ونصف الله تعالى بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ورسوله ﷺ
فَصْلٌ
وَنَصِفُ الله تعالى بما وَصَفَ به نَفْسَه في كتابه وعلى لسان نبيه ورسوله ﷺ، كقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، وكقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، و ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٦]، و ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩، التوبة: ١٠٠، المجادلة: ٢٢، البينة: ٨].
وكقوله ﷺ: «يَنْزِلُ الله تعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه سؤله، هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه»، وقوله ﷺ: «عجب ربنا من شاب ليس له صبوة»، وقوله ﷺ: «ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب خيره»، فهذا وما كان في مثاله مما ثبت صحته في مسانيد صحاح عن النبي ﷺ، فمذهبنا فيه ومذهب السلف الصالح الإيمان به واجب، وإمراره كما جاءنا من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تغيير.
قال الإمام أحمد رحمه الله في أخبار الصفات: «أمِرُّها كما جاءت». وسأله رجل عن قوله ﷺ: «ينزل الله تعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا»، فقال: الحديث صحيح، فقال: ينزل قدرته أم ذاته؟ فقال: ويلك مالك ولهذا! أَمِرَّ الحديث كما جاء ولنا بالآثار من السلف أسوة حسنة. قال عبدالله بن المبارك: عليك بالأثر من السلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك بالقول؛ فإن الأمر ينجلي وأنت منه على صراط مستقيم.
وقد أخبرنا الباري تعالى أن في كتابه محكماً ومتشابهاً، وأن المتشابه هو الذي لا يعلم تأويله إلا الله، وأمرنا بالإيمان به، ومدح القائلين بالمتشابه: آمنا به، وذم من التمس تأويله، ونهى أن يُتبع تأويله وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ﴾ [آل عمران: ٧].
وأجمع المفسرون والقراء على أن الوقف تام على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ﴾ [آل عمران: ٧]، وأن قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] واوه واو استئناف؛ فإن معناه: والراسخون في العلم يقولون آمنا به.
والذي يدل على صحة هذا التأويل ما روى ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه من القرآن فهم الذين في قلوبهم زيغ».
فإذا قالوا: إن العلماء يعلمون تأويله فقد أضمروا الفعل والمفعول والعربي من شأنه أن لا يضمر الفعل والمفعول معاً فلا يقول: عبدالله يعني: عبدالله ضرب عمراً، فلا يضمرون الفعل والمفعول؛ لأنه يكون تقدير الكلام على قولهم: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يعلمون قائلين آمنا به وهذا خلاف جميع أهل اللغة.
فإن قيل: كيف يصح إيماننا بما لا يحيط علمنا بكيفيته وكيف يتعاطى معرفة ما لا يدرك في عقولنا.
والجواب: هو أنا نقابل هذا بمثله فنقول: كيف السبيل إلى طلب ما لا سبيل إلى كيفيته ولا نقدر على تمثيله بعقولنا ولا تصويره بأفهامنا لأنه تعالى قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ومن ليس كمثله شيء فلا سبيل إلى معرفة كيفيته وإدراك صفاته ولا إلى احاطة ماهيته وماهية ذاته.
وجواب آخر: وهو أنه لا يمتنع أن يلزمنا الإيمان بأشياء لا نعلم كيفيتها ولا يكون ذلك قادحاً في إيماننا.
الدليل عليه أنه يلزمنا الإيمان بالجنة والنار وبجميع ما فيهما من النعيم والعذاب وإذا كنا لا نحيط بكيفيتهما وبكيفية ما فيهما من التفضيل على التفصيل لأن النبي ﷺ قال: «يقول الله تعالى: أعددت لعبادي المؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر».
فما لم تره العين ولا سمعت صفته الأذن ولم تخطر ماهيته على قلب بشر غير معلوم الكيفية، ثم لزمنا الإيمان به وإن جهلنا بمعرفة كيفيته ولكن لا يقدح ذلك في إيماننا به، وكذلك أيضاً يلزمنا الإيمان بصفات الله وإمرارها كما جاءت وإن كنا لا نحيط علماً بكيفيتها.
وقد تأولت المبتدعة صفات الباري وحملتها على مقتضى عقولهم وعلى اشتقاق اللغة وخرجوا في ذلك إلى التشبيه والتعطيل ونحن نبين ذلك فيما بعد إن شاء الله.
فمن ذلك أنهم قالوا: الوجه عبارة عن جملة الذات ولا يوصف الباري بأن له وجهاً.
دليلنا على إثبات وصف الله تعالى بالوجه: قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ﴾ [البقرة: ١١٥].
فإن قيل: المراد به الذات وكني بالوجه.
قلنا: الجواب عنه أنه أضافه إلى ذاته والشيء لا يضاف إلى نفسه ولأن المضاف والمضاف إليه شيئان.
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] وقال: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ﴾ [الليل: ٢٠].
والجواب: هو أن معنى الآية: إنما نطعمكم لله الذي هو موصوف بالوجه.
دليل ثاني: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «آخذ غداً بحلقة باب الجنة فيستقبلني وجه الجبار فأخر له ساجداً» وذكر الخبر بطوله.
وأيضًا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «النظر إلى وجه الله تعالى واجب لكل نبي وصديق وشهيد».
واحتج المخالف أيضًا بأن قال: وجه الشيء في اللغة عبارة عن جملة الشيء.
والجواب: هو أن هذا قول لم يقله أحد من أهل اللغة بل يقولون: وجه الثوب ووجه المتاع ووجه القوم وليس المراد منه جملة القوم والمتاع والثوب.
واحتج: بقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٦-٢٧].
والجواب: هو أنه ليس فيه دلالة على أن المراد بالوجه الذات وإنما المراد به الوجه؛ لأنه حذف المضاف إليه وأقام المضاف مقامه والدليل على أن المراد به ليس الذات هو أنه أضاف الوجه إلى ذاته والشيء لا يضاف إلى نفسه باتفاق جميع أهل اللغة.
واحتج أيضًا بأن جميع أهل العربية يقولون: فعلت ذلك لوجه الله وفعلت ذلك لوجه فلان يريدون بذلك ذاته ويقولون: هذا وجه الرأي ووجه الطريق يريدون بذلك نفسها.
والجواب: هو أنا قد بينا ما قاله أهل اللغة وأن الوجه ليس المراد منه جملة الذات. وأما قوله: فعلت ذلك لوجه الله، قلنا: ليس المراد به ذاته وإنما المراد به طلباً لرضاه ولرحمته. وأما قوله: فعلت ذلك لوجه فلان، قلنا: ليس المراد به ما يرومونه من الذات وإنما المراد به فعلت ذلك لكرامته. وقولهم: هذا وجه الرأي ووجه الطريق أي: قصد الطريق وليس المراد به ذاته كما ذكروه.
وتأوَّلوا اليد على القدرة والنعمة واستدلوا على ذلك بأنهم قالوا: لفلان عندي يد أي: نعمة ولفلان علي يد أي: قدرة.
والجواب: أنه لو كان هذا من معتزلي فلا يصح؛ لأن عنده ليس لله قدرة، وإن كان هذا من أشعري فالجواب عنه من وجوه كثيرة:
أحدها: أن عندنا وعندهم أن لله تعالى قدرة واحدة يقدر بها على المقدورات كلها فإذا حملوا اليد على القدرة أفضى ذلك إلى أن يكون له قدرتان وهذا لم يقل به أحد من أهل الملة.
وجواب ثان: هو أنه لو كان المراد به القدرة لم يفضل آدم على إبليس؛ لأن الله تعالى خلق إبليس بقدرته وبكلمته فلما فضل آدم ﷺ بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ﴾ [ص: ٧٥] دل على أنه ليس المراد باليد القدرة ولا يجوز حملها على النعمة أيضاً؛ لأن لله تعالى أنعاماً كثيرة غير محصورة ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ﴾ [إبراهيم: ٣٤، النحل: ١٨] وقال هاهنا: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ﴾ [ص: ٧٥] فدل على أن المراد به ليس ما ذكروه.
فإن قيل: المراد به نعمتي وذلك أنه أسجد له الملائكة كما أسجدهم لنفسه وجعله أبا الأنبياء والرسل وهاتان نعمتان عظيمتان تفضل بها آدم على كل مخلوق قبله وبعده.
والجواب هو: أن الله تعالى قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ﴾ فأثبت له تلك الكرامة في بدء خلقه وما بينوه من إسجاد الملائكة له إنما كان بعد خلقه ونفخ الروح فيه.
ولأنه إسجاد لغيره له لا يوجب تفضيله على غيره من الأنبياء وإبراهيم ﷺ أبو أنبياء كثيرة ولا يدل ذلك على تفضيله على خاتم الأنبياء محمد ﷺ.
وعلى أن ما ذكروه مجاز وما ذكرنا حقيقة وحمل كلام الباري على الحقيقة أولى من حمله على المجاز.
وجواب ثاني: هو أن الأخبار المتواترة عن النبي ﷺ ترد ما تأولوه فروي في الحديث: «إن الله تعالى خلق آدم بيده وغرس شجرة طوبى بيده وكتب التوراة لموسى بيده وبنى جنة عدن بيده».
وتأولوا السمع والبصر على العلم والإدراك. وذلك تأويل فاسد؛ لأن عند المعتزلة ليس لله تعالى علم ولا إدراك، وأما عند الأشعرية أنه له علما؛ فلا يجوز حمل السمع والبصر على الإدراك؛ لأنه يفضي إلى إسقاط صفاته ونفي ما أثبته لنفسه لأنه تعالى أثبت لنفسه علماً وإدراكاً بقوله: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ﴾ [النساء: ١٦٦] وأثبت لنفسه سمعاً وبصراً بقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] فإذا حملوا السمع والبصر على العلم والإدراك أفضى ذلك إلى إسقاط صفات الباري وذلك تعطيل وزندقة.
وتأولوا حديث النزول بنزول القدرة فقالوا: تنزل قدرته، وهذا تأويل فاسد من وجوه:
أحدها: أنه قال: «إن الله ينزل» ولا يسمي القدرة باسمه.
الثاني: أنه قال: «ألا هل من سائل فأعطيه سؤله ألا هل من مستغفر فأغفر له ألا هل من تائب فأتوب عليه» والقدرة لا تقول ذلك.
فإن قيل: معنى الحديث: أن الله تعالى ينزل الملائكة -بضم الياء-.
والجواب: هو أن هذا أيضاً دليل فاسد؛ لأن الملائكة لا يتوبون على العباد ولا يغفرون لهم ولا يعطونهم وإنما يفعل ذلك الباري تعالى.
وتأولوا النفس على الغيب ولا يجوز حمله على ذلك لأنه على خلاف الحقيقة وخلاف الظاهر وحمل كلام الله تعالى على حقيقته وظاهره أولى من حمله على غير حقيقته وظاهره ونحن وإن رددنا تأويله وبينا فساده فلسنا نكيف صفات الباري بل نثبتها إثبات وجود لا إثبات كيفية وتحديد كما أثبتنا ذاته لا كالذوات.