باب الحرورية
بَاب الحرورية
وهم خمس وَعِشْرُونَ فرقة:
فصنف مِنْهُم: يُقَال لَهُم الْأزَارِقَة، وهم أصعب الْخَوَارِج وأشرهم فعلا وأسوأهم حَالا فسموا الْأزَارِقَة بِنَافِع بن الْأَزْرَق [صَاحب الأسئلة عَن ابْن عَبَّاس].
وَمِنْهُم صنف يُقَال لَهُم: الصفرية سمو بعبيد بن الْأَصْفَر.
وَمِنْهُم: الإباضية سموا بِعَبْد الله بن إباض.
وَمِنْهُم: النجدية سموا بنجدة [بن عَامر].
وَمِنْهُم: الشمراخية سموا بشمراخ رَأْسهمْ.
وَمِنْهُم: السّريَّة [هَكَذَا بِالْأَصْلِ].
وَمِنْهُم: العزرية سموا برأسهم ابْن عزْرَة.
وَمِنْهُم: العجردية [نِسْبَة إِلَى عبد الْكَرِيم بن عجرد].
وَمِنْهُم: التغلبية، سموا بتغلب رَأْسهمْ، كَانُوا يَقُولُونَ: الْغُلَام مُسلم أبدا حَتَّى يَبْدُو لنا مِنْهُ خُرُوج من الْإِسْلَام، وَكَيف نشْهد بالْكفْر على من يعلم من الدّين مثل مَا نعلم، وَيُؤَدِّي من الْفَرَائِض مثل مَا نُؤَدِّي، ويتولى من نتولى، ويتبرأ مِمَّا نتبرأ مِنْهُ، ويحتج على من خَالَفنَا بِمثل حجتنا وَهُوَ مَعنا فِي مجْلِس يُخَاصم خصماءنا إِذا غلبته عينه نَام ثمَّ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ: إِنِّي قد احْتَلَمت، ثمَّ حدث حَدِيثا غير ذَلِك نكفره ونستحل دَمه؟ إِنَّا إِذا لمن الظَّالِمين.
وَمِنْهُم فرقة من التغلبية: خالفتهم فِي زَكَاة العَبْد وميراثه قَالُوا: إِن عَلَيْهِ الزَّكَاة إِذا كَانَ مِنْهُم وَكَانَ مَوْلَاهُ من قومه وَإنَّهُ لَيْسَ لمَوْلَاهُ من مِيرَاثه شَيْء ثمَّ فَارَقْتهمْ وكفرت من خالفهم.
وَمِنْهُم الشكية: وَكَانَ قَوْلهم إِن أَصْحَاب الْحُدُود من أَصْحَابهم مُسلمُونَ سرقوا أَو زنوا أَو قذفوا، وَقَالُوا فِي الْقَتْلَى: نَسْتَغْفِر لَهُم ونتولاهم وَلَا نشْهد لَهُم بالنجاة لِأَن الله أعلم بسرائرهم فَلم نكلف الشَّهَادَة، فسموا أهل الشَّك وَكَفرُوا من خالفهم.
وَمِنْهُم الفضلية: وَإِنَّمَا سموا بِفضل رَأْسهمْ وَذَلِكَ أَنه فارقهم فِي الذُّنُوب فَزعم أَن كل ذَنْب صَغِيرا أَو كَبِيرا أَو قَطْرَة أَو كذبة شرك بِاللَّه سموا بذلك الفضلية وَكَفرُوا من خالفهم.
وَمِنْهُم فرقة: خالفتهم فِي تَزْوِيج الصغار.
وَمِنْهُم فرقة: خالفتهم فِي الْهدي والقلائد واستحلوها وَكَفرُوا من خالفهم، وَكَانَ سَائِرهمْ يحرمها.
وَمِنْهُم النجرانية: افْتَرَقُوا فِي امْرَأَة يُقَال لَهَا أم نَجْرَان هَاجَرت إِلَى بعض خوارجهم فَتزوّجت رجلا فِي الْهِجْرَة بِالْبَصْرَةِ من قَومهَا ثمَّ استخفت فَتزوّجت رجلا من أَصْحَابهَا سرا ثمَّ ظهر عَلَيْهَا زَوجهَا الأول من قَومهَا فقربها إِلَيْهِ فتبرأ مِنْهَا بَعضهم وتولاها بَعضهم، وَكَفرُوا من خالفهم بَعضهم بَعْضًا.
وَمِنْهُم: البيهسية، سموا بهيصم أبي بيهس [بن عَامر] رَأْسهمْ فَزعم: أَن حكم الإِمَام بِالْكُوفَةِ حكما يسْتَحق بِهِ الْكفْر فَفِي تِلْكَ السَّاعَة يكفر من كَانَ فِي حكم ذَلِك الإِمَام بخراسان والأندلس وعَلى الإِمَام إِذا أبْصر كفره فَتَابَ مِنْهُ أرسل إِلَى أهل حكمه كلهم يستتيبهم من الْكفْر وَإِن لم يشعروا بِهِ فَإِن أَبى أَن يَتُوب مِنْهُ وَقَالَ: مالي أَن أَتُوب مِمَّا لَا شكّ فِيهِ وَلم أعلم بِهِ، ضربت عُنُقه، وَكَفرُوا من خالفهم، وَمن قَوْلهم أَيْضا: لَو أَن رجلا قطر قَطْرَة خمر فِي جب فَلَا يشرب من ذَلِك الْجب أحد إِلَّا كفر وَإِن لم يشْعر لِأَن الله عز وَجل يوفق الْمُؤمنِينَ، وَزَعَمُوا: لَو أَن رجلا ضرب أَبَاهُ ألف سَوْطًا كل يَوْم كَانَ مُسلما، من شكّ فِي ذَلِك فقد كفر عِنْدهم.
وَمِنْهُم فرقة: فَارَقْتهمْ فِي شراب المسكر والنبيذ إِذا سكر فَلَا حد عَلَيْهِ يشْهد بَعضهم على بعض فِي ذَلِك بالشرك، وَكَفرُوا من خالفهم.
وَمِنْهُم فرقة: خالفتهم فِي النِّكَاح بِغَيْر شُهُود فَقَالُوا: ننكح بِشَهَادَة الْكِرَام الْكَاتِبين.
وَمِنْهُم الفديكية: وَإِنَّمَا سموا بِأبي فديك وَهُوَ الْيَوْم بِالْبَحْرَيْنِ واليمامة وَلَيْسَ بِالْبَصْرَةِ وَلَا الْكُوفَة وَلَا الجزيرة مِنْهُم أحد، وَكَانَ أَبُو فديك من أَصْحَاب نجدة ثمَّ خَالفه وفارقه وَكفر من خَالفه.
وَمِنْهُم العطوية: وَإِنَّمَا سموا بعطية.
وَمِنْهُم الجعدية: وَإِنَّمَا سموا بِمُسلم بن الْجَعْد وَكَانَ من أهل الْكُوفَة.
وَالَّذِي جَاءَ فِي الْخَوَارِج وَإِذا التقى المسلمان بسيفيهما: وأتى رجل الْحسن فَقَالَ: يَا أَبَا سعيد إِن هَؤُلَاءِ استنفروني لأقاتل الْخَوَارِج فَمَا ترى؟ فَقَالَ: إِن هَؤُلَاءِ أخرجتهم ذنُوب هَؤُلَاءِ وَأَن هَؤُلَاءِ يرسلونك تقَاتل ذنوبهم فَلَا تكن الْقَتِيل مِنْهُم فَإِن الْقَوْم أهل خُصُومَة يَوْم الْقِيَامَة، وَقَالَ خُريم:
(وَلست بِقَاتِل رجل يصلي ... على سُلْطَان آخر من قُرَيْش)
(لَهُ سُلْطَانه وعَليَّ ذنبي ... معَاذ الله من سفه وطيش)
(أأقتل مُسلما فِي غير ذَنْب ... فلست بنافعي مَا عِشْت عيشي)
وَقَالَ مَرْوَان بن الحكم لأيمن بن خُريم: أَلا تخرج تقَاتل؟ فَقَالَ: إِن أبي وعمي شَهدا بَدْرًا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإنهما عهدا إِلَيَّ أَن لَا أقَاتل أحدا يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله، فَإِن جئتني بِبَرَاءَة من النَّار، قَالَ: اخرج فَلَا حَاجَة لنا فِيك، وَأوصى أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ ابْن سلمَان العبدي فَقَالَ: أعلم أَنه من صلى الْخمس صلوَات فَإِنَّهُ يصبح فِي ذمَّة الله ويمسي فَلَا تقتلن أحدا من أهل ذمَّة الله فتخفره فِي ذمَّته فيكبك الله على منخرك فِي النَّار، وَقَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين: أُرِيد سعيد بن مَالك على الْخلَافَة فَأَهوى بِيَدِهِ إِلَى قَمِيصه فَقَالَ: مَا أَنا بِأَحَق بالخلافة مني بِكَلِمَة ذكرهَا وَمَا أَنا بِالَّذِي أقَاتل حَتَّى تأتوني بِسيف يتَكَلَّم يعرف الْمُسلم وَالْكَافِر يَقُول للْمُسلمِ: هَذَا مُسلم فَلَا تقتله وَهَذَا كَافِر فاقتله، وَلَا أبخع نفسي إِن كَانَ رجل هُوَ أفضل مني وَخير قد جاهدتُ وَأَنا أعرف الْجِهَاد.
وَقَالَ الزهري: لما خرجت الحرورية قيل لصبيغ: قد خرج قوم يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: هَيْهَات قد نفعني الله بموعظة الرجل الصَّالح، وَكَانَ عمر رَضِي الله عَنهُ ضربه حَتَّى سَالَتْ الدِّمَاء على رجلَيْهِ - أَو قَالَ: على عَقِبَيْهِ، وَقَالَ طَاوس: جَاءَ صبيغ إِلَى عمر فَقَالَ: من أَنْت؟ فَقَالَ: أَنا عبد الله صبيغ، قَالَ: فَسَأَلَهُ عَن أَشْيَاء فعاقبه وخرق كتبه وَكَتبَ إِلَى أهل الْبَصْرَة: لَا تجالسوه، وَعَن الفرزدق قَالَ: قلت لأبي سعيد الخدري: قبلنَا قوم يصلونَ صَلَاة لَا يُصليهَا أحد ويقرؤن قِرَاءَة لَا يقْرؤهَا أحد، قَالَ: فَكَانَ مُتكئا فَاسْتَوَى جَالِسا وَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: إِن قبل الْمشرق قوما يقرؤن قِرَاءَة لَا تجَاوز حُلُوقهمْ، وَقَالَ عَليّ: إِذا حدثتكم فِيمَا بيني وَبَيْنكُم فَإِن الْحَرْب خدعة وَإِذا حدثتكم عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فوَاللَّه لِأَن أخر من السَّمَاء أحب إِلَيَّ من أَن أكذب عَلَيْهِ وإني سمعته يَقُول: يخرج قوم فِي آخر الزَّمَان أَحْدَاث الْأَسْنَان سُفَهَاء الأحلام يَقُولُونَ من خير قَول الْبَريَّة لَا يُجَاوز إِيمَانهم حَنَاجِرهمْ يَمْرُقُونَ من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية فأينما لقيتهم فاقتلهم فَإِن قَتلهمْ أجر لمن قَتلهمْ يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَالَ أَبُو سعيد الخدري: يخرج أَقوام يقرؤن الْقُرْآن لَا يُجَاوز تراقيهم يَمْرُقُونَ من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية ثمَّ لَا يعودون حَتَّى يعود السهْم إِلَى فوقة، التسبيد فيهم فَاشٍ، قلت: وَمَا التسبيد؟ قَالَ: لَا أعلمهُ إِلَّا نَحوا من رَأسك فَوق الْجلد وَدون الوفرة.
وَقَالَ أَبُو بكرَة: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِذا التقى المسلمان بسيفيها فَقتل أحدهما صَاحبه فالقاتل والمقتول فِي النَّار، قيل: يَا رَسُول الله هَذَا الْقَاتِل فَمَا بَال الْمَقْتُول؟ قَالَ: إِنَّه أَرَادَ قتل صَاحبه، وَقَالَ سَلمَة: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من حمل علينا السِّلَاح فَلَيْسَ منا، وَقد تقدم حَدِيث ابْن عَبَّاس وحجاجه على الْخَوَارِج فِي بَاب مِنْهُم.
وَلما خرج زُرَيْق الحروري استعرض النَّاس هُوَ وَمن مَعَه وَجَاء رجل إِلَى طَاوس من أهل الْجند فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن عليَّ غَزْوَة فِي سَبِيل الله، فَقَالَ: عنْدك هَؤُلَاءِ فاحمل على هَؤُلَاءِ الخبثاء فَإِن ذَلِك يُؤَدِّي عَنْك.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يخرج فِي آخر الزَّمَان قوم يقرؤون الْقُرْآن فاتحته إِلَى خاتمته لَا يُجَاوز حَنَاجِرهمْ يَمْرُقُونَ من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية، وَقَالَ مُزَاحم بن زفر: كُنَّا بسمرقند وَعَلَيْهَا مُحَمَّد بن الْمُهلب فَخرج علينا يَوْم الْجُمُعَة رجل حروري، فَضرب رجلا من بني عجل بِالسَّيْفِ فَأخذ فَدَعَا مُحَمَّد بن الْمُهلب الضَّحَّاك بن مُزَاحم فَسَأَلَهُ فَقَالَ: أرى أَن تحبسه حَتَّى ينظر مَا يصنع الْمَضْرُوب ثمَّ نَقصه مِنْهُ فحبسه، وَكتب إِلَى يزِيد بن الْمُهلب فَكتب يزِيد إِلَى سُلَيْمَان بن عبد الْملك فَوَافَقَ الْكتاب موت سُلَيْمَان بن عبد الْملك واستخلاف عمر بن عبد الْعَزِيز فَعرض عَلَيْهِ الْكتاب فَكتب: أما بعد فَانْظُر الحروري فَإِن الْمَضْرُوب مَاتَ من ضَربته فَدَعْهُ لأوليائه يقتلونه وَإِن كَانَ بَرِيئًا فقصه مِنْهُ ثمَّ احبسه محبسا قَرِيبا من أَهله حَتَّى يَمُوت من هَوَاهُ الْخَبيث الَّذِي خرج عَلَيْهِ.
وَسَأَلَ وبرة الْحسن عَن رجل يرى رأى الْخَوَارِج وَلم يخرج قَالَ: الْعَمَل أملك بِالنَّاسِ من الرأي وَإِنَّمَا يجزى الله النَّاس بِالْأَعْمَالِ، وَقَالَ حبيب بن ثَابت: أتيت أَبَا وَائِل فِي مَسْجِد أَهله أسأله عَن هَؤُلَاءِ الَّذين قَتلهمْ عَليّ رَضِي الله عَنهُ بالنهروان فيمَ اسْتَجَابُوا لَهُ وفيم قارقوه عَلَيْهِ وفيم اسْتحق قِتَالهمْ؟ فَقَالَ: كُنَّا بصفين فَلَمَّا اسْتحرّ الْقِتَال بِأَهْل الشَّام اعتصموا بتل، فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ لمعاوية رحمهمَا الله: ارسلْ إِلَى عَليّ رَضِي الله عَنهُ بالمصحف وادعه إِلَى كتاب الله عز وَجل فَإِنَّهُ لن يَأْبَى عَلَيْك، فَأَجَابَهُ رجل فَقَالَ: بَيْننَا وَبَيْنكُم كتاب الله عز وَجل {ألم تَرَ إِلَى الَّذين أَتَوا نَصِيبا من الْكتاب يدعونَ إِلَى كتاب الله ليحكم بَينهم ثمَّ يتَوَلَّى فريق مِنْهُم وهم معرضون} فَقَالَ عَليّ: نعم، أَنا أولى بذلك بَيْننَا وَبَيْنكُم كتاب الله، فَجَاءَتْهُ الْخَوَارِج وَنحن ندعوهم يَوْمئِذٍ وألقوا سيوفهم على عواتقهم فَقَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا نَنْتَظِر بهؤلاء الَّذين على التل لَا نمشي إِلَيْهِم بسيوفنا حَتَّى يحكم الله بَيْننَا وَبينهمْ؟ فَتكلم سهل بن حنيف فَقَالَ: أَيهَا النَّاس اتهموا أَنفسكُم فَلَقَد رَأَيْتنَا يَوْم الحديبية - يَعْنِي الصُّلْح الَّذِي كَانَ بَين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَين الْمُشْركين - وَلَو نرى قتالا لقاتلنا فجَاء عمر إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: أَلسنا على الْحق وهم على الْبَاطِل؟ فَقَالَ: نعم، قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجنَّة وقتلاهم فِي النَّار؟ قَالَ بلَى، قَالَ: فَلم نعط الدنية فِي ديننا وَنَرْجِع وَلما يحكم الله بَيْننَا وَبينهمْ؟ فَقَالَ: يَا ابْن الْخطاب إِنِّي رَسُول الله وَلنْ يضيعني أبدا، قَالَ: فَرجع وَهُوَ مغيظ فَلم يصبر حَتَّى أتى أَبَا بكر رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ: أَلسنا على الْحق؟ فَذكر مثل ذَلِك سَوَاء، فَقَالَ أَبُو بكر: يَا ابْن الْخطاب إِنَّه رَسُول الله وَلنْ يضيعه أبدا، قَالَ: فَنزلت سُورَة الْفَتْح فَأرْسل عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى عمر فَأَقْرَأهُ إِيَّاهَا فَقَالَ: يَا رَسُول الله أَو فتح هُوَ؟ قَالَ: نعم.
قَالَ ابْن عَبَّاس: لَيْسَ الحرورية بأشد اجْتِهَادًا من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وهم يضلون.
كتاب عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ:
من عبد الله بن عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى يحيى بن يحيى والعاصية الَّذين خَرجُوا، سَلام الله عَلَيْكُم، أما بعد فَإِن الله عز وَجل يَقُول: {ادْع إِلَى سَبِيل رَبك بالحكمة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن إِن رَبك هُوَ أعلم بِمن ضل عَن سَبيله وَهُوَ أعلم بالمهتدين}.
وَإِنِّي أذكركم أَن تَفعلُوا كَفعل آبائكم {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين خَرجُوا من دِيَارهمْ بطرا ورئاء النَّاس ويصدون عَن سَبِيل الله وَالله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيط}، فبذا تخرجُونَ من دينكُمْ وتسفكون الدِّمَاء وتستحلون الْمَحَارِم؟ فَلَو كَانَت ذنُوب أبي بكر وَعمر تخرج رعيتهما من دينهم كَانَت لَهَا ذنُوب فقد كَانَت آباؤكم فِي جَمَاعَتهمْ فَمَا شركتكم على الْمُسلمين وَأَنْتُم بضعَة وَأَرْبَعُونَ رجلا وَإِنِّي أقسم بِاللَّه لَو كُنْتُم أَبْكَارًا من وَلَدي وتوليتم عَمَّا دعوكم إِلَيْهِ، وَلم تجيبوا لدفعت دماءكم ألتمس بذلك وَجه الله عز وَجل وَالدَّار الْآخِرَة فَهَذَا النصح إِن أجبتم وَإِن استغششتم فقديما استغش الناصحون.
وَلما خرجت خَارِجَة من الحرورية كتب إِلَيْهِم عمر بن عبد الْعَزِيز رَحمَة الله عَلَيْهِ: أَن يأتيني مِنْكُم رجلَانِ وبيني وَبَيْنكُم كتاب الله عز وَجل، فَأتيَاهُ فخاصمهما وَقَالا: نرْجِع على أَنا نسيح فِي الأَرْض، فَأَقْسَمُوا على أَن لَا يخيفوا سَبِيلا وَلَا يهريقوا دِمَاء فَإِن فَعلْتُمْ فقد آذنتم بِالْحَرْبِ.
فساح أَحدهمَا فأهراق دِمَاء وأخاف السَّبِيل، فَبُعث إِلَيْهِ سعيد الجرشِي فِي أهل الْكُوفَة فَقَتَلُوهُ وَقتلُوا أَصْحَابه.
وَقَالَ حسان بن فروخ: سَأَلَني عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ عَمَّا تَقول الْأزَارِقَة؟ فَأَخْبَرته، فَقَالَ: مَا يَقُولُونَ فِي الرَّجْم؟ فَقلت: يكفرون بِهِ، فَقَالَ: الله أكبر كفرُوا بِاللَّه وَبرَسُوله.
وَحدث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما رجم مَاعِز بن مَالك فَلَمَّا أَصَابَته الْحِجَارَة صرخَ فَقَالَ بعض الْقَوْم: أبعده الله، فزجره عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالَ: إِنَّهَا كَفَّارَة لَهُ.