أن الحساب حق، وأن الميزان حق، وأن للميزان كفتان يوزن فيهما أعمال العباد

فَصْلٌ
في أن الحساب حق، وأن الميزان حق، وأن للميزان كفتان يوزن فيهما أعمال العباد، كفة من نور يوضع فيها حسنات العباد، وكفة من ظلمة يوضع فيها سيئات العباد، فمن ثقلت موازينه نجا من النار، ومن خفت موازينه فهو في النار، لقوله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢-١٠٣].

وقالت المعتزلة: ليس ثَمَّ موازين لها كفتان، وإنما المراد به عدل الباري.

دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال في الآية السابقة: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾، فمن الآية دليلان:

أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فالمراد بالقسط العدل، فلو كان المراد بالميزان العدل؛ لكان تقدير الآية ونضع العدل العدل ليوم القيامة، وفي ذلك حمل القرآن على التكرار، وعلى ما لا فائدة فيه، ومثل ذلك ممتنع بالاتفاق لوجود اللفظ بلا معنى.

الدليل الثاني من الآية: أنه قال: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾، والعدل لا يوصف بالثقل والخفة، وغير ذلك من الآيات.

دليلٌ ثاني: ما روي عن النبي ﷺ أنه وصف الميزان، وبين أن عموده من نور، وأحد الكفتين من نور، والآخر من ظلمة، وأن جبريل عليه السلام صاحب الميزان، وتواترت بذلك الأخبار، فوجب الاقتداء به والمصير إليه.

فإن احتج المخالف بأن قال: الميزان في اللغة عبارة عن العدل، الدليل عليه قولهم: فلان بين الناس ميزان، وفلان لا يتكلم إلا وزناً، وقول الشاعر يدل على ذلك وهو قوله:

وزنت الناس كلهم فكانوا لدى الميزان كلهم عجافا

والجواب: هو أنَّا لا نمنع أن يسمى العدل ميزاناً، وإنما نمنع أن يقال: لا ميزان في الآخرة.

وجوابٌ ثاني: وهو أن من جملة العدل وضع الميزان بين الخلق؛ لأن عليه شهد الخاص والعام، والدليل عليه موازين الدنيا لأنه من جملة أثر العدل.

وأما ما استشهد به فلا يدل عليه، ولا على أن المراد بالميزان العدل؛ لأن قولهم: فلان بين الناس ميزان، يريدون بذلك أنه لا يضع الكلمة إلا موضع الإصابة، وكل ذلك تشبيهاً بالميزان وباستقامة عموده وكفته إذا وقف على التساوي.

وأما قول الشاعر: "وزنت القوم كلهم"، فمعناه: أي اختبرت عقولهم فوجدتهم لدى الاختبار ضعفاء العقول، وليس في ذلك ما يدل على أن المراد بالميزان العدل.
ئەثەری دواتر ئەثەری پێشووتر