وأن العشرة في الجنة

فَصْلٌ
وأن العشرة في الجنة، وهم: أبوبكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبدالرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، رضوان الله عليهم أجمعين.

وأن معاوية خالنا، وخال جميع المؤمنين، رديف رسول الله ﷺ، وكاتب وحي الله وأمين وحيه، شهد له النبي بالجنة، ومات وهو عنه راضٍ.

والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ، ونشر محاسنهم، وترك الخوض فيما جرى بينهم؛ فإن الله تعالى قد غفر لهم، وعَلِم أنهم سيقتتلون، قال النبي ﷺ: «ستجري بين أصحابي زلة يغفرها الله لهم بما سبق لهم»، وقال ﷺ: «ستجري بين أصحابي هنيهة يتلافاها الله تعالى بما سبق».

وقالت المعتزلة والرافضة: إن معاوية قد فسق بقتاله لعليّ كرم الله وجهه، وعندنا أن الكل على الصواب على ما نبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى.

دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، فسماهم في حال قتالهم بعضهم لبعض مؤمنين، وسماه يعني معاوية في حال قتاله لعليّ مؤمناً.

دليلٌ ثان: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ولدي هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المؤمنين»، وأصلح به بين معاوية وعلي ﷺ.

دليلٌ ثالث: ما روي أن النبي ﷺ قال: «ليلينّ بعض منابر الشام رجل عزيز منيع في قومه، وهو مني وأنا منه، فقال رجل: من هو يا رسول الله؟ فقال بقضيبه الممشوق، يعني أشار به في ظهر معاوية».

دليلٌ رابع: ما روي أن عبدالله بن الكواء سأل عليّاً رضي الله عنه لما عاد من قتال صفين عن أمر الخلافة فقال: يا أمير المؤمنين، إن كانت الخلافة شيئاً عهده إليك رسول الله ﷺ فأنت المصدق في قولك، وإن كانت رأياً رأيته فرأيك الصواب، فقال له: ثكلتك أمك، أما والله لو كانت الخلافة شيئاً عهده إلي رسول الله ﷺ لما تركت أخا بني تيم ولا أخا بني عدي يصعدان المنبر، ولو لم أجد إلا حسامي هذا في كفي، ولكن نبيكم نبي الرحمة لم يمت فجأة، ولم يقتل قتلاً، لكنه مضت أيام وليال، يأتيه بلال عند كل صلاة فيناديه: الصلاة الصلاة، فيقول: «مروا أبابكر فليصل في مكاني بالناس»، وهو يرى مكاني، وأنا حاضر ولست بغائب، وأنا صحيح ولست سقيماً، ولو أراد أن يقدمني لقدمني، فكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بيدي هذه الحدود بين يديه، ثم توفاه الله إليه حميداً شهيداً، ثم ولي بعده الصديق أبوبكر رضي الله عنه فسار فينا سيرة رسول الله ﷺ، فكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بيدي هذه الحدود بين يديه، ثم توفاه الله إليه حميداً شهيداً، ثم ولي بعده الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فسار فينا سيرة رسول الله ﷺ وسيرة صاحبه، فكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بيدي هذه الحدود بين يديه، ثم توفاه الله إليه حميداً شهيداً، ثم ولي بعده ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، فسار فينا سيرة رسول الله ﷺ وسيرة صاحبيه، فكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بيدي هذه الحدود بين يديه، ثم توفاه الله حميداً شهيداً، ثم جرى بيني وبين معاوية هذه الهنيهة غفرها الله لي وله.

وأيضاً روي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لأصحابه: «يا أيها الناس، لا تكرهوا إمارة معاوية رضي الله عنه، فوالله لئن فقدتموها لقد رأيتم الرؤوس تنتثر عن كواهلها كالحنظل».

دليلٌ خامس: هو أن كل واحد منهم قاتل باجتهاد سائغ؛ لأن علياً رضي الله عنه قاتل لطلب الخلافة، ولم يمنعه معاوية بل اعترف له بها، ومعاوية طلب ثأر ابن عمه عثمان ذي النورين رضي الله عنه، وقاتلي عثمان كانوا في معسكر عليّ، ولم يمكن لعليّ كرم الله وجهه أن يدفعهم إليه لكثرتهم وغلبتهم على عسكره، فلما قويت يده دفعهم وقتلهم، وإذا ثبت أن كل واحد منهم قاتل باجتهاد سائغ فلا يجوز الحكم بفسق واحد منهم.

ومن السُّنة ترك النظر في وقعة صفين ووقعة الجمل لئلا يؤدي ذلك إلى التحريش بين الصحابة والجفاء عليهم، وقد أمرنا الله بالاستغفار لهم بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠].
ئەثەری دواتر ئەثەری پێشووتر