باب تفسير متشابه صلات الكلام
بَاب تَفْسِير متشابه صلات الْكَلَام
أما قَوْله عز وَجل لمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام {إِنَّا مَعكُمْ مستمعون} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {إِنَّا نَحن نحيي ونميت} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {أَلَيْسَ ذَلِك بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى} وَنَحْو ذَلِك مِمَّا ذكر فِي نَفسه جلّ ذكره مِمَّا يشبه كَلَام الْجَمَاعَة والفرد فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض وَلَكِن تفسيرهما فِي صلات الْكَلَام مشتبه، أما قَوْله يخبر عَن نَفسه من نَحْو قَوْله {إِنَّا نَحن نحيي ونميت} وَقُلْنَا وَفعلنَا، وَأَشْبَاه ذَلِك من الْكَلَام فَهُوَ صلَة فِي الْكَلَام وَهُوَ من كَلَام الله وَحده، وَهَذَا كَلَام الْمُلُوك، يَقُول الْملك وَحده: قد أمرنَا لَك بِكَذَا وَكَذَا وَنحن نعطيك كَذَا وَكَذَا، وَلَا يحسن هَذَا القَوْل لغير الْمُلُوك وَأَن الله سُبْحَانَهُ ملك الْمُلُوك وَهَذَا من قَوْله وَهُوَ وَاحِد لَا شريك لَهُ فِي الْملك وَلَا فِي شَيْء من الْأَشْيَاء فَهَذَا تفسيرهما.
وَأما قَوْله لآدَم عَلَيْهِ السَّلَام {خلقه من تُرَاب} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {خلق الْإِنْسَان من صلصال كالفخار} وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى {وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من صلصال من حمإ مسنون} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض وَلَكِن تفسيرهن فِي اخْتِلَاف الْحَالَات مشتبه، أما قَوْله لآدَم {خلقه من تُرَاب} فَإِن بَدْء خلقه كَانَ من تُرَاب من أَدِيم الأَرْض فَذَلِك قَوْله {خلقه من تُرَاب} فحول التُّرَاب بِالْمَاءِ إِلَى الطين فَذَلِك قَوْله {وَبَدَأَ خلق الْإِنْسَان من طين} فَصَارَ طينا إِذا قبض عَلَيْهِ انْسَلَّ فَذَلِك قَوْله {وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين} فَترك حَتَّى تغير رِيحه فَذَلِك قَوْله {من حمإ مسنون} يَعْنِي من حمإ متغير الرّيح وَكَانَ طينا لاصقا جيدا فَذَلِك قَوْله {طين لازب} يَعْنِي لاصقا جيدا، ثمَّ صوره فَتَركه مصورا حَتَّى جف فَإِذا حرك صَار لَهُ قعقعة بِمَنْزِلَة الطين الْجيد إِذا ذهب عَنهُ المَاء تشقق وَصَارَ لَهُ صَوت كصوت الفخار فَذَلِك قَوْله {خلق الْإِنْسَان من صلصال كالفخار} ثمَّ نفخ فِيهِ الرّوح فَصَارَ لَحْمًا ودما، فَأَرَادَ أَن ينْهض قبل أَن تتمّ الرّوح فِيهِ، فَذَلِك قَوْله {خلق الْإِنْسَان من عجل}، {ثمَّ جعل نَسْله من مَاء مهين} يَعْنِي خلق ذُريَّته من النُّطْفَة الَّتِي تنسل من الْإِنْسَان، والمهين الضَّعِيف.
وَأما قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {قَالُوا رَبنَا أمتنَا اثْنَتَيْنِ وأحييتنا اثْنَتَيْنِ} وَقَوله فِي آيَة أُخْرَى {لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الموتة الأولى} فَكَانَ هَذَا عِنْد من يجهل التَّفْسِير ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بمنتقض وَلَكِن تفسيرهما فِي وُجُوه الْحَالَات مشتبه، أما قَوْله {أمتنَا اثْنَتَيْنِ وأحييتنا اثْنَتَيْنِ} يَعْنِي كُنَّا نطفا ميتَة لَيست فِيهَا أَرْوَاح فخلقتنا من تِلْكَ النُّطْفَة فَجعلت فِينَا أرواحا فَهَذِهِ موتَة وحياة يَعْنِي بالموتة والحياة الْحَيَاة الثَّانِيَة حِين أماتهم فِي الدُّنْيَا عِنْد آجالهم ثمَّ يحييهم يَوْم الْقِيَامَة فَهَذِهِ موتَة وحياة أُخْرَى تَصْدِيق ذَلِك فِي سُورَة الْبَقَرَة حَيْثُ يَقُول للْكفَّار وهم أَحيَاء فِي الدِّينَا {كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا فأحياكم} يَقُول: كُنْتُم نطفا ميتَة لَيست فِيهَا أَرْوَاح فخلقكم وَجعل فِيكُم أرواحا ثمَّ يميتكم عِنْد آجالكم فِي الدُّنْيَا، ثمَّ يُحْيِيكُمْ فِي الْآخِرَة فهاتان موتتان وحياتان فَهَذَا تفسيرهما.