سيرة الإمام أحمد بن حنبل لابنه صالح

باب في ذكر المتقدم للصلاة عليه

بَاب فِي ذكر الْمُتَقَدّم للصَّلَاة عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو الْفضل: لما توفّي أبي وَجه إِلَيّ ابْن طَاهِر: من يُصَلِّي عَلَيْهِ؟ قلت: أَنا، فَلَمَّا صرنا إِلَى الصَّحرَاء إِذا ابْن طَاهِر وَاقِف فخطا إِلَيْنَا خطوَات، وعزانا، وَوضع السرير، فَلَمَّا انتظرت هنيهة، تقدّمت وَجعلت أسوي النَّاس، فَجَاءَنِي ابْن طالوت وَمُحَمّد بن نصر فَقبض هَذَا على يَدي، وَهَذَا على يَدي، وَقَالُوا: الْأَمِير، فما نعتهم فنحياني فصلى، وَلم يعلم النَّاس بذلك، فَلَمَّا كَانَ الْغَد علم النَّاس، فَجعلُوا يجيئون، وَيصلونَ عَلَيْهِ على الْقَبْر، وَمكث النَّاس مَا شَاءَ الله يأْتونَ، فيصلون على الْقَبْر.

باب في ذكر غسله وكفنه

بَاب فِي ذكر غسله وكفنه
قَالَ أَبُو الْفضل: لما توفّي أبي، وَاجْتمعَ النَّاس فِي الشوارع، وجهت إِلَيْهِم أعلمهم بوفاته، وَإِنِّي أخرجه بعد الْعَصْر، وَوجه ابْن طَاهِر بحاجبه مظفر، وَمَعَهُ غلامان، مَعَهُما مناديل فِيهَا ثِيَاب وَطيب، فَقَالُوا: الْأَمِير يُقْرِئك السَّلَام، وَيَقُول: قد فعلت مَا لَو كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ حاضره، كَانَ يفعل ذَلِك لَهُ، فَقلت لَهُ: أقرأه السَّلَام، وَقل لَهُ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أَعْفَاهُ فِي حَيَاته مِمَّا كَانَ يكره، وَلَا أحب أَن أتبعه بعد مَوته بِمَا كَانَ يكرههُ فِي حَيَاته، فَعَاد وَقَالَ: يكون شعاره وَلَا يكون دثاره، فَأَعَدْت عَلَيْهِ مثل ذَلِك.

وَقد كَانَ غزلت لَهُ جَارِيَة ثوبا عشاريا قوم: ثَمَانِيَة وَعشْرين درهما، ليقطع مِنْهُ قميصين، فقطعنا لَهُ لفافتين، وأخذنا من فوران لفافة أُخْرَى، فأدرجناه فِي ثَلَاث لفائف، واشترينا حنوطا.

وَقد كَانَ بعض أَصْحَابنَا من العطارين سَأَلَني أَن يُوَجه بحنوط فَلم أفعل، وصب فِي حب لنا مَاء، فَقلت: قُولُوا لأبي مُحَمَّد يَشْتَرِي رِوَايَة وَيصب المَاء فِي الْحبّ الَّذِي كَانَ يشرب مِنْهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يكره أَن يدْخل من مَنَازلنَا إِلَيْهِ بِشَيْء، وَفرغ من غسله وكفناه، وَحضر نَحْو من مائَة من بني هَاشم، وَنحن نكفنه، وَجعلُوا يقبلُونَ جَبهته حِين رفعناه على السرير.

باب في ذكر مرضه

بَاب فِي ذكر مَرضه
قَالَ أَبُو الْفضل: وَكَانَ أبي قد أدمن الصَّوْم لما قدم، وَجعل لَا يَأْكُل الدسم، وَكَانَ قبل ذَلِك يَشْتَرِي لَهُ شَحم بدرهم فيأكل مِنْهُ شهرا، فَترك أكل الشَّحْم، وأدام الصَّوْم وَالْعَمَل، وتوهمت أَنه قد كَانَ جعل على نَفسه ذَلِك وإِن سلم.

وَكَانَ قد حمل أبي إِلَى المتَوَكل سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، ثمَّ مكث إِلَى سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين، وَكَانَ قل يَوْم يمْضِي إِلَّا وَرَسُول المتَوَكل يَأْتِيهِ فَلَمَّا كَانَ فِي أول يَوْم من شهر ربيع الأول سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ حم أبي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء فَدخلت عَلَيْهِ يَوْم الْأَرْبَعَاء، وَهُوَ مَحْمُوم يتنفس تنفسا شَدِيدا، وَكنت قد عرفت علته، وَكنت أمرضه إِذا اعتل.

فَقلت لَهُ: يَا أبه، على مَا أفطرت البارحة؟

قَالَ: على مَاء باقلاء.

ثمَّ أَرَادَ الْقيام، فَقَالَ: خُذ بيَدي، فَأخذت بِيَدِهِ فَلَمَّا صَار إِلَى الْخَلَاء ضعفت رِجْلَاهُ حَتَّى توكأ عَليّ، وَكَانَ يخْتَلف إِلَيْهِ غير متطبب، كلهم مُسلمُونَ فوصف لَهُ متطبب يُقَال لَهُ عبد الرَّحْمَن: قرعَة تشوى، ويسقى ماءها، وَهَذَا يَوْم الثُّلَاثَاء، وَتُوفِّي يَوْم الْجُمُعَة.

فَقَالَ: يَا صَالح، قلت: لبيْك.

قَالَ: لَا تشوي فِي مَنْزِلك وَلَا فِي منزل عبد الله أَخِيك.

وَصَارَ الْفَتْح بن سهل إِلَى الْبَاب ليعوده فَحَجَبَتْهُ، وأتى عَلي بن الْجَعْد فَحَجَبَتْهُ، وَكثر النَّاس فَقلت: يَا أبه، قد كثر النَّاس.

قَالَ: فَأَي شَيْء ترى؟

قلت: تَأذن لَهُم فَيدعونَ لَك.

قَالَ: استخر الله

فَجعلُوا يدْخلُونَ عَلَيْهِ أَفْوَاجًا، حَتَّى تمتليء الدَّار، فيسألونه، وَيدعونَ لَهُ، ثمَّ يخرجُون وَيدخل فَوْج آخر، وَكثر النَّاس وامتلأ الشَّارِع، وأغلقنا بَاب الزقاق، وَجَاء رجل من جيراننا قد خضب، فَدخل عَلَيْهِ، فَقَالَ أبي: إِني لأرى الرجل يحيى شَيْئا من السّنة فَأَفْرَح به، فَدخل فَجعل يَدْعُو لَهُ: فَجعل يَقُول لَهُ: وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين.

وَجَاء رجل، فَقَالَ: تلطف لي بالإذن عَلَيْهِ، فَإِنِّي قد حضرت ضربه يَوْم الدَّار، وَأُرِيد أَن أستحله.

فَقلت لَهُ: فَأمْسك، فَلم أزل يه حَتَّى قَالَ: أدخلهُ، فأدخلته، فَقَامَ بَين يَدَيْهِ وَجعل يبكي، وَقَالَ: يَا أَبَا عبد الله أَنا كنت مِمَّن حضر ضربك يَوْم الدَّار، وَقد أَتَيْتُك فَإِن أَحْبَبْت الْقصاص فَأَنا بَين يَديك، وَإِن رَأَيْت أَن تحلني فعلت، فَقَالَ: على أَن لَا تعود لمثل ذَلِك؟

قَالَ: نعم.

قَالَ: إِنِّي جعلتك فِي حل، فَخرج يبكي، وَبكى من حضر من النَّاس.

وَكَانَ لَهُ فِي خريقة قطيعات، فَإِذا أَرَادَ الشَّيْء أعطينا من يشتري لَهُ، فَقَالَ لَهُ يَوْم الثُّلَاثَاء وَأَنا عِنْده: أنظر، فِي خريقتي شَيْء، فَنَظَرت فَإِذا فِيهَا دِرْهَم، فَقَالَ: وَجه فاقتضي بعض السكان، فوجهت فَأعْطيت شَيْئا، فَقَالَ: وَجه فاشتر تَمرا، وَكفر عني كَفَّارَة يَمِين، فوجهت فاشتريت، وكفرت عَنهُ كَفَّارَة يَمِين، وَبَقِي ثَلَاثَة دَرَاهِم أَو نَحْو ذَلِك فَأَخْبَرته، فَقَالَ: الْحَمد لله.

وَقَالَ: اقْرَأ عليَّ الْوَصِيَّة: فقرأتها عَلَيْهِ، فأقرها.

وَقَالَ أَبُو الْفضل: لم يزل أبي يُصَلِّي فِي مَرضه قَائِما، أمْسكهُ فيركع وَيسْجد، وأرفعه فِي رُكُوعه وَسُجُوده، وَدخل عَلَيْهِ مُجَاهِد بن مُوسَى، فَقَالَ: يَا أبا عبد الله، قد جاءتك الْبُشْرَى، هَذَا الْخلق يشْهدُونَ لَك، مَا تبالي لَو وَردت على الله عز وَجل السَّاعَة، وَجعل يقبل يَده ويبكي، وَجعل يَقُول: أوصني يَا أَبَا عبد الله، فَأَشَارَ إِلَى لِسَانه.

وَدخل سوار القَاضِي، فَجعل يبشره، ويخبره بالرخص، وَذكر لَهُ عَن مُعْتَمر أَنه قَالَ، قَالَ أبي عِنْد مَوته حَدثنِي بالرخص.

وَاجْتمعت عَلَيْهِ أوجاع الْحصْر، وَغير ذَلِك، وَلم يزل عقله ثَابتا، وَهُوَ فِي خلال ذَلِك يَقُول: كم الْيَوْم فِي الشَّهْر؟ فَأخْبرهُ. وَكنت أَنَام بِاللَّيْلِ إِلَى جنبه، فَإِذا أَرَادَ حَاجَة حركني فأناوله، وَقَالَ لي: جئني بِالْكتاب الَّذِي فِيهِ حَدِيث ابْن إِدْرِيس عَن لَيْث عَن طَاوُوس أَنه كَانَ يكره الأنين، فَقَرَأته عَلَيْهِ فَلم يَئِن إِلَّا فِي اللَّيْلَة الَّتِي توفّي فِيهَا.

ذكر ما جرى بين أبي وابن طاهر من طلب استزارته وامتناعه عليه

ذكر مَا جرى بَين أبي وابن طَاهِر من طلب استزارته وامتناعه عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو الْفضل: وَقد كَانَ وَجه مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر إِلَى أبي فِي وَقت قدومه بالعسكر: أحب أَن تصير إِلَيّ، وتعلمني الَّذِي تعزم عَلَيْهِ حَتَّى لَا يكون عِنْدِي أحد.

فَوجه إِلَيْهِ: أَنا رجل لم أخالط السُّلْطَان، وَقد أعفاني أَمِير الْمُؤمنِينَ مِمَّا أكره، وَهَذَا مِمَّا أكره، فجهد أَن يصير إِلَيْهِ فَأبى.

باب ذكرى ما جرى بين أبي ورسول المتوكل [بعد عودته من المعسكر]

بَاب ذكرى مَا جرى بَين أبي وَرَسُول المتَوَكل [بعد عودته من المعسكر]
قَالَ أَبُو الْفضل: وَقدم المتَوَكل فَنزل الشماسية يُرِيد الْمَدَائِن، فَقَالَ لي أبي: يَا صَالح أحب أَن لَا تذْهب الْيَوْم وَلَا تنبه عليَّ، فَلما كَانَ بعد يَوْم، وَأَنا قَاعد خَارِجا، وَكَانَ يَوْما مطيرا، إِذا يحيى بن خاقَان قد جاء والمطر عَلَيْهِ فِي موكب عَظِيم، فَقَالَ: سبحان الله لم تصل إِلَيْنَا حَتَّى نبلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ السَّلَام على شيخك، حَتَّى وَجه بِهِ، ثمَّ نزل خَارج الزقاق، فجهدت بِهِ أَن يدْخل على الدَّابَّة فَلم يفعل، فَجعل يَخُوض فِي الْمَطَر، فَلَمَّا صَار إِلَى الْبَاب نزع جرموقه، وَكَانَ على خفه، وَدخل وَأبي فِي الزاوية قَاعد عَلَيْهِ كسَاء مربع وعمامة، والستر الَّذِي على الْبَاب قِطْعَة خيش، فَسلم عَلَيْهِ، وَقبل جَبهته، وَسَأَلَهُ عَن حَاله، وَقَالَ: أَمِير الْمُؤمنِينَ يُقْرِئك السَّلَام، وَيَقُول: كَيفَ أَنْت فِي نَفسك، وَكَيف حالك؟ وَقد أنست بقربك، ويسألك أَن تَدْعُو لَهُ، فَقَالَ: مَا يَأْتِي عَليّ يَوْم إِلَّا وَأَنا أَدْعُو الله لَهُ.

ثمَّ قَالَ: قد وَجه معي ألف دِينَار تفرقها على أهل الْحَاجة.

فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا، أَنا فِي الْبَيْت مُنْقَطع عَن النَّاس، وَقد أعفاني من كل مَا أكرهه.

فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الله الْخُلَفَاء لَا يحْتَملُونَ هَذَا.

فَقَالَ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا، تلطف في ذلك.

فَدَعَا لَهُ، ثمَّ قَامَ، فَلَمَّا صَار إِلَى الدَّار رَجَعَ، وَقَالَ: أهكذا كنت لَو وَجه إِلَيْك بعض إخوانك تفعل؟

قَالَ: نعم، فَلَمَّا صرنا إِلَى الدهليز قَالَ: أَمرنِي أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن أدفعها إِلَيْك تفرقها.

فَقلت: تكون عنْدك إِلَى أَن تمْضِي هَذِه الْأَيَّام.

باب ذكر ما ورد من سؤال أمير المؤمنين المتوكل لأبي عبد الله في أمر القرآن

بَاب ذكر مَا ورد من سُؤال أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل لأبي عبد الله فِي أَمر الْقُرْآن
قَالَ أَبُو الْفضل: كتب عبيد الله بن يحيى إِلَى أبي يُخبرهُ: أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمرنِي أَن أكْتُبْ إِلَيْك كتابا أَسأَلك من أَمر الْقُرْآن لَا مَسْأَلَة امتحان وَلَكِن مَسْأَلَة معرفَة وبصيرة. فأملى عَليَّ أبي - رَحمَه الله - إِلَى عبيد الله بن يحيى - وحدي مَا مَعناه أحد -
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
أحسن الله عاقبتك أَبَا الْحسن فِي الْأُمُور كلهَا، وَدفع عَنْك مكاره الدُّنْيَا برحمته.

قد كتبت إِلَيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْك بِالَّذِي سَأَلَ عَنهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ بِأَمْر الْقُرْآن بِمَا حضرني، وَإِنِّي أسأَل الله أَن يديم توفيق أَمِير الْمُؤمنِينَ، قد كَانَ النَّاس فِي خوض من الْبَاطِل وَاخْتِلَاف شَدِيد يغتمسون فِيهِ، حَتَّى أفضت الْخلَافَة إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ، فنفى الله بأمير الْمُؤمنِينَ كل بِدعَة وانجلى عَن النَّاس مَا كَانُوا فِيهِ من الذل وضيق الْمجَالِس، فصرف الله ذَلِك كُله، وَذهب بِهِ بأمير الْمُؤمنِينَ، وَوَقع ذَلِك من الْمُسلمين موقعا عَظِيما، ودعوا الله لأمير الْمُؤمنِينَ، وأسأل الله أَن يستجيب فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ صَالح الدُّعَاء، وَأَن يتم ذَلِك لأمير الْمُؤمنِينَ، وَأَن يزِيد فِي بَيته ويعينه على مَا هُوَ عَلَيْهِ.

فقد ذكر عَن عبد الله بن عَبَّاس أَنه قَالَ: لَا تضربوا كتاب الله بعضه بِبَعْض، فإن ذَلِك يُوقع الشَّك فِي قُلُوبكُمْ.

وَذكر عَن عبد الله بن عمرو، أَن فُقَرَاء كَانوا جُلُوسًا بِبَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ بَعضهم: ألم يقل الله كَذَا؟ وَقَالَ بَعضهم: ألم يقل الله كَذَا؟

قَالَ فَسمع ذَلِك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَخرج كَأَنَّمَا فقئ فِي وَجهه حب الرُّمَّان فَقَالَ: أَبِهَذَا أمرْتُم أَن تضربوا كتاب الله بعضه بِبَعْض؟ إِنَّمَا ضلت الْأُمَم قبلكُمْ فِي مثل هَذَا، إنكم لَسْتُم مِمَّا هُنَا فِي شَيْء، انْظُرُوا الَّذِي أمرْتُم بِهِ فاعملوا بِهِ، وانظروا الَّذِي نهيتم عَنهُ فَانْتَهوا عَنهُ.

وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: مراء فِي الْقُرْآن كفر. وروى عَن أبي جهم - رجل من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا تماروا فِي الْقُرْآن، فإن مراء فِيهِ كفر.

وَقَالَ عبد الله بن الْعَبَّاس قدم على عمر بن الْخطاب رجل، فَجعل عمر يسْأَل عَن النَّاس، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد قَرَأَ الْقُرْآن مِنْهُم كَذَا وَكَذَا.

فَقَالَ ابْن عَبَّاس، فَقلت: وَالله مَا أحب أَن يتسارعوا يومهم هَذَا فِي الْقُرْآن هَذِه المسارعة، فَقَالَ: فنهرني عمر، وَقَالَ: مَه.

فَانْطَلَقت إِلَى منزلي مكتئبا حَزينًا، فَبَيْنَمَا أَنا كَذَلِك، إِذْ أَتَانِي رجل فَقَالَ: أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَخرجت، فَإِذا هُوَ بِالْبَابِ ينتظرني، فَأخذ بيَدي، فَخَلا بِي، وَقَالَ: مَا الَّذِي كرهت مِمَّا قَالَ الرجل آنِفا؟

فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَتى مَا يتسارعوا هَذِه المسارعة، يَخْتَلِفُوا وَمَتى مَا يَخْتَلِفُوا يختصموا، وَمَتى مَا يختصموا يَخْتَلِفُوا، وَمَتى مَا يخْتلفُوا يقتتلوا.

قَالَ: لله أَبوك، وَالله إِن كنت لأكتمها النَّاس حَتَّى جِئْت بهَا.

وروي عن جابر بن عبد الله، قال: كان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف، فيقول: هَلْ منْ رَجُل يَحْملُني إلى قَومه، فإنَّ قُرَيْشاً قَد مَنَعُوني أنْ أبَلِّغْ كَلامَ رَبِّي.

وروي عَن جُبَير بن نفير، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنكُمْ لن ترجعوا بِشَيْء أفضل مِمَّا خرج مِنْهُ، (يعْني: الْقُرْآنِ).

وروي عَن عبد الله بن مَسْعُود، أَنه قَالَ: جردوا الْقُرْآن، لَا تكْتبُوا فِيهِ شَيْئا إِلَّا كَلَام الله عز وَجل.

وروي: عَن عمر بن الْخطاب أَنه قَالَ: هَذَا الْقُرْآن كَلَام الله، فضعوه مَوْاضِعه.

وَقَالَ رجل لِلْحسنِ الْبَصْرِيّ: يَا أَبَا سعيد، إِني إِذا قَرَأت كتاب الله، وتدبرته، كدت أَن آيس، وَيَنْقَطِع رجائي.

قَالَ فَقَالَ الْحسن: أَن الْقُرْآن كَلَام الله، وأعمال ابْن آدم إِلَى الضعْف وَالتَّقْصِير، فاعمل وأبشر.

وَقَالَ فَرْوَة بن نَوْفَل الْأَشْجَعِيّ كنت جَار لخَبَّاب وَهُوَ من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَخرجت مَعَه يَوْمًا من الْمَسْجِد، وَهُوَ آخذ بيَدي فَقَالَ: يَا هَذَا، تقرب لله بِمَا اسْتَطَعْت، فَإنَّك لن تتقرب إِلَيْهِ بِشَيْء أحب إِلَيْهِ من كَلَامه.

وَقَالَ رجل للْحكم بْن عتبَة: مَا حمل أهل الْأَهْوَاء على هَذَا؟ قَالَ: الْخُصُومَات.

وَقَالَ مُعَاوِيَة بن قُرَّة - وَكَانَ أَبوهُ مِمَّن أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - إيَّاكُمْ وَهَذِه الْخُصُومَات، فَإِنَّهَا تحبط الْأَعْمَال.

وَقَالَ أَبُو قلَابَة - وَكَانَ قد أدْرك غير وَاحِد من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تجالسوا أَصْحَاب الْأَهْوَاء - أَو قَالَ أَصْحَاب الْخُصُومَات - فَإِنِّي لَا آمن أَن يغمسوكم فِي ضلالتهم، ويلبسوا عَلَيْكُم بعض مَا تعرفُون.

وَدخل رجلَانِ من أَصْحَاب الْأَهْوَاء على مُحَمَّد بن سِيرِين، فَقَالَا: يَا أبا بكر نحدثك بِحَدِيث؟ فَقَالَ: لَا، قَالَا: فنقرأ عَلَيْك آيَة من كتاب الله؟
قَالَ: لَا، لتقومان عني، أَو لَأقوم عنكما.

قَالَ: فَقَالَ الرّجلَانِ فَخَرَجَا، فَقَالَ: بعض الْقَوْم: يَا أَبَا بكر، وَمَا عَلَيْك أَن يقرأ عَلَيْك آيَة من كتاب الله تَعَالَى؟ فَقَالَ لَهُ ابْن سِيرِين: إِنِّي خشيت أَن يقْرَأ عَليّ آيَة فيحرفانها، فَيقر ذَلِك فِي قلبِي.

وَقَالَ مُحَمَّد: لَو أعلم أَنِّي أكون مبتلي السَّاعَة لتركتها، وَقَالَ رجل من أهل الْبدع لأيوب السختياني: يَا أَبَا بكر أَسأَلك عَن كلمة؟

فولى، وَهُوَ يَقُول بِيَدِهِ: وَلَا نصف كلمة.

وَقَالَ ابْن طَاوس لِابْنِ لَهُ يكلمه رجل من أهل الْبدع: يَا بني أدخل إصبعيك فِي أذنيك، لَا تسمع مَا يَقُول، ثمَّ قَالَ: اشدد.

وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز: من جعل دينه غَرضا للخصومات، أَكثر التنقل.

وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: إِن الْقَوْم لم يدْخر عَنْهُم شَيْء خبئ لكم لفضل عنْدكُمْ.

وَكَانَ الْحسن رَحمَه الله يَقُول: شَرّ دَاء خالط قلبا، يَعْنِي: الْأَهْوَاء.

وَقَالَ حُذَيْفَة بن الْيَمَان - وَكَانَ من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - اتَّقوا الله معشر الْقُرَّاء، وخذوا طَرِيق من كَانَ قبلكُمْ، وَالله لَئِن اسْتَقَمْتُمْ، لقد سبقتم بَعيداً، ولئن تَرَكْتُمُوهُ يَمِينا وَشمَالًا، لقد ضللتم ضلالاً بَعيداً، أَو قَالَ: مُبينًا.

قَالَ أبي رَحمَه الله: وَإِنَّمَا تركت ذكر الْأَسَانِيد لما تقدم من الْيَمين الَّتِي حَلَفت بهَا مِمَّا قد علمه أَمِير الْمُؤْمِنُونَ، لَوْلَا ذَلِك لذكرتها بأسانيدها.

وَقد قَالَ الله تَعَالَى {وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله}.

وَقَالَ {أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر} فَأخْبر بالخلق، ثمَّ قَالَ، وَالْأَمر: فَأخْبر أَن الْأَمر غير مَخْلُوق.

وَقَالَ عز وَجل {الرَّحْمَن، علم الْقُرْآن، خلق الْإِنْسَان، علمه الْبَيَان}.

فَأخْبر تَعَالَى أَن الْقُرْآن من علمه.

وَقَالَ تَعَالَى {وَلنْ ترْضى عَنْك الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تتبع ملتهم قل إِن هدى الله هُوَ الْهدى، وَلَئِن اتبعت أهواءهم بعد الَّذِي جَاءَك من الْعلم مَا لَك من الله من ولي وَلَا نصير}.

وَقَالَ {وَلَئِن أتيت الَّذين أُوتُوا الْكتاب بِكُل آيَة مَا تبعوا قبلتك وَمَا أَنْت بتابع قبلتهم، وَمَا بَعضهم بتابع قبْلَة بعض، وَلَئِن اتبعت أهواءهم من بعد مَا جَاءَك من الْعلم إِنَّك إِذا لمن الظَّالِمين}.

وَقَالَ تَعَالَى {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حكما عَرَبيا، وَلَئِن اتبعت أهواءهم بعد مَا جَاءَك من الْعلم مَا لَك من الله من ولي وَلَا واق}.

فالقرآن من علم الله تَعَالَى، وَفِي هَذِه الْآيَات دَلِيل على أَن الَّذِي جَاءَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ الْقُرْآن لقَوْله: {وَلَئِن اتبعت أهواءهم بعد الَّذِي جَاءَك من الْعلم}.

وَقد روي عَن غير وَاحِد مِمَّن مضى مِمَّن سلفنا أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: الْقُرْآن كَلَام الله لَيْسَ بمخلوق، وَهُوَ الَّذِي أذهب إِلَيْهِ، لست بِصَاحِب كَلَام، وَلَا أدري الْكَلَام فِي شَيْء من هَذَا إِلَّا مَا كَانَ فِي كتاب الله، أَو حَدِيث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو عَن أَصْحَابه، أَو عَن التَّابِعين رَحِمهم الله، فَأَما غير ذَلِك فَإِن الْكَلَام فِيهِ غير مَحْمُود.

باب ذكر ما جرى بين أبي وبيني وعبد الله وعمه حين قبلنا صلة السلطان

بَاب ذكر مَا جرى بَين أبي وبيني وَعبد الله وَعَمه حِين قبلنَا صلَة السُّلْطَان
فَقدم علينا فِيمَا بَين الظّهْر وَالْعصر، فَلَمَّا انحدر إِلَى بَغْدَاد وَمكث قَلِيلا، قَالَ لي: يَا صَالح، قلت: لبيْك، قَالَ: أحب أَن تدع هَذَا الرزق فَلَا تَأْخُذهُ، وَلَا توكل فِيهِ أحدا، فقد علمت أَنكُمْ إِنَّمَا تأخذونه بسببي، فَسكت.
فَقَالَ: مَالك؟ فَقلت: أكره أَن أُعْطِيك شَيْئا بلساني، وأخالف إلى غَيره، فأكون قد كذبتك ونافقتك، وَلَيْسَ فِي الْقَوْم أكثر عيالا مني، وَلَا أعذر، وَقد كنت أَشْكُو إِلَيْك، فَتَقول: أَمرك مُنْعَقد بأَمْري، وَلَعَلَّ الله أَن يحل عني هَذِه الْعقْدَة، ثمَّ قلت لَهُ: وَقد كنت تَدْعُو لي، فأرجو أَن يكون الله قد اسْتَجَابَ لَك.
قَالَ: وَلَا تفعل، قلت: لَا.
قَالَ: قُم، فعل الله بك وَفعل، فَأمر بسد الْبَاب بيني وَبَينه.
فتلقاني عبد الله فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرته، فَقَالَ: مَا أَقُول؟
قلت: ذَاك إِلَيْك، فَقَالَ لَهُ مثل مَا قَالَ لي، فَقَالَ: لَا أفْعَل.
فَكَانَ مِنْهُ إِلَيْهِ نَحْو مَا كَانَ مِنْهُ إِلَيّ، فلقينا عَمه فَقَالَ: لَو أردتم أَن تَقولُوا لَهُ وَمَا علمه إِذا أَخَذْتُم شَيْئا؟

فَدخل عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الله، لست آخذ شَيْئا من هَذَا.
فَقَالَ: الْحَمد لله، وهجرنا وسد الْأَبْوَاب بَيْننَا وَبَينه، وتحامى منزلنا، أَن يدْخل مِنْهُ إِلَى منزله شَيْء.
قَالَ أَبُو الْفضل: فَلَمَّا مضى نَحْو من شَهْرَيْن كتب لنا بِشَيْء فجيء بِهِ إِلَيْنَا فَأول من جَاءَ عَمه فأخذ فأخبر، فجَاء إِلَى الْبَاب الَّذِي كَانَ سَده بيني وَبَينه، وَقد كَانَ فتح الصّبيان كوَّة، فَقَالَ: ادعوا لي صَالحا.
فجَاء الرَّسُول، وَقلت لَهُ: لست أجيء، فَوجه إِلَيّ لم لَا تَجِيء؟ فَقلت: قل لَهُ هَذَا الرزق يرتزقه جمَاعَة كَثِيرَة، وإنما أَنا وَاحِد مِنْهُم، وَلَيْسَ فيهم أعذر مني، وَإِذا كَانَ توبيخ خصصت بِهِ أَنا، فَمضى فَلَمَّا نَادَى عَمه بِالْأَذانِ خرج، فَلَمَّا خرج قيل لي: إنه قد خرج إِلَى الْمَسْجِد، فَجئْت حَتَّى صرت فِي مَوضِع اسْمَع فِيهِ كَلَامه، فَلَمَّا فرغ من الصَّلَاة الْتفت إِلَى عَمه، ثمَّ قَالَ لَهُ: نافقتني وكذبتني، وَكَانَ غَيْرك أعذر مِنْك، زعمت أنك لَا تَأْخُذ من هَذَا شَيْئا ثمَّ أَخَذته، وَأَنت تستغل مِائَتي دِرْهَم، وعمدت إِلَى طَرِيق الْمُسلمين تستغله إِنَّمَا أَنا أشْفق عَلَيْك أَن تطوق يَوْم الْقِيَامَة بِسبع أَراضين، أخذت هَذَا الشَّيْء بِغَيْر حَقه.

فَقَالَ: قد تَصَدَّقت، قَالَ: تَصَدَّقت بِنصْف دِرْهَم!

ثمَّ هجره وَترى الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد، وَخرج إِلَى مَسْجِد خَارج يُصَلِّي فِيهِ.

قَالَ صَالح: وحَدثني أبي قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد، قَالَ: سَمِعت شَيخنَا يحدث، قَالَ: اسْتعْمل بعض أُمَرَاء الْبَصْرَة عبد الله بن مُحَمَّد بن وَاسع على الشرطة، فآتاه مُحَمَّد بن وَاسع فَقيل للأمير مُحَمَّد الْبَاب فَقَالَ للقوم: ظنُّوا بِهِ، فَقَالَ بَعضهم: جَاءَ يشْكر للأمير، اسْتعْمل ابْنه.

فَقَالَ: لَا، وَلكنه جَاءَ يطْلب لِابْنِهِ الإعفاء، أَو قَالَ: الْعَافِيَة.

قَالَ: فَأذن لَهُ، فَلَمَّا دخل قَالَ: أَيهَا الْأَمِير، بَلغنِي أنك اسْتعْملت ابْني، وإني أحب أَن تسترنا يسترك لله.
قَالَ: قد أعفيناه يَا أَبَا عبد الله.
قَالَ أَبُو الْفضل: ثمَّ كتب لنا بِشَيْء فَبَلغهُ فجَاء إِلَى الكوة الَّتِي فِي الْبَاب، فَقَالَ: يَا صَالح، انْظُر مَا كَانَ لِلْحسنِ عَليّ، فَاذْهَبْ بِهِ إِلَى فوران حَتَّى يتَصَدَّق بِهِ، فِي الْموضع الَّذِي أخذ مِنْهُ، فَقلت: وَمَا علم فوران من أَي مَوضِع أخذ هَذَا؟ فَقَالَ: افْعَل مَا أَقُول لَك، فوجهت بِمَا كَانَ أصابهما إِلَى فوران، وَكَانَ إِذا بلغه أَنا قبضنا شَيْئا طوى تِلْكَ اللَّيْلَة، فَلم يفْطر، ثمَّ مكث أشهرا لَا أدخل إِلَيْهِ، ثمَّ فتح الصّبيان الْبَاب - ودخلوا، غير أَنه لَا يدْخل إِلَيْهِ من منزلي شَيْء، ثمَّ وجهت إِلَيْهِ:
يَا أَبَت، قد طَال هَذَا الْأَمر، اشْتقت إِلَيْك، فَسكت فَدخلت فأكببت عَلَيْهِ، وَقلت لَهُ: يَا أَبَت تدخل على نَفسك هَذَا الْغم؟ فَقَالَ: يَا بني يأتيني مَا لا أملكهُ، ثمَّ مكثنا مُدَّة لم نَأْخُذ شَيْئا، ثمَّ كتب لنا بِشَيْء، فقبضناها، فَلَمَّا بلغه هجرنا أشهرا، فَكَلمهُ فوران، وَوجه إِلَيّ فوران، فَدخلت، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عبد الله، صَالح يرضيك الله.
فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد، وَالله لقد كَانَ أعز الْخلق عَليّ، وَأي شَيْء أردْت لَهُ، مَا أردْت لَهُ إِلَّا مَا أردْت لنَفْسي.
فَقلت لَهُ: يَا أَبَت وَمن رَأَيْت أَنْت أَو من لقِيت قوي على مَا قويت أَنْت عَلَيْهِ.
قَالَ: وتحتج عَليّ.
قَالَ أَبُو الْفضل: ثمَّ كتب أبي رحمه الله إِلَى يحيى بن خاقَان يسْأَله ويعزم عَلَيْهِ أَن لَا يعيننا على شَيْء من أرزاقنا وَلَا يتَكَلَّم فِيهِ، فبلغني فوجهت إِلَى الْقيم لنا، وَهُوَ ابْن غَالب بن بنت مُعَاوِيَة بن عَمْرو، وَقد كنت قلت لَهُ: يَا أَبَت إنه يكبر عَلَيْك، وَقد عزمت إِذا حدث أَمر أَخْبَرتك بِهِ، فَلَمَّا وصل رَسُوله بِالْكتاب إِلَى يحيى أَخذه من صَاحب الْخَبَر، قَالَ: فَأخذت نسخته ووصلت إِلَى المتَوَكل، فَقَالَ لعبد الله: كم من شهر لولد أحْمَد بن حَنْبَل؟
فَقَالَ: عشرَة أشهر، قَالَ: تحمل السَّاعَة إِلَيْهِم أَرْبَعُونَ ألف دِرْهَم من بَيت المَال صحاحا وَلَا يعلم بهَا.
فَقَالَ يحيى للقيم: أَنا أكْتُبْ إِلَى صَالح وأعلمه، فورد عَليّ كِتَابه فوجهت إِلَى أبي أعلمهُ، فَقَالَ: الَّذِي أخبرهُ أَنه سكت قَلِيلا وَضرب بذقنه سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه فَقَالَ: مَا حيلتي، إِذا أردْت أمرا، وَأَرَادَ الله أَمرا؟
قَالَ أَبُو الْفضل: وَجَاء رَسُول المتَوَكل إِلَى أبي يَقُول: لَو سلم أحد من النَّاس سلمت، رفع رجل إليَّ وَقت كَذَا أَن علويا قدم من خُرَاسَان، وَأَنَّك وجهت إِلَيْهِ بِمن يلقاه، وَقد حبست الرجل وَأَرَدْت ضربه وكرهت أَن تغتم، فَمر فِيهِ.
فَقَالَ: هَذَا بَاطِل تخلي سَبيله.
قَالَ: وَكَانَ رَسُول المتَوَكل يَأْتِي أبي يبلغهُ السَّلَام، ويسأله عَن حَاله فنسر نَحن ذلك فتأخذه نفضة حَتَّى ندثره، وَيَقُول: وَالله لَو أَن نَفسِي فِي يَدي لأرسلتها، وَيضم أَصَابِعه ويفتحها.

باب ذكر إذن أمير المؤمنين لأبي عبد الله رحمه الله بالعودة

بَاب ذكر إِذن أَمِير الْمُؤمنِينَ لأبي عبد الله رَحمَه الله بالعودة
قَالَ أَبُو الْفضل، ثمَّ سَألَ أبي أَن يحول من الدَّار الَّتِي أكتريت لَهُ، فاكترى هُوَ دَارا، وتحول إِلَيْهَا، فَسَألَ المتَوَكل عَنهُ، فَقيل: إنه عليل، فَقَالَ: كنت أحب أَن يكون فِي قربي، وَقد أَذِنت لَهُ، يَا عبيد الله: احْمِلْ إِلَيْهِ ألف دِينَارا ينفقها، وَقَالَ لسَعِيد: تهيىء لَهُ حراقة ينحدر فِيهَا، فَجَاءَهُ عَليّ بن الجهم فِي جَوف اللَّيْل فأخبره، ثمَّ جَاءَ عبيد الله وَمَعَهُ ألف دِينَار، فَقَالَ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أذن لَك، وَقد أَمر لَك بِهَذِهِ الْألف دِينَار، فَقَالَ: قد أعفاني أَمِير الْمُؤمنِينَ مِمَّا أكره فَردهَا، وَقَالَ: أَنا رَقِيق على الْبرد وَالْبر ارْفُقْ بِي.
فَكتب إلى مُحَمَّد بن عبد الله فِي بره وتعاهده.

باب وصية أبي عبد الله رحمه الله

بَاب وَصِيَّة أبي عبد الله رَحمَه الله
قَالَ أَبُو الْفضل: وَأوصى وَصيته: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، هَذَا مَا أوصى بِهِ أحْمَد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل: أوصى أَنه يشْهد أَن لَا إله إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وأن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، أرْسلهُ بِالْهدى وَدين الْحق، لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ.

وَأوصى من أطاعه من أَهله وقرابته أَن يعبدوا الله فِي العابدين، ويحمدوه فِي الحامدين، وأن ينصحوا لجَماعَة الْمُسلمين.

وَأوصى: أنِّي قد رضيت بِاللَّه رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبيا.

وَأوصى: أَن لعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بفوران عليَّ نَحْو من خمسين دِينَارا، وَهُوَ مُصدق فِيمَا قَالَ، فَيقْضي مَاله عَليّ من غلَّة الدَّار إِن شَاءَ الله، فَإِذا استوفى أعْطى وَلَدي صَالح وَعبد الله إبنا أحْمَد بن مُحَمَّد بْن حَنْبَل، كل ذكر وَأُنْثَى، عشرَة دَرَاهِم، بعد وَفَاء مَا عَليّ لِأَبِي مُحَمَّد.
شهد أَبُو يُوسُف وَصَالح وَعبد الله ابْنا أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل.

باب خطاب أبي عبد الله إلي بعدم الخروج إليه

بَاب خطاب أبي عبد الله إِلَيّ بِعَدَمِ الْخُرُوج إِلَيْهِ
قَالَ أَبُو الْفضل: ثمَّ إِنِّي انحدرت إِلَى بَغْدَاد، وخلفت عبد الله عِنْده، فَإِذا عبد الله قد قدم، وَجَاء بثيابي الَّتِي كَانَت عِنْده، فَقلت: مَا جَاءَ بك؟ قَالَ، قَالَ لي: انحدر، وقُل لصالح: لَا تخرج، فَأنْتم كُنْتُم آفتي، وَالله لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت، مَا أخرجت مِنْكُم وَاحِدًا معي، لَوْلَا مَكَانكُمْ لمن كَانَ تُوضَع هَذِه الْمَائِدَة؟ وَلمن كَانَ يفرش هَذَا الْفرش، وَيجْرِي هَذَا الأجراء؟!.

قَالَ أَبُو الْفضل: فَكتبت إِلَيْهِ أعلمه بِمَا قَالَ لي عبد الله فَكتب إِلَيّ بِخَطِّهِ:
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
أحسن الله عاقبتك، وَدفع عَنْك كل مَكْرُوه ومحذور، الَّذِي حَملَنِي على الْكتاب إِلَيْك، وَالَّذِي قلت لعبد الله: لَا يأتيني أحد، وَرُبمَا يَنْقَطِع ذكري ويحمل، فَإِنَّكُم إِذا كُنْتُم هَا هُنَا فَشَا ذكري، وَكَانَ يجْتَمع إِلَيْك قوم ينقلون أخبارنا، وَلم يكن إِلَّا خير.

وَاعْلَم يَا بني إِن أَقمت فَلَا تأت أَنْت وَلَا أَخُوك، فَهُوَ رضائي، فَلَا تجْعَل فِي نَفسك إِلَّا خيرا، وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

قَالَ أَبُو الْفضل: ثمَّ ورد إِلَيّ كتاب آخر يذكر فِيهِ:
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
أحسن الله عاقبتك، وَدفع عَنْك السوء برحمته، كتابي إِلَيْك وَأَنا فِي نعْمَة من الله متظاهرة، أسأله تمامها والعون على أَدَاء شكرها، قد انفكت عَنْهَا عقدَة، لما كَانَ حبس من كان هَا هُنَا لما أَعْطوا فقبلوا، وأجري عَلَيْهِم فصاروا فِي الْحَد الَّذِي صَارُوا إِلَيْهِ، وَحَدثُوا ودخلوا عَلَيْهِم، فَهَذِهِ كَانَت قيودهم، فنسأل الله أَن يعيذنا من شرهم ويخلصنا، فقد كَانَ يَنْبَغِي لكم لَو قربتموني بأموالكم وأهاليكم، فهان ذَلِك عَلَيْكُم للَّذي أَنا فِيهِ، فَلَا يكبر عَلَيْك مَا أكتب بِهِ إِلَيْكُم، فالزموا بُيُوتكُمْ، فَلَعَلَّ الله تَعَالَى أَن يخلصني، وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله.

ثمَّ ورد غير كتاب إِلَيّ بِخَطِّهِ بِنَحْوِ من هَذَا، فَلَمَّا خرجنَا من المعسكر رفعت الْمَائِدَة والفرش، وكل مَا كَانَ أقيم لنا.

📚 کتێبەکان