وأن أسماء الله تعالى جميعها غير مخلوقة

فَصْلٌ
وأن أسماء الله تعالى جميعها غير مخلوقة، أسماء الذات كقوله تعالى: أحدٌ، فردٌ، صمدٌ، وإلى غير ذلك، وأسماء الأفعال كقوله تعالى: خالقٌ، رازقٌ، ومحيي، مميتٌ، وما كان في معناه.

وقالت الأشعرية: أسماء الذات قديمة، وأسماء الأفعال مخلوقة. وقال ابن فورك من الأشعرية: جميع الأسماء مخلوقة، سواء كانت أفعالية أو ذاتية. وقالت المعتزلة: جميع الأسماء مخلوقة كما قال ابن فورك.

دليلنا على المعتزلة: هو أن أسماء الله تعالى لو كانت مخلوقة لجاز أن يقال بأن الباري سبحانه وتعالى كان غير مسمى في قدمه بشيء منها، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال: إنه لم يكن متوحداً في قدمه ثم توحد؛ إذ لا يجوز وجود الصفة مع عدم الاسم، وإذا قال: إنه تعالى غير مسمى في قدمه بهذه الأسماء لوجب على هذا التقدير حدث الصفات، وهذا ظاهر الفساد.

وأيضاً فإن الأسماء لو كانت محدثة فلا تخلو إما أن يكون أحدثها الباري جل جلاله في ذاته أو في ذات غيره، أو أحدثها في أنفسها، فلا يجوز أن يكون أحدثها في ذاته؛ لأن ذات الباري تعالى ليست بمحل للحوادث، ولا يجوز أن يكون أحدثها في ذات غيره؛ لأنه لو جاز ذلك لجاز أن يسمى بها من أحدثها في ذاته، فكان أن يقال له: أحدٌ، فردٌ، صمدٌ، فيؤدي ذلك إلى أن يكون نظيراً للباري تعالى، وأنه ممتنع بإجماع الأمة. ولا جائز أن يكون أحدثها في أنفسها؛ ضرورة كونها لا تقوم بأنفسها، إذ قد بينا أن الاسم صفة للمسمى، والصفة على هذا التقدير لا تقوم بغير الموصوف، وإذا بطلت هذه الأقسام ثبت قدمها بكل حال، وفيما ذكرناه دليل على الأشعرية.

فإن قالوا: إذا قلتم بأن أسماء الأفعال قديمة أفضى ذلك إلى أن يكون خالقاً ورازقاً ومحيياً ومميتاً فيما لم يزل، ولو جاز ذلك لبطل تفرده بالقِدَم، وإذا بطل هذا ثبت أنها محدثة.

والجواب: هو أن هذا يوجب أن يكون عنده أسماء الذات قديمة لوجود معانيها في القِدَم، وهو لا يقول بذلك.

وأما ما ذكروه من الاعتراض في أسماء الأفعال، فلا يمتنع أن يسمى الشيء باسم الشيء إذا تحقق وجوده منه في الثاني، وإن لم يوجد منه في الحال. الدليل عليه هو أن العرب تأخذ السيف من بين يد الصيقل فتهزه وتقول: هذا سيف قطوع، فتصفه لتحقق وجود ذلك في الثاني وإن لم يوجب القطع في الحال، وكذلك ترى خبزاً كثيراً وماءً كثيراً، فتقول: خبز مشبع، وماء مُرْوٍ، فتصفه في الحال لتحقق وجوده في الثاني، وكذلك الباري تعالى يجوز أن يسمى بهذه الأسماء في قِدَمه لتحقق وجودها في الثاني.

فإن قيل: إذا قلتم: إن الأسماء قديمة أفضى ذلك إلى أن يكون ثمَّ قديمان، وإذا أفضى إلى ذلك أفضى إلى أن يكون لنا ربان، وأنه محال.

والجواب: أنه ليس إذا ساوت الصفة الموصوف من وجه يجب أن تساوي من جميع الوجوه؛ ألا ترى أن صفات أحدنا تساويه في كونها محدثة مثله، ولن تساوه في كونها حيواناً ولا إنساناً، فكذلك أسماء الله تعالى ساوته في كونها قديمة، ولم تساوه في كونها أرباباً، وقد استوفينا الكلام في ذلك في كتابنا الكبير، والغرض هاهنا الاختصار.
ئەثەری پێشووتر