في حروف المعجم: كلها غير مخلوقة كيفما تصرفت
فَصْلٌ
في حروف المعجم: كلها غير مخلوقة كيفما تصرفت.
وقالت الأشاعرة والمعتزلة: الحروف كلها مخلوقة وحروف كلام الله مخلوقة.
وجهل قوم ينتحلون مذهب أهل السنة وقالوا: إنها قديمة في القرآن مخلوقة في غيره، فجمعوا بين الضدين في واحدة، وزعموا لجهلهم أن الأئمة كأحمد والشافعي وغيرهما من الأئمة لم ينصبوا على ذلك دليلاً، فإن الكلام فيها محدث، وهم مخطئون في قولهم؛ لأنهم عجزوا عن البحث في الأصول وآثار النبي ﷺ، وقد روي في ذلك أخبار ونصوص كثيرة، نذكر بعضها حتى لا يطول الفَصْل، والكلام علينا.
فالدليل على قدمها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، ومن المعلوم أن «كُن» حرفان، فلو كان حرف «كن» مخلوقاً لاحتاجت إلى «كن» أخرى، والأخرى إلى أخرى، ويفضي إلى التسلسل، بحيث ما لا يكون له نهاية، وذلك باطل.
والدلالة التي قد تقدمت تدل على ما ذكرناه؛ لأنه قد ثبت بذلك الدليل أن كلام الله حروف، وقد ثبت بالدليل المقطوع أن كلام الله تعالى غير مخلوق، والحروف هو كلام الله تعالى فلا يكون مخلوقاً.
دليلٌ ثان: ما أجازه لي الشريف أبو القاسم علي بن محمد بن علي العلوي الزيدي بإسناده أن عثمان بن عفان رضي الله عنه سأل النبي ﷺ عن الحروف فقال: يا رسول الله، ما معنى أ ب ت ث؟ فقال ﷺ: «يا عثمان، الألف من اسم الله الذي هو الباري، والتاء من اسم الله الذي هو المتكبر، والثاء من اسم الله الذي هو الوارث، والجيم من اسم الله الذي هو الجليل، والحاء من اسم الله الذي هو الحليم، والخاء من اسم الله الذي هو الخالق».
وكذلك عَدَّ إلى آخر الحروف. فذكر أنها من أسماء الله تعالى وصفاته، وأسماء الله تعالى وصفاته غير مخلوقة، فدل على أنها غير مخلوقة.
وأخبرني الشريف أيضاً بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سألت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، ما معنى أبجد هوز حطي كلمن سعفص كذلك إلى آخرها؟ فقال عليه من الله السلام: «الألف من آلاء الله، والباء من بهجة الله، والجيم من جمال الله، والدال دين الله، وأما هوز الهاء من الهاوية، وواو ويل لمن هو فيها، وحطي هو حطوط المخطئين من المذنبين من أمة محمد ﷺ، كلمن كلم الله موسى تكيماً، سعفص صاع بصاع، كما تدين تدان، قرشت أقر آدم بالسيئات فغفر له، وكتب جل جلاله في اللوح المحفوظ».
وروى هذا الحديث بعينه عبد العزيز بن النصيبي المقيم ببيت المقدس بإسناده، أن شمعون بن لاوي نظر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، معي مسائل قد صعب على الأنبياء قبلك، فإن أخبرتني بهن آمنت بك، فلما استأذن من النبي ﷺ فسأله عن أبجد، فأجاب بهذا الجواب.
وروى ابن قتيبة في كتابه المعارف أن الله تعالى عوض آدم عليه السلام عن ولده المقتول شيئاً، وأنزل عليه تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، وأنزل عليه حروف المصحف في إحدى وعشرين صحيفة، وساق ذلك النحاس في كتاب التاريخ.
وأما نصوص الأئمة فقال الإمام أحمد رحمه الله في رسالته إلى أهل نيسابور وأهل جرجان: من زعم أن حروف التهجي مخلوقة فهو كافر؛ لأنه سلك طريقاً إلى البدعة، ومتى حكم بذلك وقال: إنه مخلوق؛ فقد حكم بأن القرآن مخلوق.
وروي عنه أيضاً من رواية أخرى أن رجلاً قال عنده: إن الله تعالى لما خلق الحروف انخفضت اللام، وانتصبت الألف فقالت: لا أسجد حتى أومر، فقال الإمام أحمد رحمه الله: هذا كُفر من قائله، وكفّر من قال بخلق الحروف.
وروي عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال: لا تقولوا بحدث الحروف؛ فإن اليهود أول ما هنكت كان بهذا، ومن قال بحدث حرف واحد فقد قال بخلق القرآن.
وقد روي في ذلك ما يطول شرحه، والاختصار به أولى لأن هذا موضع الاختصار.
وأما من حيث الاستدلال فيقال لهم: هل هي محدثة في القرآن أو قديمة فيه؟، فإن قالوا: محدثة فيه؛ فكلامنا معهم في القرآن، وقد قدمنا الدلالة على أن القرآن غير مخلوق مع كونه حروفاً؛ فإن قالوا: هي قديمة في القرآن مخلوقة في غيره ومحدثة أيضاً في غيره، قلنا لهم: إن الشيء الواحد لا يكون قائماً قاعداً؛ لأن القديم هو ضد المحدث، والمحدث ضد القديم، والضدان لا يجتمعان في عين واحدة، كما لا يجوز أن يقال للشخص: قائم قاعد في حالة واحدة، ولا للسواد: إنه أبيض أسود في حالة واحدة، فكذلك لا يجوز أن يقال للحروف: إنها مخلوقة وغير مخلوقة، وإذا بطل هذا ثبت قِدَمها بكل وجه.
ويقال: بأن حد المحدث: ما لوجوده أول، وحد القديم: ما ليس لوجوده أول، فكيف يجوز أن يقال بأنها موجودة في القِدَم غير موجودة فيها؛ لأنه محال لا محالة.
وأيضاً فإنها لو كانت مُحدثة لكان لها مُحدِث لا محالة، ومُحدِثها إن كان أحد من الخلق، فيقال لهم: أكان متكلماً بحروف أو بغير حروف، فإن قال: كان متكلماً بغير حروف، فيكون قد قالوا محالاً، وأنكروا الحقائق المشاهدة ضرورة؛ لكونه لا يتصور في العقل أن يتكلم المتكلم بغير حروف يشاهد.
وإن قالوا: لا؛ فيبطل أن يكون لها مُحدِث لوجودها قبله؛ لأنه لا يجوز وجود البناء قبل وجود البانية ضرورة احتياجه إليها.
وإن قالوا: إن الله تعالى أحدثها إياها. فنقول: أكان الله تعالى قبل إحداثه غير متكلم أم لا؟.
فإن قالوا: نعم، فيكونوا قد أثبتوا في حقه ضد الكلام وأنه نقص، والنقص عليه محال.
وإن قالوا: لا بل كان متكلماً، فنقول: الكلام لا يكون إلا بحرف وصوت إلا عند الأشاعرة، فإن عندهم أن الساكت والأخرس متكلم، وكل ذي عقل يكفيه دليل الحس والمشاهدة في دفع هذه المقالة الفاسدة عن إيضاحه.
واحتج بعض الجهال أيضاً بأن قالوا: لو كانت قديمة لجازت الصلاة بها.
والجواب قلنا: وهل يجوز إلا بها؛ لأن القرآن إنما هو الحروف، والأصوات لا تجوز إلا بهذه الحروف.
وإن أرادوا بالحروف الحروف المنقطعة المفردة، فنقول: ليس إذا لم تجز الصلاة إلا بها دالاً على حدثه، ألا ترى أن الصلاة لا تجوز بغير الحمد، أو نقول: إن الصلاة لا تجوز بغير القرآن، أو كان غير مخلوق مثل التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب ولم يدل ذلك على حدثه وخلقه، فلو كان كل ما لم تصح الصلاة به مخلوقاً لكان ما ذكرنا من الكتب مخلوقاً، وأنه ليس كذلك.
واحتج أيضاً المخالف بأن قال: إذا قلتم: إنها قديمة في كلام الله تعالى وغيره، فما الفرق بين كلام الله تعالى وكلام الآدميين؟.
والجواب: هو أن الفرق بينهما واضح بَيِّن، وذلك أن كلام الله تعالى ليس فيه شيء مخلوق، وكلام الآدميين النظم فيه مخلوق، والنظم هو كلام الآدمي.
والدليل عليه أن الشاعر إذا أتى بحروف مقطعة -أو المتكلم- لا يكون ذلك كلاماً وشعراً، فعلمنا بذلك أن الشاعر هو الناظم للحروف، والنظم مخلوق منه، والحروف غير مخلوقة، وقيام النظم بالحروف لا يدل على حدث الحروف.
كما أن الأشاعرة قالوا: إن المتلو هو قائم بالدلالة، ولا يدل ذلك على حدثه عنده، كذلك هاهنا.
ويبين صحة ما قلنا ويوضحه هو أن النظم لَما كان من الآدمي وفق وجوده عليه، والحروف لما وُجد قبله دل على أنه ليس منه.
والفرق الثاني: هو أن كلام الله تعالى ليس بعَرَض، وما يوجد منا من النظم هو عرض.
دليلٌ آخر: هو أن الحروف لو كانت محدثة لكانت عرضاً، والعرض عند المتكلمين لا يبقى زمانين، فيجيء على قول هذا القائل أن كل واحد منا أحدث تسعة وعشرين حرفاً، فيلزم أن يقول: إن الألف التي في قول المتنبي: "أبلى الهوى أسفاً"، غير الألف التي في: "ألا أنعم صباحاً". وأنَّ الطاء في قوله: أنتِ طالق، غير الطاء التي في الطلب، ولم يقل هذا أحد من أرباب العقول، ولا من المتكلمين أحد ذهب إلى هذا.
وأيضاً فإن القرآن قد يقوم بنا، ويظهر عند تحريك الآيات من الأنياب، ولا يخرجه ذلك عن القدم إلى الحدث، فكذلك الحروف.
واعترض بعضهم بأن قال: تكرارها يجري مجرى وجودها ذات عدد؛ كقوله: ب ب ب، فزعم أن هاهنا ثلاث باءات. وقائل هذا اعتراه جنية حينما لفظ بهذا، ويلزمه على قوله أن رجلاً لو قال بأن اسمه: محمد، فقال رجل: محمد محمد محمد؛ لجاز أن يكون ثلاثة أسماء كلها محمد، وهذا ظاهر الفساد.
واحتج آخر بأن قال: لنا تسعة وعشرون حرفاً بالسريانية.
فالجواب: هو أنه لو جاز ذلك، لجاز لقائل أن يقول: القرآن إذا قرأ سبعة أحرف، يكون لنا سبعة كتب، وهذا القول ظاهر الفساد، بل هي لغات مختلفة، والحروف واحدة.
واحتج بأن قال: إن الأمة أجمعت على جواز ابتذال حساب البقال، وعلى تكريم ما فيه شيء من القرآن، وليس هذا إلا الحروف في أحدهما مخلوقة، وفي الآخر غير مخلوقة، وهذا محال جداً.
والجواب: هو أنه جاز ابتذال ما كتب فيه كلام الآدميين؛ لأجل المشقة والحاجة؛ لأن الحروف تبع لما هو محدث من النظم والمداد، فاكتسب من المتبوع الابتذال، ولم يدل ذلك على حدث الحروف. كما أنَّا أجمعنا على أن الحبر والمداد مخلوقان، فإذا صار تبعاً للقرآن والرق في المصحف اكتسب منه الحرمة في منع الابتذال لكونهما تبعاً له، ولم يدل ذلك على قدم الحبر والمداد فكذلك لا يدل على حدث الحروف.
فإن قيل: فنجده أنه لا يثاب على الحروف كما يثاب على القرآن.
والجواب: هو أنا لا نُسَلِّم أنه لا يثاب على الحروف، بل نقول: إنه يثاب بقراءة القرآن.
وجوابٌ آخر: وهو أنه إنما لم يثب بذلك؛ لأنه لا تنعقد فيها الحرمة، ولأن الحائض والجنب لا يثابان على قراءتهما، وإن كان القرآن غير مخلوق فلم يدل عدم الإثابة على عدم القِدَم.