باب في ذكر مرضه

بَاب فِي ذكر مَرضه
قَالَ أَبُو الْفضل وَكَانَ أبي قد أدمن الصَّوْم لما قدم وَجعل لَا يَأْكُل الدسم وَكَانَ قبل ذَلِك يَشْتَرِي لَهُ شَحم بدرهم فيأكل مِنْهُ شهرا فَترك أكل الشَّحْم وأدام الصَّوْم وَالْعَمَل وتوهمت أَنه قد كَانَ جعل على نَفسه ذَلِك أَن سلم

وَكَانَ قد حمل أبي إِلَى المتَوَكل سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ ثمَّ مكث إِلَى سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَكَانَ قل يَوْم يمْضِي إِلَّا وَرَسُول المتَوَكل يَأْتِيهِ فَلَمَّا كَانَ فِي أول يَوْم من شهر ربيع الأول سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ حم أبي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء فَدخلت عَلَيْهِ يَوْم الْأَرْبَعَاء وَهُوَ مَحْمُوم يتنفس نفسا شَدِيدا وَكنت قد عرفت علته وَكنت أمرضه إِذا اعتل

فَقلت لَهُ يَا أبه على مَا أفطرت البارحة

قَالَ على مَاء باقلاء

ثمَّ أَرَادَ الْقيام فَقَالَ خُذ بيَدي فَأخذت بِيَدِهِ فَلَمَّا صَار إِلَى الْخَلَاء ضعفت رِجْلَاهُ حَتَّى توكأ عَليّ وَكَانَ يخْتَلف إِلَيْهِ غير متطبب كلهم مُسلمُونَ فوصف لَهُ تطيب يُقَال لَهُ عبد الرَّحْمَن قرعَة تشوى ويسقى ماءها وَهَذَا يَوْم الثُّلَاثَاء وَتُوفِّي يَوْم الْجُمُعَة

فَقَالَ يَا صَالح قلت لبيْك

قَالَ لَا تشوي فِي مَنْزِلك وَلَا فِي منزل عبد الله أَخِيك.

وَصَارَ الْفَتْح بن سهل إِلَى الْبَاب ليعوده فَحَجَبَتْهُ وأتى عَليّ بن الْجَعْد فَحَجَبَتْهُ وَكثر النَّاس فَقلت يَا أبه قد كثر النَّاس

قَالَ فَأَي شَيْء ترى

قلت تَأذن لَهُم فَيدعونَ لَك

قَالَ استخر الله

فَجعلُوا يدْخلُونَ عَلَيْهِ أَفْوَاجًا حَتَّى تمتليء الدَّار فيسألونه وَيدعونَ لَهُ ثمَّ يخرجُون وَيدخل فَوْج آخر وَكثر النَّاس وامتلأ الشَّارِع وأغلقنا بَاب الزقاق وَجَاء رجل من جيراننا قد خضب فَدخل عَلَيْهِ

فَقَالَ أبي أَنى لارى الرجل يحيى شَيْئا من السّنة فَأَفْرَح فَدخل فَجعل يَدْعُو لَهُ فَجعل يَقُول لَهُ وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين

وَجَاء رجل فَقَالَ تلطف لي بالأذن عَلَيْهِ فَإِنِّي قد حضرت ضربه يَوْم الدَّار وَأُرِيد أَن أستحله

فَقلت لَهُ فَأمْسك فَلم أزل يه حَتَّى قَالَ أدخلهُ فأدخلته فَقَامَ بَين يَدَيْهِ وَجعل يبكي وَقَالَ يَا أَبَا عبد الله أَنا كنت مِمَّن حضر ضربك يَوْم الدَّار وَقد أَتَيْتُك فَإِن أَحْبَبْت الْقصاص فَأَنا بَين يَديك وَأَن رَأَيْت أَن تحلني فعلت فَقَالَ عَليّ أَن لَا تعود لمثل ذَلِك

قَالَ نعم

قَالَ إِنِّي جعلتك فِي حل فَخرج يبكي وَبكى من حضر من النَّاس.

وَكَانَ لَهُ فِي خريقة قطيعات فَإِذا أَرَادَ الشَّيْء أعطينا من يشترى لَهُ فَقَالَ لَهُ يَوْم الثُّلَاثَاء وَأَنا عِنْده أنظر فِي خريقتي شَيْء فَنَظَرت فَإِذا فِيهَا دِرْهَم فَقَالَ وَجه فاقتضي بعض السكان فوجهت فَأعْطيت شَيْئا فَقَالَ وَجه فاشتر تَمرا وَكفر عني كَفَّارَة يَمِين فوجهت فاشتريت وكفرت عَنهُ كَفَّارَة يَمِين وَبَقِي ثَلَاثَة دَرَاهِم أَو نَحْو ذَلِك فَأَخْبَرته فَقَالَ الْحَمد لله

وَقَالَ اقْرَأ على الْوَصِيَّة فقرأتها عَلَيْهِ فأقرها

وَقَالَ أَبُو الْفضل لم يزل أبي يُصَلِّي فِي مَرضه قَائِما أمْسكهُ فيركع وَيسْجد ورافعه فِي رُكُوعه وَسُجُوده وَدخل عَلَيْهِ مُجَاهِد بن مُوسَى فَقَالَ يَا ابا عبد الله قد جاءتك الْبُشْرَى هَذَا الْخلق يشْهدُونَ لَك مَا تبالي لَو وَردت على الله عز وَجل السَّاعَة وَجعل يقبل يَده ويبكي وَجعل يَقُول أوصني يَا أَبَا عبد الله فَأَشَارَ إِلَى لِسَانه

وَدخل سوار القَاضِي فَجعل يبشره ويخبره بالرخص وَذكر لَهُ عَن مُعْتَمر أَنه قَالَ قَالَ أبي عِنْد مَوته حَدثنِي بالرخص

وَاجْتمعت عَلَيْهِ أوجاع الْحصْر وَغير ذَلِك وَلم يزل عقله ثَابتا وَهُوَ فِي خلال ذَلِك يَقُول كم الْيَوْم فِي الشَّهْر فَأخْبرهُ وَكنت أَنَام بِاللَّيْلِ إِلَى جنبه فَإِذا أَرَادَ حَاجَة حركني فأناوله وَقَالَ لي جئني بِالْكتاب الَّذِي فِيهِ حَدِيث ابْن إِدْرِيس عَن لَيْث عَن طَاوُوس أَنه كَانَ يكره الانين فَقَرَأته عَلَيْهِ فَلم يَئِن إِلَّا فِي اللَّيْلَة الَّتِي توفّي فِيهَا.
ئەثەری دواتر ئەثەری پێشووتر