وأن كل كتاب أنزله الله تعالى على نبي من الأنبياء فهو غير مخلوق

فَصْلٌ
وأن كل كتاب أنزله الله تعالى على نبي من الأنبياء فهو غير مخلوق، وكذلك جميع العلوم والسُّنة التي أُنزلت على محمد ﷺ، فإن كل ذلك غير مخلوق.

وقالت المعتزلة: جميع ذلك مخلوق.

وقالت الأشاعرة: لفظها مخلوق، ومعانيها قديمة.

دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾[الأحزاب: ٣٤]. قال قتادة: آيات الله هي القرآن، والحكمة هي السُّنة.

وأخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن علي الزيدي إجازة ثنا ابن بطة العكبري قال ثنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار قال حدثنا أحمد بن منصور الرمادي قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] قال: آيات الله هو القرآن، والحكمة هي السُّنة.

وحدثنا الشيخ أبو بكر محمد بن بكير التنوخي بمسجد أبي صالح بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: «ينزل جبريل عليه السلام فيلقنني السُّنة كما يلقنني القرآن».

وعن حسان بن عطية أنه قال: ينزل جبريل على رسول الله ﷺ بالسُّنة كما ينزل بالقرآن.

وروي أن اليهود سألوا النبي ﷺ عن خير البقاع وشرها، فقال: «ما المسؤول فيها بأعلم من السائل حتى أسأل جبريل عليه السلام»، فسأله فقال: «ما المسؤول بأعلم من السائل حتى أسأل رب العالمين»، فسأله فنزل جبريل عليه السلام على النبي ﷺ فقال: «يا محمد، لقد دنوت من الله تعالى دنواً ما دنوت مثله حتى كان بيني وبينه سبعون ألف حجاب من نور، فسألته عن خير البقاع وشرها، فقال لي تعالى: خيرها المساجد، وشرها الأسواق»، يعني: خير البقاع المساجد، وشر البقاع الأسواق.

وروي عن إسحاق بن عيسى أنه قال: سمعت مالك بن أنس رضي الله عنه يقول: «كنا نعيب الجدال في الدّين، ونقول كلما جاءنا رجل هو أجدل من رجل أردنا أن نترك ما جاءنا به جبريل عليه السلام»، يريد بذلك السُّنة.

وروي أيضاً عن النبي ﷺ أنه قال: «من فسر القرآن برأيه فقد تبوء مقعده من النار»، ومن المعلوم أنه كان يفسره بالسُّنة، فلو كانت السُّنة من رأيه لكان قد نَهى عن فعله.

وأيضاً فإن النبي ﷺ بيَّن أن الكتب الذي أُنزل قبله أكثرها عِلماً وحكمة، ولهذا قال ﷺ: «كان فيما أُنزل على الأنبياء من قبلي: إدخالك ليديك بين لحيي الأسد وإخراج طعمه أحب إليك من طلب الحاجة من اللئيم، وقد تعود الفقر في صباه»، وسأله أبو ذر الغفاري رضي الله عنه قال: يا رسول الله، ما كانت الكتب التي أنزلت على الأنبياء من قبلك؟ فقال: «كانت حِكَماً كلها، وكان فيها: عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن أيقن بالحساب كيف لا يعمل، وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، وكان فيها: أيها الملك المسلط إني لم أبعثك لتأخذ الدنيا بعضها فوق بعض، وإنما بعثتك لترد عني دعوة المظلوم ولو كانت من كافر»، وهذا هو نظام السنة التي أنزلت على رسول الله ﷺ.

فأما قوله ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي»، فمعناه: عليكم بالسنة التي أنزلت علي، وأضافها إليه للاختصاص بنزولها عليه، وأضافها إلى أصحابه بعده؛ لأنهم لزموا التمسك بها، وقد قيل: إن المراد منه اجتهادي واجتهاد خلفائي الراشدين من بعدي، وإذا ثبت أنها منزلة من الله تعالى، ثبت أنها غير مخلوقة لما ذكرنا.
ئەثەری پێشووتر