باب المرجئة وفرقها ومذاهبها

بَاب المرجئة وفرقها ومذاهبها
والمرجئة أثنتا عشرَة فرقة:
صنف مِنْهُم: زَعَمُوا أَن من شهد شَهَادَة الْحق دخل الْجنَّة وَإِن عمل أَي عمل كَمَا لَا ينفع مَعَ الشّرك حَسَنَة كَذَلِك لَا يضر مَعَ التَّوْحِيد سَيِّئَة، وَزَعَمُوا أَنه لَا يدْخل النَّار أبدا وَإِن ركب العظائم وَترك الْفَرَائِض وَعمل الْكَبَائِر، كذب من قَالَ هَذَا وَالله عز وَجل يَقُول: {وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين حنفَاء ويقيموا الصَّلَاة ويؤتوا الزَّكَاة وَذَلِكَ دين الْقيمَة} وَقَالَ {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون وَالَّذين هم عَن اللَّغْو معرضون وَالَّذين هم لِلزَّكَاةِ فاعلون وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين فَمن ابْتغى وَرَاء ذَلِك فَأُولَئِك هم العادون وَالَّذين هم لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدهمْ رَاعُونَ وَالَّذين هم على صلواتهم يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هم الوارثون} وَقَالَ {لَيْسَ الْبر أَن توَلّوا وُجُوهكُم قبل الْمشرق وَالْمغْرب وَلَكِن الْبر من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَالْمَلَائِكَة وَالْكتاب والنبيين وَآتى المَال على حبه ذَوي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل والسائلين وَفِي الرّقاب وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة والموفون بعهدهم إِذا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البأساء وَالضَّرَّاء وَحين الْبَأْس أُولَئِكَ الَّذين صدقُوا وَأُولَئِكَ هم المتقون} [البقرة: ١٧٧].

وَعَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: بَين العَبْد وَالْكفْر ترك الصَّلَاة وَرَوَاهُ جَابر أَيْضا، وَسُئِلَ ابْن مَسْعُود: أَي الدَّرَجَات فِي الْإِسْلَام أفضل؟ قَالَ: الصَّلَاة وَمن لم يصل فَلَا دين لَهُ.

وَعَن أبي قلَابَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من ترك الصَّلَاة عَامِدًا أحبط عمله.

وَقَالَ الْمسور بن مخرمَة: دخلت أَنا وَابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا على عمر رَضِي الله عَنهُ حِين طعن فَقلت: الصَّلَاة، قَالَ: أجل وَلَا حَظّ فِي الْإِسْلَام لمن أضاع الصَّلَاة.

وَقيل لِابْنِ عمر رَضِي الله عَنْهُمَا: أَلا تُجَاهِد؟ فَقَالَ: بني الْإِسْلَام على خمس: شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وإقام الصَّلَاة، وأيتاء الزَّكَاة، وَحج الْبَيْت، وَصَوْم رَمَضَان، هَكَذَا حَدثنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ الْجِهَاد بعد حسن.

وَقَالَ حُذَيْفَة: إِنِّي لأعرف أهل دينين، أهل ذَيْنك الدينَيْنِ فِي النَّار، قوم يَقُولُونَ: الْإِيمَان كَلَام وَإِن زنى وَقتل، وَقوم يَقُولُونَ: وَإِذ كَانُوا أَوْلِيَاء الضلال، لَا نرى خمس صلوَات فِي كل يَوْم وَإِنَّمَا هما صلاتان صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْمغرب.

وَقَالَ عبد الله الْيَشْكُرِي: انْطَلَقت إِلَى الْكُوفَة لأجلب بغالا فَدخلت الْمَسْجِد فَإِذا رجل من قيس يُقَال لَهُ: ابْن المنتفق، وَهُوَ يَقُول: وصف لي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وحلا لي، قَالَ: فطلبته بِمَكَّة، فَقيل: إِنَّه بمنى، فطلبته بمنى، فَقيل: بِعَرَفَات، فانتهيت إِلَيْهِ فزاحمت عَلَيْهِ حَتَّى حصلت إِلَيْهِ، فَأخذت بِخِطَام رَاحِلَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَو قَالَ: بزمامها - حَتَّى اخْتلفت أَعْنَاق راحلتينا، قَالَ: قلتُ: ثِنْتَانِ أَسأَلك عَنْهُمَا: مَا ينجيني من النَّار وَمَا يدخلني الْجنَّة؟ قَالَ: فَنظر إِلَى السَّمَاء ثمَّ أقبل عَليّ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: لَئِن أوجزت فِي الْمَسْأَلَة لقد أعظمت وطولت، اعقل عني: اعبد الله وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا، وأقم الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة، وصم شهر رَمَضَان، وَمَا تحب أَن يَفْعَله النَّاس بك فافعله مَعَهم وَمَا تكره أَن يَأْتِي النَّاس إِلَيْك فذر النَّاس مِنْهُ، خل عَن زِمَام الرَّاحِلَة.

وَعَن الْحسن قَالَ: يَا ابْن آدم إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَلستَ تصلي!؟.

وَعَن ابْن عَبَّاس {إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ} قَالَ: الْكَلم الطّيب ذكر الله، وَالْعَمَل الصَّالح أَدَاء فَرَائِضه، فَمن ذكر الله سُبْحَانَهُ فِي أَدَاء فَرَائِضه حمل على ذكر الله عز وَجل وَصعد بِهِ إِلَى السَّمَاء، وَمن ذكر الله وَلم يؤد فَرَائِضه رد كَلَامه على عمله فَكَانَ أولى بِهِ.

وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد الْفَرَائِض فَإِن وجدوا فِيهَا نقصا، قَالَ: انْظُرُوا هَل لعبدي من تطوع، فَإِن وجد لَهُ تطوع قَالَ: أكملوا الْفَرَائِض من التَّطَوُّع.

وَعَن كَعْب قَالَ: من أَقَامَ الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة وَسمع وأطاع فقد توَسط الْإِيمَان وَمن أحب لله وبغض لله وَأعْطى لله وَمنع لله فقد اسْتكْمل الْإِيمَان.

وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام لوفد عبد الْقَيْس: آمركُم بِأَرْبَع الْإِيمَان بِاللَّه هَل تَدْرُونَ مَا الْإِيمَان بِاللَّه؟ قَالُوا: الله وَرَسُوله أعلم، قَالَ: شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَأَن تعطوا من الْغَنَائِم الْخمس.

وَقَالَ ابْن عمر: ثَلَاث من كَانَ فِيهِ اثْنَتَانِ مِنْهَا وَلم يَأْتِ بالثالثة لم تقبل مِنْهُ: الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْغسْل من الْجَنَابَة.

وَقيل لِابْنِ عمر: إِنَّا نسير فِي هَذِه الْآفَاق فيلقانا قوم يَقُولُونَ: لَا قدر، فَقَالَ ابْن عمر: إِذا لقيتموهم فَأَخْبرُوهُمْ أَن عبد الله مِنْهُم بَرِيء، ثمَّ أنشأ يَقُول: بَينا نَحن عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فجَاء رجل فَقَالَ: أدنو؟ فَقَالَ: ادن، فَدَنَا مرَارًا حَتَّى كَادَت ركبتاه تمسان رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: مَا الْإِيمَان؟ وَذكر الحَدِيث، وَقَوله: هَذَا جِبْرِيل جَاءَكُم يعلمكم أَمر دينكُمْ، فَذكره.

وَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا: حب فِي الله، وَابْغض فِي الله، ووال فِي الله، وَعَاد فِي الله، فَإِنَّهُ لَا تنَال ولَايَة الله إِلَّا بذلك وَلَا يجد رجل طعم الْإِيمَان حَتَّى يكون كَذَلِك.

وَمن المرجئة صنف زَعَمُوا: أَن الْإِيمَان معرفَة بِالْقَلْبِ لَا فعل بِاللِّسَانِ وَلَا عمل بِالْبدنِ وَمن عرف الله بِقَلْبِه أَنه لَا شَيْء كمثله فَهُوَ مُؤمن وَإِن صلى نَحْو الْمشرق أَو الْمغرب وربط فِي وسطه زنارا، وَقَالُوا: لَو أَوجَبْنَا عَلَيْهِ الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ، أَوجَبْنَا عَلَيْهِ عمل الْبدن، حَتَّى قَالَ بَعضهم: الصَّلَاة من ضعف الْإِيمَان، من صلى فقد ضعف إيمَانه.

نقُول: كَيفَ تجوز لَهُ الصَّلَاة نَحْو الْمشرق وَقد قَالَ الله عز وَجل {فلنولينك قبْلَة ترضاها فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره وَإِن الَّذين أُوتُوا الْكتاب ليعلمون أَنه الْحق من رَبهم وَمَا الله بغافل عَمَّا يعْملُونَ} وَكَيف يجوز ربط الزنار فِي وَسطه وَقد قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: من تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم، وَكَيف تجوز الْمعرفَة بِالْقَلْبِ دون القَوْل وَالله عز وَجل يَقُول: {أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم} وَلَا تكون هَذِه الطَّاعَة إِلَّا بالْقَوْل وَالْعَمَل، وَقد قَالَ الْأَوْزَاعِيّ رَحمَه الله: أدْركْت النَّاس وهم يَقُولُونَ: الْإِيمَان قَول وَعمل، وَقد ذكرنَا هَذَا فِي آخر الْكتاب مُجَردا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

أَلا ترى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما صلى نَحْو بَيت الْمُقَدّس سَبْعَة عشر شهرا أَو سِتَّة عشر شهرا وَكَانَ يحب أَن يُوَجه إِلَى الْكَعْبَة فَأنْزل الله عز وَجل {قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء فلنولينك قبْلَة ترضاها فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره وَإِن الَّذين أُوتُوا الْكتاب ليعلمون أَنه الْحق من رَبهم وَمَا الله بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ} [النساء: ١٤٤].

وَقَالَ السُّفَهَاء من النَّاس: {مَا ولاهم عَن قبلتهم} وهم الْيَهُود فَأنْزل الله تبَارك وَتَعَالَى {قل لله الْمشرق وَالْمغْرب يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم} فصلى مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجل ثمَّ خرج بعد مَا صلى فَمر على قوم من الْأَنْصَار وهم فِي صَلَاة الْعَصْر نَحْو بَيت الْمُقَدّس فَقَالَ: هُوَ يشْهد أَنه صلى مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَحْو الْكَعْبَة فانحرف الْقَوْم حَتَّى توجهوا نَحْو الْكَعْبَة.

وَكتب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى أهل الْيمن: من صلى صَلَاتنَا واستقبل قبلتنا وأجاب دَعوتنَا، وأكل ذبيحتنا، فذلكم الْمُسلم لَهُ مَا للْمُسلمِ وَعَلِيهِ مَا على الْمُسلم.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَنه لابد من الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ بِالشَّهَادَةِ بِأَن لَا إِلَه إِلَّا الله وبالأنبياء عَلَيْهِم السَّلَام وَبِمَا جَاءَ من عِنْد الله ثمَّ ترك من الْعَمَل فَهُوَ مُؤمن لَا ينقصهُ التَّنْزِيل شَيْئا.

يُقَال لَهُم: كَيفَ لَا ينقصهُ التَّنْزِيل وَقد روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ بَابا أفضلهَا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَدْنَاهَا إمَاطَة الْأَذَى من الطَّرِيق وَالْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان.

وَسَأَلَ أَبُو ذَر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْإِيمَان فَقَرَأَ هَذِه الْآيَة {لَيْسَ الْبر أَن توَلّوا وُجُوهكُم قبل الْمشرق وَالْمغْرب وَلَكِن الْبر من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَالْمَلَائِكَة وَالْكتاب والنبين وَآتى المَال على حبه ذَوي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل والسائلين وَفِي الرّقاب وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة والموفون بعهدهم إِذا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الباساء وَالضَّرَّاء وَحين الْبَأْس أُولَئِكَ الَّذين صدقُوا وَأُولَئِكَ هم المتقون} [البقرة: ١٧٧].

وَعَن عَطاء بن يسَار فِي هَذِه الْآيَة {وَعمل صَالحا ثمَّ اهْتَدَى} يَعْنِي: ثمَّ أصَاب بقوله وَعَمله السّنة.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَنه لَا بُد من الْإِقْرَار بالتنزيل وَإِن جَحَدُوا من التَّأْوِيل مَا شَاءُوا، وَقَالُوا: نشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ قَالُوا: لَا نَدْرِي مُحَمَّد هُوَ الَّذِي بِمَكَّة وَالْمَدينَة أَو نَبِي بخراسان فَهُوَ مُؤمن، وَقَالُوا: نقر بِالْحَجِّ وَلَا ندري هُوَ الَّذِي بِمَكَّة أَو بَيت بخراسان فَهُوَ مُؤمن، وأقروا بالخنزير أَنه حرَام وَلَا ندري هُوَ هَذَا الْخِنْزِير أَو الْحمار فَهُوَ مُؤمن، فَقيل لبَعْضهِم: إِن إِبْلِيس قد أقرّ بِلِسَانِهِ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك هذيانا لم يعرف مَا أقرّ بِهِ.

نقُول لَهُ نَحن: كَيفَ يجوز لَهُ الْجُحُود وَقد روى: من جحد مِنْهُ آيَة فقد كفر بِهِ أجمع، وَكَيف يكون مُؤمنا إِذا قَالَ: لَا أدري أَي مُحَمَّد رَسُول الله، وَقد قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:
(أَنا النَّبِي لَا كذب ... أَنا ابْن عبد الْمطلب).
وَقد عرف أهل الْمعرفَة بِاللَّه أَنه مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب فَمن شكّ فِي ذَلِك فقد خرج من الْإِسْلَام وَلَيْسَ بِمُؤْمِن وَمن لم يشْهد أَنه مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب بَعثه الله إِلَى النَّاس كَافَّة وَأوحى إِلَيْهِ بِمَكَّة ثمَّ هَاجر إِلَى الْمَدِينَة وَلم يزل يَأْتِيهِ الْوَحْي حَتَّى قَبضه الله إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالله عز وَجل يَقُول: {هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَكفى بِاللَّه شَهِيدا مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم} قَاتلهم الله، أَي نَبِي بعث بخراسان؟

وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يسمع بِي أحد من هَذِه الْأُمَم يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ فَمَاتَ وَلم يُؤمن بِالَّذِي أرْسلت بِهِ إِلَّا كَانَ من أَصْحَاب النَّار.

وَعَن سعد بن زُرَارَة أَنه أَخذ بيد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس هَل تَدْرُونَ علام تُبَايِعُونَ مُحَمَّدًا؟ تبايعونه على أَن تَحَارَبُوا الْعَرَب والعجم وَالْجِنّ وَالْإِنْس، فَقَالُوا: نَحن حَرْب لمن حَارب وَسلم لمن سَالم، فَقَالَ لَهُ سعد: يَا رَسُول الله اشْترط، فَقَالَ: تُبَايِعُونِي على أن تشهدوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله وتقيموا الصَّلَاة وتؤتوا الزَّكَاة والسمع وَالطَّاعَة وَلَا تنازعون الْأَمر أَهله وَأَن تَمْنَعُونِي مِمَّا تمْنَعُونَ مِنْهُ نفوسكم وأهليكم، قَالُوا: نعم، فَقَالَ قَائِل من الْأَنْصَار: هَذَا لَك فَمَا لنا؟ قَالَ: النَّصْر وَالْجنَّة.

قوله ﷺ للحارث بن مالك: ما أنت يا حارث؟
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِلْحَارِثِ بن مَالك: مَا أَنْت يَا حَارِث؟ قَالَ: مُؤمن يَا رَسُول الله حَقًا، قَالَ: إِن لكل قَول حَقِيقَة فَمَا حَقِيقَة إيمانك؟ قَالَ: عزفت نَفسِي عَن الدُّنْيَا فأسهرت ليلي واظمأت نهاري ولكأني أنظر إِلَى عرش رَبِّي قد أبرز حِين يجاء بِهِ لِلْحسابِ وَكَأَنِّي أنظر إِلَى أهل الْجنَّة يتزاورون فِيهَا وَكَأَنِّي أسمع عواء أهل النَّار، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مُؤمن نور الله قلبه، وَذكر زيد الْأنْصَارِيّ عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثله أَو نَحوه، وَقَالَ فُضَيْل بن غَزوَان: أغير على سرح الْمَدِينَة فَخرج الْحَارِث بن مَالك فَقتل مِنْهُم ثَمَانِيَة ثمَّ قتل وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كَيفَ أَصبَحت؟

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَن إِيمَانهم كَإِيمَانِ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وَالْمَلَائِكَة المقربين والأنبياء.

قُلْنَا نَحن: كَيفَ يُمكنهُم هَذِه الدَّعْوَى وَالْمَلَائِكَة لم يعصوا الله والأنبياء صفوة الله؟

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَنهم مُؤمنُونَ مستكملون للْإيمَان لَيْسَ فِي إِيمَانهم نقص وَلَا لبس إِن زنى أحدهم بِأُمِّهِ أَو بأخته وارتكب العظائم وأتى الْكَبَائِر وَالْفَوَاحِش وَشرب الْخمر وَقتل النَّفس وَأكل الْحَرَام والربا وَترك الصَّلَاة وَالزَّكَاة والفرائض كلهَا واغتاب وهمز ولمز وتحدث، وَهَذَا هُوَ الْجَهْل القوي، كَيفَ يستكمل الْإِيمَان من خَالف شُرُوطه وخصاله وشرائعه؟ أَلا ترى أَن فِي كتاب الله إِيمَانًا مَقْبُولًا وإيمانا مردودا؟ فَمن أدّعى حَقِيقَته فقد ادّعى علم مَا لم يعلم، فَكيف بِمن خَالفه أجمع، وَأَبُو هُرَيْرَة وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا يزني الزَّانِي حِين يزني وَهُوَ مُؤمن، وَلَا يسرق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن، وَلَا يقتل حِين يقتل وَهُوَ مُؤمن، وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: إِنَّمَا الْإِيمَان بزَّة فَمن زنى فَارق الْإِيمَان فَإِن لَام نَفسه ورجع رَاجعه الْإِيمَان، وَقَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا: أَيّمَا عبد زنى نزع الله مِنْهُ الْإِيمَان فَإِن شَاءَ رده عَلَيْهِ وَإِن شَاءَ مَنعه مِنْهُ.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَنهم مُؤمنُونَ حَقًا كحقيقة أهل الْجنَّة الَّذين وصف الله تحقيقهم {أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا} وَمن زعم أَنه فِي الْجنَّة فَهُوَ فِي النَّار وَمن زعم أَنه عَالم فَهُوَ جَاهِل وَمن زعم أَنه صَادِق - يَعْنِي فِي إيمَانه - فَهُوَ كَاذِب.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَن إِيمَانهم قَائِم أبدا لَا يزِيد وَإِن عمل الْحَسَنَات الْعِظَام وورع فِي الدّين وَترك الْحَرَام وَحج الْبَيْت دَائِما وَصلى أبدا أَو صَامَ وَلَا ينقص وَإِن عمل السَّيِّئَات والكبائر وَالْفَوَاحِش وَركب الْحَرَام جاهرا أَو ترك الصَّلَاة وَلم يصم وَلم يحجّ أبدا.

قَالَ أهل الْعلم أجمع: هَؤُلَاءِ مخالفون لِلْقُرْآنِ يَقُول الله عز وَجل: {ليزدادوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانهم} وَقَالَ: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بالْقَوْل كجهر بَعْضكُم لبَعض أَن تحبط أَعمالكُم وَأَنْتُم لَا تشعرون}.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَن الْإِيمَان يزِيد بِزِيَادَة الْأَعْمَال دَائِما لَا مُنْتَهى لَهُ وَلَا غَايَة وَلَا ينقص بِعَمَل من أَعمال الْمُجْرمين وَلَا بترك الْفَرَائِض وركوب مَا يركب الظَّالِمُونَ.

وَقد قَالَ ابْن عَبَّاس: الْإِيمَان يزِيد وَينْقص، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: الْإِيمَان يَبْدُو لمْعَة بَيْضَاء فِي الْقلب كلما ازْدَادَ الْإِيمَان ازْدَادَ ذَلِك الْبيَاض حَتَّى إِذا اسْتكْمل الْإِيمَان ابيض الْقلب كُله وَإِن النِّفَاق يَبْدُو لمْعَة سَوْدَاء فِي الْقلب فَكلما ازْدَادَ النِّفَاق ازْدَادَ ذَلِك السوَاد فَإِذا اسْتكْمل النِّفَاق اسود الْقلب كُله وأيم الله لَو شققتم عَن قلب مُؤمن لوجدتموه أَبيض ولوشققتم عَن قلب مُنَافِق لوجدتموه أسود.

وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: بَيْنَمَا الْمَسِيح عَلَيْهِ السَّلَام فِي رَهْط من الحواريين إِذا بنهر جَار وحمأة مُنْتِنَة أقبل طَائِر حسن اللَّوْن يَتلون كَأَنَّمَا هُوَ الذَّهَب فَوَقع قَرِيبا مِنْهُ فانتفض فسلخ عَنهُ مسكه فبقى أحيمش فَانْطَلق إِلَى حمأة مُنْتِنَة فتمعك فِيهَا فازداد بمسحها قبحا إِلَى قبحه ونتنا إِلَى نَتنه ثمَّ انْطلق إِلَى نهر عجاج صَاف فاغتسل فِيهِ حَتَّى رَجَعَ مَكَانَهُ كَأَنَّهُ بَيْضَة مقشورة ثمَّ انْطلق يدب إِلَى مسكه فتتدرعه كَمَا كَانَ أول مرّة، فَكَذَلِك عَامل الْخَطِيئَة حَتَّى يخرج من ذَنبه وَيكون فِي الْخَطَايَا فَكَذَا التَّوْبَة كَمثل اغتساله فِي النَّهر العجاج ثمَّ يرجع دينه حَتَّى يتدرع مسكا وَتلك الْأَمْثَال.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَن لَيْسَ فِي هَذِه الْأمة نفاق، وَسُئِلَ حُذَيْفَة عَن النِّفَاق فَقَالَ: أَن تَتَكَلَّم بِاللِّسَانِ وَلَا تعْمل بِهِ.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام اسْم وَاحِد لَيْسَ للْإيمَان على الْإِسْلَام فَضِيلَة فِي الدرجَة، وَهَذَا سعد بن أبي وَقاص يَقُول: إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعْطى رجَالًا وَلم يُعْط رجلا مِنْهُم شَيْئا فَقلت: يَا رَسُول الله أَعْطَيْت فلَانا وَلم تعط فلَانا وَهُوَ مُؤمن، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: أَو مُسلم - قَالَهَا ثَلَاثًا، قَالَ الزهري: فنرى الْإِيمَان الْكَلِمَة وَالْإِسْلَام الْعَمَل، فَهَذَا إِجْمَاع كَلَام المرجئة.
ئەثەری دواتر ئەثەری پێشووتر