التبصرة في أصول الدين على مذهب الإمام أحمد بن حنبل لأبي الفرج الشيرازي

وأن لا ننزل أحداً من أهل القبلة جنةً ولا ناراً، إلا من نزله الله ورسوله

فَصْلٌ

وأن لا ننزل أحداً من أهل القبلة جنةً ولا ناراً، إلا من نزله الله ورسوله؛ لقوله ﷺ: «السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه»، بل نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء، فأما أهل البدعة فهم مُخلَّدون في النار، ويصلى على من مات من أهل القبلة وإن عملوا الكبائر، ولا يُصلي الإمام على من غلَّ من الغنيمة، ولا على من قتل نفسه، ويجوز لغير الإمام أن يصلي عليهما.

وأن نسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا، وإن كان عبداً حبشياً، ما أقام فينا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وأن لا نخرج على الأئمة بالسيف وإن جاروا، فإن أمرك السلطان بأمر يخالف السنة لم تسمع له ولم تطع؛ لقول النبي ﷺ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «أطيعوني ما أطعت الله، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم».

والجمعة والعيدان والجهاد ماضٍ مع كل خليفة براً كان أو فاجراً، ما كان من البدعة بريئاً.

ولا يخلد في النار إلا أهل الكفر والتكذيب والجحود لأوامره ونواهيه.

وأنه يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار

فَصْلٌ

وأنه يُؤتَى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح، فيُذبح بين الجنة والنار، وينادي المنادي: يا أهل الجنة خلود فلا موت، وينادي المنادي: يا أهل النار خلود فلا موت، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩].

قال: وذلك لأن أهل النار يطمعون أن يموتوا، فيُؤتَى بالموت فيُذبح بين الجنة والنار، فينادي المنادي: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فلا ترى بعد هذه الكلمة إلا الزفير والشهيق، وذلك بعدد خروج أهل الكبائر من أمة محمد ﷺ، ثم يوضع الطبق على رأس جهنم، فلا يفتح أبد الآبدين.

وأن الجنة حق، والنار حق، وهما مخلوقتان للبقاء لا للفناء

فَصْلٌ

وأن الجنة حق، والنار حق، وهما مخلوقتان للبقاء لا للفناء، خلق الجنة ثواباً لأوليائه، وخلق النار عقاباً لأهل المعصية إلا من رحم. وقالت المعتزلة: إنهما لم يخلقا بعد.

دليلنا: قوله تعالى: ﴿يَٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥، والأعراف: ١٩] أي في الجنة.

دليلٌ ثاني: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لما خلق الله الجنة قال لها: تزيني، فتزينت، ثم قال لجبريل عليه السلام: اطلع في الجنة، فاطلع فيها، فقال له الحق تعالى وهو أعلم: ما رأيت يا جبريل؟ فقال جبريل عليه السلام: وعزتك وجلالك، لقد رأيت داراً لا يسمع بها أحد يتخلف عنها، ثم قال للنار: تسعري، فتسعرت وأظهرت أقيادها وأغلالها وسلاسلها وسرابيلها وإلى غير ذلك، ثم قال لجبريل: اطلع فيها، فاطلع فيها جبريل عليه السلام، فقال له الباري وهو أعلم: ما رأيت يا جبريل؟ قال: وعزتك وجلالك لقد رأيت داراً لا يسمع بها أحداً فيقرب منها، فقال: فحفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، وقال لجبريل: اطلع عليهما، يعني في الدارين، فاطلع فيها ﷺ، فقال الله عز وجل وهو أعلم: يا جبريل، ما الذي رأيت؟ فقال: إلهي وسيدي، لقد خشيت أن لا يدخل الجنة أحد ولا ينجو من النار أحد»، وفي ذلك من الأخبار ما يطول شرحه، وهذا موضع الاختصار.

وأن الشفاعة حق، وهي لأهل الكبائر من أمته

فَصْلٌ

وأن الشفاعة حق، وهي لأهل الكبائر من أمته، خلافاً للمعتزلة في قولهم: إن أهل الكبائر تخلد في النار بكبيرة واحدة.

دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «أدخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».

دليلٌ ثاني: قوله تعالى: ﴿عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
جاء في التفسير أن المقام المحمود الشفاعة.

دليلٌ ثالث: ما روي عنه ﷺ أنه قال: «أول الناس شفاعة يوم القيامة الأنبياء، ثم العلماء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، حتى إن الرجل يشفع في سبعين من أهل بيته كلهم قد استحقوا النار».

دليلٌ رابع: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]. جاء في التفسير أن المراد به: لا يظلم من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان.
وذلك أن الكفار يُعيِّرون أهل الكبائر الذين دخلوا معهم في النار، فيقولون لهم: ما نفعكم إيمانكم شيئاً؟ ها أنتم معنا في النار، ويغضب الجبار جل جلاله فيقول: يا مالكُ أخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، فحينئذٍ يقول الكفار: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢].
ولا يخلدون في النار كما قالت المعتزلة بما ذكرنا من الدليل.

وأن الحوض المكرم به نبينا محمد ﷺ حق، ويكون ذلك في عرصة القيامة

فَصْلٌ

وأن الحوض المكرم به نبينا محمد ﷺ حق، ويكون ذلك في عرصة القيامة، أصله في الجنة وفرعه في الموقف، ترده أمته ﷺ، وروي عنه ﷺ أنه قال: «الحوض ما بين عدن وعمان، حافتاه خيام الدر المجوف، آنيته عدد نجوم السماء، طينته المسك الأذخر، ماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل وأبرد من الثلج، فيذاد عنه يوم القيامة رجال كما تذاد الغريبة من الإبل فأقول: ألا هلم ألا هلم، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: وما أحدثوا بعدي؟ فيقال لي: إنهم غيروا، فأقول: ألا سحقاً وبعداً، ألا سحقاً». وفي ذلك من الأخبار ما يطول شرحه وذكره، فإن قيل: هذا من نعيم الجنة فكيف يجوز أن يكون خارجاً عنها، قلنا: إنه يجوز لحاجة الناس ولتصديق وعده، وليس في ذلك ما يمنعه عقل ولا شرع.

وأن الصراط حق، وهو طريق بين الجنة والنار، موضوع على متن جهنم

فَصْلٌ

وأن الصراط حق، وهو طريق بين الجنة والنار، موضوع على متن جهنم، وصفته كما ورد في الشرع له دقة كدقة الشعر، وحد كحد السيف، طوله ستة وثلاثون سنة من سنين الدنيا، وروي أنه ثلاث آلاف سنة من سنين الآخرة، يجوزه الأبرار، ويزول عنه الفجار، عليه سبع قناطر، فعند القنطرة الأولى يُسأل العبد عن الصلاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الثانية، وإن لم يأتِ بها تردى في النار، وعند الثانية يُسأل عن الزكاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالثة، وإن لم يأتِ بها تردى في النار، وعند الثالثة يُسأل عن صوم رمضان فإن جاء به تاماً جاز إلى الرابعة، فإن لم يأتِ به تردى في النار، وعند الرابعة يُسأل عن الحج فإن جاء به تاماً بعد وجوبه عليه جاز إلى الخامسة، وإن لم يأتِ به تردى في النار، وعند الخامسة يُسأل عن بر الوالدين فإن جاء تاماً جاز إلى السادسة، وإن لم يأتِ به تاماً تردى في النار، وعند السادسة يُسأل عن صلة الأرحام فإن جاء بها تامة جاز إلى السابعة، وإن لم يأتِ بها تردى في النار، وعند السابعة يُسأل العبد عن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ فإن جاء بها تامة جاز إلى الجنة، وإن لم يأتِ بها تردى في النار.

وروي عنه ﷺ أنه قال لما وصف الصراط في هذه الصفة المتقدمة ثم قال: «ومن الناس من يمر عليه كالريح العاصف، ومنهم من يمر عليه كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر عليه كأجاويد الخيل، ومنهم من يمر كأجاويد الركاب، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يهرول، ومنهم من يمشي مشياً؛ حتى إن آخر من يمر على أسته تقع مرة رجلاه، وتتعلق يداه، وتقع مرة يداه وتتعلق رجلاه»، وذكر الخبر بطوله، وفي ذلك من الأخبار ما يطول شرحه وذكره.

أن الحساب حق، وأن الميزان حق، وأن للميزان كفتان يوزن فيهما أعمال العباد

فَصْلٌ

في أن الحساب حق، وأن الميزان حق، وأن للميزان كفتان يوزن فيهما أعمال العباد، كفة من نور يوضع فيها حسنات العباد، وكفة من ظلمة يوضع فيها سيئات العباد، فمن ثقلت موازينه نجا من النار، ومن خفت موازينه فهو في النار، لقوله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢-١٠٣].

وقالت المعتزلة: ليس ثَمَّ موازين لها كفتان، وإنما المراد به عدل الباري.

دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال في الآية السابقة: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾، فمن الآية دليلان:

أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فالمراد بالقسط العدل، فلو كان المراد بالميزان العدل؛ لكان تقدير الآية ونضع العدل العدل ليوم القيامة، وفي ذلك حمل القرآن على التكرار، وعلى ما لا فائدة فيه، ومثل ذلك ممتنع بالاتفاق لوجود اللفظ بلا معنى.

الدليل الثاني من الآية: أنه قال: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾، والعدل لا يوصف بالثقل والخفة، وغير ذلك من الآيات.

دليلٌ ثاني: ما روي عن النبي ﷺ أنه وصف الميزان، وبين أن عموده من نور، وأحد الكفتين من نور، والآخر من ظلمة، وأن جبريل عليه السلام صاحب الميزان، وتواترت بذلك الأخبار، فوجب الاقتداء به والمصير إليه.

فإن احتج المخالف بأن قال: الميزان في اللغة عبارة عن العدل، الدليل عليه قولهم: فلان بين الناس ميزان، وفلان لا يتكلم إلا وزناً، وقول الشاعر يدل على ذلك وهو قوله:

وزنت الناس كلهم فكانوا لدى الميزان كلهم عجافا

والجواب: هو أنَّا لا نمنع أن يسمى العدل ميزاناً، وإنما نمنع أن يقال: لا ميزان في الآخرة.

وجوابٌ ثاني: وهو أن من جملة العدل وضع الميزان بين الخلق؛ لأن عليه شهد الخاص والعام، والدليل عليه موازين الدنيا لأنه من جملة أثر العدل.

وأما ما استشهد به فلا يدل عليه، ولا على أن المراد بالميزان العدل؛ لأن قولهم: فلان بين الناس ميزان، يريدون بذلك أنه لا يضع الكلمة إلا موضع الإصابة، وكل ذلك تشبيهاً بالميزان وباستقامة عموده وكفته إذا وقف على التساوي.

وأما قول الشاعر: "وزنت القوم كلهم"، فمعناه: أي اختبرت عقولهم فوجدتهم لدى الاختبار ضعفاء العقول، وليس في ذلك ما يدل على أن المراد بالميزان العدل.

وأن ضغطة القبر حق، وأن عذاب القبر ونعيمه حق

فَصْلٌ

وأن ضغطة القبر حق، وأن عذاب القبر ونعيمه حق، وأن العبد إذا عذب في قبره يألم بذلك.

وأنكرت المعتزلة ذلك، يعني: عذاب القبر ونعيمه. وقالت الأشعرية: يعذب ولا يألم.

دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ [طه: ١٢٤] قال في تفسيره: إن معيشة الضنك هو عذاب القبر.

دليلٌ ثاني: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «أكثر عذاب القبر من البول والنميمة».

دليلٌ ثالث: ما روى البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ أنه مر ببقيع الغرقد فوقف على قبر، فقال: «الآن يقعد هذا، الآن يسئل هذا، والذي بعثني بالحق نبياً لقد ضرب بأرزبة من نار لقد تطاير قبره ناراً، وصرخ صرخة سمعها كل شيء إلا الثقلين: الجن والإنس»، ثم وقف على قبر آخر فقال كذلك، فقيل: يا رسول الله، فما ذنبهما؟ فقال ﷺ: «أما أحدهما فكان لا يتنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة بين الناس».

دليلٌ رابع: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لو سلم أحدكم من ضغطة القبر أو ضمة القبر لسلم سعد بن معاذ»، وفي ذلك من الأخبار ما يطول شرحه.

والدلالة على الأشعرية ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تكسروا عظام الميت فإنهم يألمون كما تألمون، -ثم قال-: إن كسر عظم الميت ككسره حياً».

دليلٌ ثاني: ما روي عن النبي ﷺ أنه نهى أن يمشي الرجل في المقابر بنعلين، فقال: «إن الموتى يسمعون خفق نعالكم فينزعجون».

دليلٌ ثالث: أنه قد أجمعنا على أن عذاب القبر ونعيمه حق، فإذا قال: لا يجد ألم العذاب، ولا لذة النعيم؛ لم يكن لقوله فائدة بأنه يعذب في قبره وينعم؛ إذ لا فائدة لذلك إلا إدراك الألم وإدراك اللذة.

في أن الموت حق، والبعث من بعد الموت حق، ومسائلة منكر ونكير حق

فَصْلٌ

في أن الموت حق، والبعث من بعد الموت حق، ومسائلة منكر ونكير حق.
وأنكرت المعطلة البعث من بعد الموت، وأنكرت المعتزلة مسائلة منكر ونكير.

دليلنا على المعطلة: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم: ٤٠]، أثبت الحياة بعد الموت، وذلك هو المطلوب.

دليلٌ ثاني: قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨-٧٩].

فوجه الدليل من الآية ثلاثة أوجه:

أحدها: قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أي: بدء خلقه، وكان الحق تعالى نسب القائل لذلك إلى العمى والجهل؛ لأنه أيقن بالخلق وكذب بالبعث. ودليل العقل يقتضي أن بدء الخلق هو من جملة القدرة التي أنشأها أول مرة من غير وجود، وذلك يقتضي أن من بدأ الخلق من غير شيء قادر على أن يعيده كما كان.

الدليل الثاني من الآية: قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فجعل النشأة في أول مرة دلالة على الرجعة؛ لأن من خلق الأشياء من غير أصل قادر على أن يعيدها من أصل.

الدليل الثالث من الآية: قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: ٨٠] مع رطوبته، ومع يبوستها يكون أولى أن يخرج منه ناراً قطعاً لا محالة، وإذا كان كذلك فيكون بطريق الأولى أن من يخلق الإنسان من العدم بغير وجود شيء أصلاً، قادر على أن يخلقهم مع وجود الأساس وهو العظام الرميم، ثم يعضد ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]، يريد بذلك أنه إذا قدر على إنشاء السموات والأرضين بعد ذهابها فهو قادر على أن ينشئ الآدمي بعد موته وفنائه.

دليلٌ ثاني: قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩-٣٠]. وقال ﷺ: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً»، فقالت عائشة: بادي العورة يا رسول الله؟ فقال ﷺ: «لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه».

دليلٌ ثالث: هو أن التكذيب بالبعث يفضي إلى إسقاط التكليف؛ لأن العبد إنما كُلِّف في الدنيا ليستحق به ثواباً في العقبى إذا فعل ما كلفه.

فإذا قيل: إن العبد لا يحشر ولا ينشر فيفضي ذلك إلى تبطيل الثواب، يعني: تعطيل الثواب والعقاب.

ولا يجوز لقائل أن يقول: إن الثواب في الدنيا؛ لأن الله تعالى حقَّر ثواب الدنيا وعظَّم ثواب الآخرة فقال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥، الحديد: ٢٠] والمتاع هو الشيء المهين التافه الذي لا ينتفع به، ذكر ذلك الأصمعي. وبين الباري أن النعمة مستدرجة في لذات الدنيا ونعيمها، فقال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢، القلم: ٤٤]. جاء في تفسيره: كلما جددوا معصية جدد لهم نعمة.

وقال في الجنة: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، وقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠]، وقال ﷺ: «يقول الله تبارك وتعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».

فبيَّن أن نعيم الجنة هو النعيم، وأن عذاب النار هو العذاب الأليم لأنه قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]، وقال: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]، وقال: ﴿لَـــٰبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢٣]، ولا عقاب في الدنيا مما يناسب ذلك.

والدلالة على المعتزلة في إثبات منكر ونكير: قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، جاء في تفسير هذا في الحياة الدنيا، يعني: عند خروج الروح، وفي الآخرة: عند مساءلة منكر ونكير.

دليلٌ ثاني: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا وضع الرجل في قبره أتاه منكر ونكير، وهما ملكان فظان غليظان أسودان أزرقان، ألوانهما كالليل الدامس، أصواتهما كالرعد العاصف، عيونهما كالشهب الثاقب، أسنانهما كالألواح، يسحبان شعورهما على الأرض، بيد كل واحد منهما مطرقة، لو اجتمع الثقلان الجن والإنس لم يقدروا على حملها، يسألان الرجل عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه» وذكر الخبر بطوله،

فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يأتياني وأنا ثابت كما أنا؟ قال: «نعم»، قال: إذاً أكفيكهم فسيكفيكهما الله. فقال ﷺ: «والذي بعثني بالحق نبياً، لقد أخبرني جبريل عليه السلام على أنهما يأتيانك فيسألنك فتقول: الله ربي، فمن ربكما؟ ومحمد نبيي فمن نبيكما؟ فيقولان: واعجباً، ما ندري نحن أرسلنا إليك أم أنت أُرسلت إلينا!».

فإن احتج المخالف بأن قال: كل من يرصد القبور لا يراهما؛ ولأن مساحة القبر ضيقة فكيف يسعهما مع عظم خلقهما؟

والجواب: أما قوله: من يرصد القبور لا يخبر برؤيتهما؛ فنقول: إنه لا يمتنع أن يراهما الميت ولا يراهما غيره، ألا ترى أن المحتضر عند خروج الروح يرى ملك الموت باتفاق منَّا، ولا يراه من يحضر بحضرته، وكذلك النبي ﷺ كان يرى جبريل ولا يراه من بحضرته.

وأما قوله: كيف يسعهما القبر مع ضيق مساحته وعظم خلقتهما؟

قلنا: يجوز أن يوسع الله تعالى مقامهما كما وسع مقام جبريل إذا نزل على النبي ﷺ.

وكذلك نهي أيضاً عن النظر في كتب السحر والكهانة والتنجيم والعزائم على الجن

فَصْلٌ

وكذلك نهي أيضاً عن النظر في كتب السحر والكهانة والتنجيم والعزائم على الجن؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من صدق كاهناً أو منجماً فكأنما قد كفر بكل كتاب أنزل على محمد ﷺ»، وقال ﷺ: «المنجم كالساحر، والساحر كالكاهن، والكاهن كالكافر، والكافر في النار»، وقال ﷺ: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من الشرك، ومن زاد زاد».

📚 کتێبەکان