باب ذكر ما جرى بين أبي وبيني وعبد الله وعمه حين قبلنا صلة السلطان
بَاب ذكر مَا جرى بَين أبي وبيني وَعبد الله وَعَمه حِين قبلنَا صلَة السُّلْطَان
فَقدم علينا فِيمَا بَين الظّهْر وَالْعصر فَلَمَّا انحدر إِلَى بَغْدَاد وَمكث قَلِيلا قَالَ لي يَا صَالح قلت لبيْك قَالَ احب أَن تدع هَذَا الرزق فَلَا تَأْخُذهُ وَلَا توكل فِيهِ أحدا فقد علمت أَنكُمْ إِنَّمَا تأخذونه بسببي فَسكت
فَقَالَ مَالك فَقلت اكره أَن أُعْطِيك شَيْئا بلساني واخالف الى غَيره فاكون قد كذبتك ونافقتك وَلَيْسَ فِي الْقَوْم اكثر عيالا مني وَلَا اعذر وَقد كنت أَشْكُو إِلَيْك فَتَقول أَمرك مُنْعَقد بأَمْري وَلَعَلَّ الله أَن يحل هَذِه الْعقْدَة ثمَّ قلت لَهُ وَقد كنت تَدْعُو لي فأرجوا أَن يكون الله قد اسْتَجَابَ لَك
قَالَ وَلَا تفعل قلت لَا
قَالَ قُم فعل الله بك وَفعل فَأمر بسد الْبَاب بيني وَبَينه
فتلقاني عبد الله فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرته فَقَالَ مَا أَقُول
قلت ذَاك إِلَيْك فَقَالَ لَهُ مثل مَا قَالَ لي فَقَالَ لَا افْعَل
فَكَانَ مِنْهُ إِلَيْهِ نَحْو مَا كَانَ مِنْهُ إِلَيّ فلقينا عَمه فَقَالَ لَو أردتم أَن تَقولُوا لَهُ وَمَا علمه إِذا أَخَذْتُم شَيْئا.
فَدخل عَلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله لست اخذ شَيْئا من هَذَا
فَقَالَ الْحَمد لله وهجرنا وسد الْأَبْوَاب بَيْننَا وَبَينه وتحامى منزلنا أَن يدْخل مِنْهُ إِلَى منزله شَيْء
قَالَ أَبُو الْفضل فَلَمَّا مضى نَحْو من شَهْرَيْن كتب لنا بِشَيْء فجيء بِهِ إِلَيْنَا فَأول من جَاءَ عَمه فاخذ فاخبر فجَاء إِلَى الْبَاب الَّذِي كَانَ سَده بيني وَبَينه وَقد كَانَ فتح الصّبيان كوَّة فَقَالَ ادعوا لي صَالحا
فجَاء الرَّسُول وَقلت لَهُ أجيء فَوجه إِلَيّ لم لَا تَجِيء - فَقلت قل لَهُ هَذَا الرزق يرتزقه جمَاعَة كَثِيرَة وانما أَنا وَاحِد مِنْهُم وَلَيْسَ فيهم اعذر مني وَإِذا كَانَ توبيخ خصصت بِهِ أَنا فَمضى فَلَمَّا نَادَى عَمه بِالْأَذَانِ خرج فَلَمَّا خرج قيل لي انه قد خرج إِلَى الْمَسْجِد فَجئْت حَتَّى صرت فِي مَوضِع اسْمَع فِيهِ كَلَامه فَلَمَّا فرغ من الصَّلَاة الْتفت إِلَى عَمه ثمَّ قَالَ لَهُ نافقتني وكذبتني وَكَانَ غَيْرك اعذر مِنْك زعمت انك لَا تَأْخُذ من هَذَا شَيْئا ثمَّ أَخَذته وَأَنت تستغل مِائَتي دِرْهَم وعمدت إِلَى طَرِيق الْمُسلمين تستغله إِنَّمَا أَنا أشْفق عَلَيْك أَن تطوق يَوْم الْقِيَامَة بِسبع أَرضين أخذت هَذَا الشَّيْء بِغَيْر حَقه
فَقَالَ - قد تَصَدَّقت قَالَ تَصَدَّقت بِنصْف دِرْهَم
ثمَّ هجره وَترى الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد وَخرج إِلَى مَسْجِد خَارج يُصَلِّي فِيهِ قَالَ صَالح وحَدثني أبي قَالَ حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ سَمِعت شَيخنَا يحدث قَالَ اسْتعْمل بعض أُمَرَاء الْبَصْرَة عبد الله بن مُحَمَّد بن وَاسع على الشرطة فآتاه مُحَمَّد بن وَاسع فَقيل للأمير مُحَمَّد الْبَاب فَقَالَ الْمُقَوّم ظنُّوا بِهِ فَقَالَ بَعضهم جَاءَ يشْكر للأمير اسْتعْمل ابْنه
فَقَالَ لَا وَلكنه جَاءَ يطْلب لِابْنِهِ الإعفاء أَو قَالَ الْعَافِيَة
قَالَ فَأذن لَهُ فَلَمَّا دخل قَالَ أَيهَا الْأَمِير بَلغنِي انك اسْتعْملت ابْني واني احب أَن تسترنا يسترك لله قَالَ قد أعفيناه يَا أَبَا عبد الله
قَالَ أَبُو الْفضل ثمَّ كتب لنا بِشَيْء فَبَلغهُ فجَاء إِلَى الكوة الَّتِي فِي الْبَاب فَقَالَ يَا صَالح انْظُر مَا كَانَ لِلْحسنِ عَليّ فَاذْهَبْ بِهِ إِلَى بوران حَتَّى يتَصَدَّق بِهِ فِي الْموضع الَّذِي اخذ مِنْهُ فَقلت وَمَا علم بوران من أَي مَوضِع اخذ هَذَا - فَقَالَ افْعَل مَا أَقُول لَك فوجهت بِمَا كَانَ أصابهما إِلَى بوران وَكَانَ إِذا بلغه أَنا قبضنا شَيْئا طوى تِلْكَ اللَّيْلَة فَلم يفْطر ثمَّ مكث اشهرا لَا ادخل إِلَيْهِ ثمَّ فتح الصّبيان الْبَاب - ودخلوا غير أَنه لَا يدْخل إِلَيْهِ من منزلي شَيْء ثمَّ وجهت إِلَيْهِ
يَا أَبَت قد طَال هَذَا الْأَمر وَقد اشْتقت إِلَيْك فَسكت فَدخلت فأكببت عَلَيْهِ وَقلت لَهُ يَا أَبَت تدخل على نَفسك هَذَا الْغم فَقَالَ يَا بني يأتيني مَالا أملكهُ ثمَّ مكثنا مُدَّة لم تَأْخُذ شَيْئا ثمَّ كتب لنا بِشَيْء.
فقبضناها فَلَمَّا بلغه هجرنا أشهرا فَكَلمهُ بوران وَوجه إِلَى بوران فَدخلت فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عبد الله صَالح يرضيك الله
فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد وَالله لقد كَانَ أعز الْخلق عَليّ وَأي شَيْء أردْت لَهُ مَا أردْت لَهُ إِلَّا مَا أردْت لنَفْسي
فَقلت لَهُ يَا أَبَت وَمن رَأَيْت أَنْت أَو من لقِيت قوى على مَا قويت أَنْت عَلَيْهِ
قَالَ وتحتج عَليّ
قَالَ أَبُو الْفضل ثمَّ كتب أبي رحمه الله إِلَى يحيى بن خاقَان يسْأَله ويعزم عَلَيْهِ أَن لَا يعيننا على شَيْء من أرزاقنا وَلَا يتَكَلَّم فِيهِ فبلغني فوجهت إِلَى الْقيم لنا وَهُوَ ابْن غَالب بن بنت مُعَاوِيَة بن عَمْرو وَقد كنت قلت لَهُ يَا أَبَت انه يكبر عَلَيْك وَقد عزمت إِذا حدث أَمر أَخْبَرتك بِهِ فَلَمَّا وصل رَسُوله بِالْكتاب إِلَى يحيى أَخذه من صَاحب الْخَبَر قَالَ فَأخذت نسخته ووصلت إِلَى المتَوَكل فَقَالَ لعبد الله كم من شهر لولد احْمَد بن حَنْبَل _
فَقَالَ عشرَة اشهر قَالَ تحمل السَّاعَة إِلَيْهِم أَرْبَعُونَ ألف دِرْهَم من بَيت المَال صحاحا وَلَا يعلم بهَا
فَقَالَ يحيى للقيم أَنا اكْتُبْ إِلَى صَالح واعلمه فورد عَليّ كِتَابه فوجهت إِلَى أبي أعلمهُ فَقَالَ الَّذِي أخبرهُ أَنه سكت قَلِيلا وَضرب بذقنه.
سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه فَقَالَ مَا حيلتي إِذا أردْت أمرا وَأَرَادَ الله أَمر
قَالَ أَبُو الْفضل وَجَاء رَسُول المتَوَكل إِلَى أبي يَقُول لَو سلم أحد من النَّاس سلمت رفع رجل إِلَى وَقت كَذَا أَن علويا قدم من خُرَاسَان وَأَنَّك وجهت إِلَيْهِ بِمن يلقاه وَقد حبست الرجل وَأَرَدْت ضربه وكرهت أَن تغتم فَمر فِيهِ
فَقَالَ هَذَا بَاطِل تخلى سَبيله
قَالَ وَكَانَ رَسُول المتَوَكل يَأْتِي أبي يبلغهُ السَّلَام ويسأله عَن حَاله فنسر نَحن بذلك فتأخذه نفضة حَتَّى ندثره وَيَقُول وَالله لَو أَن نَفسِي فِي يَدي لأرسلتها وَيضم أَصَابِعه ويفتحها.