْمُتَشَابه بَيِّنَة كَافِيَة نافعة لمن عقل وتدبر وَخَافَ وأناب وَترك الْهوى وَالْفساد وَلزِمَ الْحق وَقَالَ بِهِ وآمن بِهِ وَكَانَ حذرا على شَأْنه وَمَا أَمر بِهِ والإقبال على الْجَمَاعَة وَالله يَقُول {وَلَا تفَرقُوا واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ كُنْتُم أَعدَاء فألف بَين قُلُوبكُمْ فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا} وَأمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالاتباع وَترك التنطع والابتداع وسمى الْبِدْعَة ضَلَالَة وَالْجَمَاعَة هِدَايَة فرحم الله امْرَءًا لزم مَا أَمر بِهِ وَاتبع سَبِيل ربه {فَإِن الله لهادى الَّذين آمنُوا إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم} {وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين} وَقَالَ {فَأَما من طَغى وآثر الْحَيَاة الدُّنْيَا فَإِن الْجَحِيم هِيَ المأوى وَأما من خَافَ مقَام ربه وَنهى النَّفس عَن الْهوى فَإِن الْجنَّة هِيَ المأوى} وكل هوى رحمكم الله فَهُوَ يطغى ويردى فعلى العَبْد محاسبة نَفسه وزجرها عَن الفضول الموبق وَأَن يحذر أَن يَقُول قولا مَال بِهِ إِلَيْهِ هَوَاهُ فيحبط ذَلِك عمله وَإِن الله عز وَجل قَالَ {وَاتبع هَوَاهُ وَكَانَ أمره فرطا} وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من سبّ أَصْحَابِي فَعَلَيهِ لعنة الله، فليحذر الساب صحابة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن تلْحقهُ لعنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَيْضًا فَإِنَّمَا أمرنَا أَن نَسْتَغْفِر للَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَعلمنَا أَن نقُول: {رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤف رَحِيم}.