باب ذكر المرجئة

بَاب ذكر المرجئة
وَقد ذكرت المرجئة فِي كتَابنَا هَذَا أَولا وآخرا إِذْ قَوْلهَا خَارج من التعارف وَالْعقل، أَلا ترى أَن مِنْهُم من يَقُول: من قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وَحرم مَا حرم الله وَأحل مَا أحل الله دخل الْجنَّة إِذا مَاتَ، وَإِن زنى، وَإِن سرق، وَقتل، وَشرب الْخمر، وَقذف الْمُحْصنَات، وَترك الصَّلَاة، وَالزَّكَاة وَالصِّيَام، إِذا كَانَ مقرا بهَا يسوف التَّوْبَة لم يضرّهُ وُقُوعه على الْكَبَائِر وَتَركه للفرائض، وركوبه الْفَوَاحِش، وَإِن فعل ذَلِك استحلالا كَانَ كَافِرًا بِاللَّه مُشْركًا وَخرج من إيمَانه وَصَارَ من أهل النَّار، وَأَن الْإِيمَان لَا يزِيد وَلَا ينقص وإيمان الْمَلَائِكَة والأنبياء والأمم وعلماء النَّاس وجهالهم وَاحِد لَا يزِيد مِنْهُ شَيْء على شَيْء أصلا، وَاحْتَجُّوا بقول الله عز وَجل {إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء} فَقَالُوا: الْكَافِر وَحده لَا يغْفر لَهُ وَمَا دون الْكفْر مغْفُور لأَهله، وَرووا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: من قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة وَإِن زنى وسرق وَقتل، وَأَنا أذكر دَلِيل هَذَا فِي آخِر الكتاب فِي جُزْء الْحجَّاج إِن شَاءَ الله.

وَيَنْبَغِي أَن يَقُول لَهُم: أخبرونا عَن الْإِيمَان: مَا هُوَ؟ فَإِن قَالُوا: لَا ندري، سَقَطت مواربة كَلَامهم وصاروا بِمَنْزِلَة من يَقُول الشَّيْء على الْجَهْل وَالْجَاهِل لَا حجَّة لَهُ.

وَإِن قَالُوا: الْإِيمَان هُوَ الْإِقْرَار، فقد صدقُوا، يُقَال لَهُم: فالإقرار يكون بِاللِّسَانِ أَو بِالْقَلْبِ؟ فَإِن قَالُوا: بِاللِّسَانِ فَقَط، يُقَال لَهُم: فالمنافقون الَّذين أقرُّوا بألسنتهم وأسروا الشّرك أهوَ شَيْء صَحَّ لَهُم الْإِيمَان إِذا أقرُّوا بألسنتهم وَالْإِيمَان عنْدكُمْ الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ؟

فَإِن قَالُوا: هَؤُلَاءِ أقرُّوا بألسنتهم وأسروا هَذِه فَلم يَصح إِيمَانهم، نقضوا قَوْلهم لأَنهم قد اعْتَرَفُوا أَن القَوْل بِاللِّسَانِ لَا يَصح إِلَّا مَعَ إِقْرَار بِالْقَلْبِ وَإِن شكّ الْقلب بِبَعْض إِقْرَار اللِّسَان، فَيجب عَلَيْهِم حِينَئِذٍ أَن يَقُولُوا: الْإِيمَان قَول بِاللِّسَانِ وَإِقْرَار بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَار بِالْقَلْبِ عمل بل هُوَ أصل كل الْأَعْمَال الَّتِي بالجوارح لِأَن الْجَوَارِح عَن الْقلب تصدر وَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد وَجب أَن يَقُولُوا: إِن الْإِيمَان قَول وَعمل، وينقضوا أصلهم، إِن الْإِيمَان قَول بِلَا عمل، وَأَيْضًا إِذا أقرُّوا أَن الْإِيمَان قَول بِاللِّسَانِ وتصديق بِالْقَلْبِ لزمتهم أَن يَقُولُوا: وَعمل بالجوارح، فَإِن أَبَوا أَن يَقُولُوا ذَلِك ردوا إِلَى الْكَلَام الأول فَبَان جهلهم، وَإِن أَجَازُوا ذَلِك تركُوا قَوْلهم وَقَالُوا: الْإِيمَان قَول بِاللِّسَانِ وتصديق بِالْقَلْبِ وَعمل بالجوارح يزِيد وَينْقص، وَهَذَا هُوَ الْحق لَا يجوز غَيره.

وَيُقَال لَهُم أَيْضا: أخبرونا: افْترض الله على عباده فَرَائض فِيهَا أَمر وَنهي؟ فَإِن قَالُوا: لَا، جهلوا وكابروا، وَإِن قَالُوا: نعم، قيل لَهُم: فَمَا تَقولُونَ فِيمَن أدّى إِلَى الله مَا أمْر بِهِ وانْتهى عَمَّا نَهَاهُ أهوَ كمن عَصَاهُ فِي أمره وَنَهْيه؟ فَإِن قَالُوا: هما سَوَاء عِنْد الله، وَعِنْدنَا جعلُوا الْمعْصِيَة كالطاعة وَالطَّاعَة كالمعصية وَهَذَا جهل وَكفر مِمَّن قَالَه، وَإِن قَالُوا: الطَّاعَة غير الْمعْصِيَة وَلَيْسَ من أطَاع الله فِي أمره وَنَهْيه كمن عَصَاهُ، تركُوا قَوْلهم وَقَالُوا بِالْحَقِّ.

وَيُقَال لَهُم: أخبرونا عَن قَول الله تبَارك وَتَعَالَى {أم حسب الَّذين يعْملُونَ السَّيِّئَات أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء محياهم ومماتهم سَاءَ مَا يحكمون} وَقَالَ تَعَالَى {أم حسب الَّذين يعْملُونَ السَّيِّئَات أَن يسبقونا سَاءَ مَا يحكمون} أَهَذا شَيْء قَالَه على حَقِيقَة القَوْل أم على الْمجَاز؟ فَإِن قَالُوا: على الْمجَاز، جعلُوا إِخْبَار الله عَن وعده على الْمجَاز وَهَذَا كفر مِمَّن قَالَه لِأَن أحدا لَا يتَيَقَّن حِينَئِذٍ بِخَبَرِهِ إِذا لم يكن لَهُ حَقِيقَة وَصِحَّة، وَإِن قَالُوا: على حَقِيقَة، يُقَال لَهُم: أخبر الله عز وَجل أَنه لَا يَسْتَوِي عِنْده الْوَلِيّ والعدو.

وَيُقَال لَهُم: أخبرونا عَمَّن زنا وأتى شَيْئا من الْكَبَائِر: أَتَرَوْنَ عَلَيْهِ التَّوْبَة أم لَا؟ فَإِن قَالُوا: لَا، بان جهلهم، وَإِن قَالُوا: نعم، قيل لَهُم: لأي شَيْء يَتُوب؟ فَإِن قَالُوا: يقبل الله تَوْبَته وَيغْفر ذَنبه، تركُوا قَوْلهم وَجعلُوا لأهل الْمعاصِي تَوْبَة وغفرانا مِمَّا اجترموا، وَإِن قَالُوا: لَا، يَحْتَاجُونَ إِلَى غفران وَلَا تَوْبَة عَلَيْهِم، خَرجُوا من دين الْإِسْلَام وخالفوا الْجَمَاعَة.

وَيُقَال لَهُم: فَلم قُلْتُمْ: إِن الله يغْفر للمُصرين بِلَا تَوْبَة أَمن سمع أَو عقل؟ فَإِن فِي الْعقل شَوَاهِد دَالَّة أَن الْحَكِيم لَا يَسْتَوِي عِنْده وليه الَّذِي أطاعه وعدوه الَّذِي عَصَاهُ وَلَا يجوز ذَلِك فِي الْحِكْمَة.

وَيُقَال لَهُم فِي قَوْلهم: إِن الْإِيمَان لَا يزِيد وَلَا ينقص، مَا تَقولُونَ فِيمَن آمن وَهُوَ بِاللَّه وبدينه عَارِف وَمن آمن وَهُوَ بِاللَّه وبدينه جَاهِل؟ فَإِن قَالُوا: هما سَوَاء، تجاهلوا، وَإِن قَالُوا: الْمُؤمن الْعَارِف بِاللَّه وبدينه أفضل، تركُوا قَوْلهم وَقَالُوا بِالْحَقِّ، إِن الْإِيمَان يزِيد بِالْعَمَلِ وَالْعلم وَينْقص بِنَقص الْعلم وَالْعَمَل.

وَيُقَال لَهُم: هَل تَجْعَلُونَ بَين أهل الْمعْصِيَة وَأهل الطَّاعَة فضلا؟ فَإِن قَالُوا: لَا فضل بَينهم، تجاهلوا، وَإِن قَالُوا: نعم، قيل لَهُم: مَا الَّذِي تجعلونه بَينهم؟ فَإِن قَالُوا: لأهل الطَّاعَة الْوَعْد وَالثَّوَاب وَلأَهل الْمعْصِيَة الْوَعيد وَالْعِقَاب تركُوا قَوْلهم الْخَبيث وَقَالُوا بِالْحَقِّ، وَإِن قَالُوا: لَا ندري، تجاهلوا.

وَيُقَال لَهُم: مَا تَقولُونَ فِي قَول الله تبَارك وَتَعَالَى {من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يجزى إِلَّا مثلهَا وهم لَا يظْلمُونَ} أَلَيْسَ عنْدكُمْ من تصدق بدرهم فَلهُ عشر من الْحَسَنَات وَمن سرق درهما فَعَلَيهِ وزر دِرْهَم وَاحِد؟ فَإِذا قَالُوا: نعم، يُقَال لَهُم: فَرجل سرق عشرَة دَرَاهِم وَتصدق مِنْهَا بدرهم أَلَيْسَ لَهُ تسع حَسَنَات وَعِنْده تسع الدَّرَاهِم؟ فَإِن قَالُوا: لَا تُجزئه صَدَقَة من سَرقَة لِأَن السّرقَة تحبط أجره، تركُوا قَوْلهم، وَإِن قَالُوا: تُجزئه زَعَمُوا أَن من سرق عشرَة دَرَاهِم وَتصدق بدرهم مِنْهَا فَلهُ تسع حَسَنَات وَعِنْده تسع الدَّرَاهِم لِأَن الْحَسَنَة بِعشْرَة أَمْثَالهَا والسيئة بِمِثْلِهَا وَهَذَا ربح لَا ربح بعده مَعَ أَن على السَّارِق لأموال النَّاس بِسَبَب سَرقته ذنوبا يُعَاقب عَلَيْهَا.
ئەثەری دواتر ئەثەری پێشووتر