وأن الله تعالى يرى في القيامة، يراه المؤمنون ويحجب عنه الكافرون
فَصْلٌ
وأن الله تعالى يُرى في القيامة، يراه المؤمنون ويحجب عنه الكافرون.
وقالت المعتزلة ومن وافقهم أنه لا يرى في القيامة ولا غيرها. وقالت السالمية: يراه المؤمنون والكافرون.
دليلنا على المعتزلة: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]، فوجه الدليل: أنه تعالى ذكر النظر وقرنه بالوجه، وعداه بحرف الجر، وذلك يقتضي نظر العين عند جميع أهل اللغة.
والدليل عليه قول الشاعر:
انظـر إليّ بـوجهٍ لا خفـاءَ بـه أُرِيكَ تاجاً على ساداتِ عدنانِ.
فإن قيل: معنى قوله: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ يعني: ناظرة إلى ثواب ربها؛ إذ من الجائز حمله عليه.
والجواب على ذلك من وجوه كثيرة: أحدها: أن هذا مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على المجاز.
الثاني: أنه لا فائدة في نظرها إلى الثواب؛ لأن الجنة لا يراد منها النظر دون غيره من الأكل والشرب واللباس والتمتع؛ لأن النظر من غير بلوغ المنظور إليه يعني بلوغاً إليه يُكسب حسرة وغصة، وإنما هي دار نعيم وتنعم.
فإن قيل: معنى قوله تعالى: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أي: منتظرة لثواب ربها.
والجواب: هو أن هذا تأويل فاسد من وجهين: أحدهما: أن الانتظار يكسب العناء والغصة، والجنة ليست بدار حسرة وغصة.
الثاني: أن هذا التأويل باطل من جهة اللغة، لأنه يقال: نظرتُ إلى زيد، ولا يقال: انتظرتُ إلى زيد، فيُعدّون النظر بحرف الجر، ولا يُعدّون الانتظار به.
فإن قيل: لا يمتنع أن يقترن النظر بالوجه ويعدى بحرف الجر، ويقتضي ذلك نظر العين.
الدليل عليه قول الشاعر:
ويوم بـذي قـارٍ رأيتُ وجوههـم إلى المـوتِ من وقع السيوفِ نواظرُ.
وقال آخر:
وجـوهٌ نـاظراتٌ يـومَ بـدرٍ إلى الرحمنِ تنتظرُ الفلاحَا.
ومن المعلوم أنهم غير ناظرين إلى الرحمن.
والجواب: هو أن الأصل في النظر اقتضاء نظر العين؛ إلا أن فيها مضافاً مقدراً محذوفاً، فتقدير قوله: "ويوم ذي قار رأيت وجوههم إلى الموت"، معناه: إلى أسباب الموت، ولا شك أنهم كانوا ينظرون إلى الطعن والضرب الذي هما من أسباب الموت.
وكذلك قوله: "وجوه ناظرات يوم بدر إلى الرحمن"، معناه: إلى نصرة الرحمن بالملائكة؛ لأن الله تعالى كان قد وعدهم بالنصرة يوم بدر، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧].
دليلٌ ثان: قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، قال المفسرون: إن الحسنى هي الجنة، والزيادة هو النظر إلى وجه الله تعالى.
دليلٌ ثالث: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «هل تشكون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟»، قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فكذلك لا تشكون في رؤية ربكم». وقد ورد ذلك من طرق كثيرة بألفاظ مختلفة ومعاني مؤتلفة.
دليلٌ رابع: إن المصحح لرؤية الشيء وجوده مع ارتفاع الموانع، ولا مانع في الجنة يمنع من رؤيته، لأن الخلق يكونون في الجنة على صفة البقاء.
دليلٌ خامس: أنه قد ثبت أنه رائي لنفسه، ولا يؤدي ذلك إلى تجويز محال في صفته أو في صفة غيره، فكذلك جاز أن نراه.
واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣].
والجواب عن ذلك: هو أن الآية حجة على المخالف؛ لأن نفي الإدراك لا يكون إلا عن رؤية. الدليل عليه قولهم: لا يدرك فلان العلم، معناه: نال منه ولم ينل جميعه.
وجوابٌ آخر: وهو أن معنى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَٰرُ﴾ أي: تراه ولا تدركه ولا تحيط به، ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَٰرَ﴾ أي: يراها ويحيط بها.
وجوابٌ آخر: وهو أنه لا تدركه الأبصار بجملة عظمته، بحيث أن يحيط النظر من الناظر على جميع ذات الباري، ولا يلزم من عدم إحاطة النظر على جميع ذاته عدم إحاطة النظر على بعض ذاته، إذ من الجائز أن يدرك بعضه ولا يحيط النظر بجميعه، وذلك لا منع فيه ولا إنكار، ضرورة وجود ذلك في الشاهد والحقيقة.
واحتج أيضاً: بقوله تعالى: ﴿لَن تَرَىٰنِى﴾ [الأعراف:١٤٣]، ولو كانت الرؤية جائزة لكان قوله تعالى: ﴿لَن تَرَىٰنِى﴾ تركيب المعنى عليه باطلاً.
والجواب: أن هذه الآية على إثبات الرؤية؛ لأن موسى عليه السلام سأله ذلك، ولو كان غير جائز لما جاز لموسى أن يسأله ذلك؛ لأن الله تعالى لم يبعث نبياً إلا وهو عالم بما يجوز عليه، ولأنه لا يجوز أن يسأله رؤيته وهو شاك في ذلك، هل يجوز ذلك عليه أم لا؟؛ لأن ذلك يؤدي إلى تجهيل موسى عليه السلام، وإذا ثبت جواز رؤية موسى له ثبت رؤية غيره له.
فإن قيل: إن موسى عليه السلام إنما سأل الرؤية لقومه لأنهم قالوا: أرنا الله جهرة.
والجواب: هو أنه لو كانت رؤية الله غير جائزة لم يجز أن يسألها موسى لنفسه ولغيره، وكان يجب عليه أن يرد عليهم قولهم ويجهلهم في ذلك، كما رد قولهم: ﴿ٱجْعَل لَّنَآ إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨].
فإن قيل: قوله: ﴿أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] معناه: أعلمني اضطراراً؛ لأن الرؤية قد تكون بمعنى العلم.
والجواب عن ذلك: هو أن هذا سؤال فاسد؛ لأن الرؤية إذا كانت بمعنى العلم لا تُعدَّى بحرف، وإنما يُعدَّى بحرف الجر رؤية العين.
وجوابٌ آخر: وهو أن معنى قوله: ﴿لَن تَرَىٰنِى﴾ أي: لن تراني في الدنيا، و﴿لَن تَرَىٰنِى﴾ أي: لن تراني محدوداً.
واحتج بأن قال: لو كان مرئياً لكان جسماً محدوداً مقابلاً.
والجواب: هو أنه قد ثبت كونه رائياً لنا، وليس بجسم ولا مقابل ولا محدود، وكذلك نراه، وإن كان ليس بجسم ولا مقابل ولا محدود.
وجوابٌ آخر: وهو أنه قد يقابلنا ما لا نراه، وهم الملائكة والجن، ونرى ما لا نقابله وهو الجوهر والأعراض، فبطل أن يكون نفي المقابلة يدل على نفي الرؤية.
واحتج أيضاً بأن قال: لو كان مرئياً لكان في جهة، أو حالاً فيها، أو فيما هو في جهة.
والجواب: هو أن هذا يبطل بالأعراض من الألوان المرئية؛ فإنها ليست في جهة، فلا يصح وصفها بذلك؛ لأنه وصف لموجود بأنه في جهة متحيز فيها، وشاغلاً لها، والأعراض لا تتجزئ في محلها ولا يشغله عن جواز وجود غيرها.
وكذلك أيضاً، لو كان من شرط المرئي كونه حالاً فيها، أو هو في جهة، لوجب أن لا يصح رؤية الشيء من الجواهر والأجسام؛ لأنها ليست بحالة فيها، ولا هو بحال فيما هو في جهة، ولا يصح وصفها بذلك، وإذا كان كذلك بطل ما قالوه.