وأن الكتابة هي المكتوب، وأن ما في المصاحف وصدور الرجال وألواح الصبيان، وفي اللوح المحفوظ
فَصْلٌ
وأن الكتابة هي المكتوب، وأن ما في المصاحف وصدور الرجال وألواح الصبيان، وفي اللوح المحفوظ وغير ذلك كلام الله تعالى، وأن القرآن منظور لأعيننا، محفوظ في قلوبنا، ومسموع بآذاننا، ومخطوط بأيدينا.
وقالت الأشاعرة بخلاف ذلك كله، حتى إنهم قالوا ليس في المصحف، ولا في صدور الرجال، ولا في ألواح الصبيان، ولا في اللوح المحفوظ قرآن، وأن جميع ذلك لديهم مخلوق، وهذا يريدون بقولهم أن الكتابة غير المكتوب، وعندهم الكتابة غير المكتوب.
دليلنا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١-٤٢] فسمى الله تعالى المكتوب كتاباً.
دليلٌ ثان: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٧-٨٠]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ﴾ [الطور: ١-٣]، وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١-٢٢]، وحرف "في" عند جميع أهل اللغة هو حرف وعاء، كقولهم: المال في الكيس، وزيد في الدار. وهذا يقتضي على أن اللوح والرق والصدور وعاء للقرآن، وعندهم ليس فيها قرآن.
دليلٌ ثان من هذه الآية: قوله تعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ فأخبر تعالى أنه لا يُمس، وعندهم أيضاً لا يُمس، ولا يمتنع من المس إلا المكتوب، فدل على أنه هو القرآن.
دليلٌ ثالث: ما روى ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو».
ولا شك ولا خفاء أن مقصود النبي ﷺ بقوله؛ أن لا يناله العدو، وكان إشارة إلى المصحف ضرورة كون أن العدو لا ينال لما في الصدور.
دليلٌ رابع: ما روى عمرو بن حزم عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يمس المصحف إلا طاهر»، وفي لفظ آخر: «لا يمس القرآن إلا طاهر». فإنه ثبت أن ما في المصحف قرآن، وأنه نهى عن مسه، فثبت أن النَّهي لم يقع إلا عن مس القرآن، ضرورة جواز المس لغيره وعدم ورود النهي عنه.
دليلٌ خامس: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تكتبوا القرآن إلا في شيء طاهر»، وروي أن ابن عباس رأى رجلاً يمحو اللوح برجله، فقال: «لا تمح القرآن برجلك»، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «لا وحي إلا القرآن، ولا وحي إلا المصحف»، وهذا كله دليلٌ على أن ما في المصحف هو القرآن لما ذكرنا من الدليل.
وعند الأشعرية: ليس في المصحف قرآن ولا في غيره، وأن ما فيه كتابة القرآن.
والدليل على أن ما في صدور الحافظين هو القرآن قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يعذب الله قلباً وعى القرآن»، وروى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «تعاهدوا القرآن فإنه أشد تفصياً من صدور الرجال من النعم من عقلها»، وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب»، وقال النبي ﷺ للمتزوج: «هل معك شيء من القرآن؟»، قال: نعم، فقال ﷺ: «زوجتكها على ما معك من القرآن». وهذا دليلٌ على أن ما في الصدور هو نفس القرآن، وعند الأشعرية ليس فيها قرآن.
دليلٌ آخر: هو أنَّ المسلمين كلهم أجمعوا على أن ما في الصدور قرآن، وما في المصحف قرآن، حتى إنهم يقولون بعضهم لبعض: وحق ما في صدرك من كلام الله تعالى، وكذلك يقولون: وحق ما في المصحف من كلام الله تعالى، وهذا إجماع منهم على أن ما في المصحف، وما في الصدور هو القرآن.
دليل آخر: وهو أن فقهاء المسلمين كلهم أجمعوا على أن ما في الصدور القرآن؛ حتى أنهم أجمعوا على أن من حلف بما في المصحف وخالفه يلزمه الكفارة، ولو كان مخلوقاً لما وجبت عليه الكفارة.
وأما من حيث اللغة فهو أن جميع أهل اللغة سووا بين الكتابة والمكتوب، فيقولون: كتب كتاباً، وكتبت مكتوباً، فهو على حد سواء.
قال الشاعر - وقد كتب طلاقاً إلى زوجته -:
تؤمل رجعة مني وفيها كتاب مثل ما لصِق الغِراء.
يريد به طلاقاً مكتوباً فسمى المكتوب كتاباً. قال الله ﷻ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النساء: ١٠٥] يريد به المكتوب.
واحتج المخالف بأن قال: العرب تقول: ضَرْبٌ وضَارِبٌ ومَضْرُوبٌ، وقَتْلٌ وقَاتِلٌ ومَقْتُولٌ، فيجب أن يقال: كَاتِبٌ وكِتَابَةٌ ومَكْتُوبٌ.
والجواب: هو أن نقول إن هذا إثبات لغة بقياس، واللغة لا تثبت بالقياس.
وجوابٌ آخر: وهو أنك إذا قلت: كِتَابَةٌ وكَاتِبٌ ومَكْتُوبٌ، فقد أثبت أن المكتوب مفعول، وكل مفعول عندك مخلوق.
وجوابٌ آخر: وهو أنا إذا قلنا ضَرْباً وضَارباً ومَضْروباً، حصل لنا الفرق بين الضرب والضارب والمضروب، وإذا قلت: قارئٌ وقراءةٌ ومقروءٌ، وكاتبٌ وكتابةٌ ومكتوبٌ، فإنه لم يحصل الفرق بين القراءة والمقروء، والكتابة والمكتوب، كما يحصل لنا الفرق بين الضرب والضارب والمضروب، ألا ترى أن الكتابة هي تحريك قلم يد الكاتب، وإجراء قلمه في الرق، فليس عندنا ذلك الكتابة، وإنما الكتابة عندنا هي الحروف، والحروف هي المكتوب.
وإن قال: إن الكتابة هي الحروف والمكتوب هو المفهوم بالحروف، فهذا إشارة إلى أن كلام الله تعالى معنى قائم في نفسه، وقد أجبنا عن هذا فيما تقدم وأبطلناه.
واحتج المخالف أيضاً بأن قال: ما تقولون إذا كتبتم القرآن بحبر نجس، فيكون بزعمكم قد تنجس القرآن، ضرورة كون المكتوب عندكم هو القرآن، وإن قلتم إنه لا يتنجس، فيكون قد دفعتم المشاهدة، وأنكرتم الحقائق.
والجواب هو أنا نقول: ما ذكروه جهل من قائله، وكلام فاسد على الأصول كلها، وذلك لأن عند مخالفنا وعند جميع المتكلمين أن الكتابة عَرَضٌ والتنجيس عَرَضٌ، والعرض لا يقوم بعرض مثله.
وأما على أصولنا فقد بيَّنا أن القرآن ليس بجسم، ولا عرض، فلا يتعدى إليه التنجيس؛ لأن التنجيس لا يتعدى إلا إلى الأجسام والقرآن عندنا هو الحروف والأصوات، فلا يتعدى التنجيس إليها.
وجوابٌ آخر وهو أنا نقول: بأن الحبر آلة للقرآن، كما أن أفواهنا وألسنتنا آلة له، ومعلوم بالضرورة أن نجاسة أفواهنا وألسنتنا لا توجب نجاسة القرآن لما ذكرنا، فكذلك نجاسة الحبر لا توجب نجاسة القرآن.
وجوابٌ آخر وهو: أن ليس كل ما لاقى محل النَّجَسِ نَجِسٌ، والدليل على صحة هذا هو أن الشمس تطلع من مطلعها إلى وقت غروبها على النجاسات غير متعددة ومنحصرة، وكذلك الريح تهب على النجاسات من غير حصر، ومن المعلوم أن ذلك لا يوجب وقوعهما على النجاسة تُنَجِّسُهما، إذ لو كانت الشمس والريح نجساً لتنجس الحيوان الناطق وغيره إذا وقع عليه الشمس بعد وقوعه على النجاسة، ضرورة كونه وقع على النجاسة، فلما لم يؤثر ذلك في تنجسها، دل ذلك على عدم نجاسة القرآن، ضرورة كونه لم يقبل التنجيس.
فإن قيل: فتقولون بأن الحِبْر صار قديماً بعد أن كان محدثاً.
والجواب: هو أنا نقول أن القرآن عندنا ليس هو الحبر، حتى يلزمنا ما ذكرت، وإنما هو الحرف، إلا أنه لا سبيل إلى رؤية الحروف إلا به؛ لأنه لا تقوم الحروف إلا بآلة مرئية، كما أنه لا سبيل لنا إلى سماع كلام الله تعالى إلا أن يقوم بآلة ناطقة مثل اللسان، لأنه صفة والصفات لا تقوم بأنفسها، فثبت بهذا أن الحبر ليس هو القرآن، وإنما هو آلة من آلاته كما ذكرنا.
واحتج أيضاً بأن قال: لو حلف حالف على أنه لا يقرأ القرآن بقراءة أبي عمرو، ثم إنه قرأه بقراءة الكسائي حنث، ولو حلف أنه لا يقرأ بقراءة الكسائي أو بقراءة أبي عمرو، فقرأ مقروءاً الكسائي لم يحنث، فدل ذلك على الفرق بين القراءة والمقروء.
والجواب: هو أنه لا فرق بين الموضعين جميعاً في أنه يحنث، وسواء قال لا يقرأ قراءة الكسائي أو مقروءه، ومعنى قول المخالف بقوله: لا أقرأ بقراءة الكسائي، معناه أني لا أقرأ باللغة التي توافق لغة الكسائي؛ لأن القرآن نزل من سبعة أبواب على سبعة لغات ليكون ذلك حجة لبطون العرب كلها، ويكون حجة عليهم، فيكون معنى قول المخالف لا أقرؤه بلغة قريش، فإذا قرأ بغيرها لم يحنث، وإذا قرأ بها حنث. فأما أن تكون القراءة للكسائي أو لغيره فلا.
واحتج المخالف أيضاً بأن قال: لو حلف حالف، على أنه لا يخرج عنه يومه حتى يفعل فعلاً من أفعال الخير، فقرأ في يومه القرآن، ولم يفعل غير ذلك شيئاً آخر، فإنه لم يحنث بذلك، فدل ذلك على أن القراءة فعله وكسبه، وكل ما صدر منه شيء يسمى فعلاً فهو مخلوق، فكذلك ها هنا.
والجواب هو أنا نقول: لا نُسَلِّم ذلك منهم، بل نمنعه فنقول إنه يحنث بذلك عندنا؛ لأن التلاوة والقراءة ليستا فعلاً له، قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً﴾ [يونس: ٦١] ففرق الله تعالى بين التلاوة والعمل، فدل على أن العمل غير التلاوة لما ذكرنا.
وجوابٌ آخر وهو أن نقول: ما ذكره باطل بالمتلو والمقروء، وكل جواب لهم عنه، فهو جواب لنا عن التلاوة والقراءة.
واحتج المخالف أيضاً بأن قال: إنا نجد بالضرورة صوتاً دقيقاً، وآخر غليظاً، وآخر حسناً، وآخر قبيحاً، ونجد بأنه يلحن تارة، ويصيب أخرى، وكلام الله تعالى لا يتغير ولا يوصف بالحسن والقباحة.
والجواب: أما قوله بأنه لا يوصف بالحسن والقباحة، ونقول ذلك محال من قائله، لأن القرآن يَرُدُّ ذلك، وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء: ١٢٢]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [فصلت: ٣٣].
وأما اختلاف الأصوات فذلك لاختلاف المخارج؛ لأن دقة الصوت إنما هو من ضيق الحناجر، وعلوه وجهره لسعة الحناجر، وحُسنه لصفاء الحناجر، وقُبحه لعلة ولمرض يكون في الحناجر، واللحن لفساد في ألسنتنا، ولا يدل ذلك على اختلاف القراءة.
والدليل على صحة هذا هو أن الكاتب إذا كان بيده رعشة وغيرها، فإنه يكتب الحروف مضطرباً، وإذا كان بيده صحة لا علة فيها ولا رعشة، فإنه يكتب الحرف مستقيماً، ولم يدل ذلك على اختلاف الآلة، وكذلك السيف الصارم إذا أخذه الضعيف لا يقطع به قطع البالغ القوي، وإذا أخذه القوي بالغ في القطع به، ولم يدل ذلك على اختلاف جوهر السيف، وإنما دل على اختلاف الآلة، وكذلك إذا أخذ قلماً غليظاً وكتب به، فإنه يكتب به خطاً غليظاً، وإذا أخذ قلماً دقيقاً وكتب به فإنه يكتب به خطاً دقيقاً، ولم يدل ذلك على اختلاف الخط في نفسه، وإنما دل على اختلاف الآلة، كذلك مسألتنا هذه.
واحتج أيضاً بأن قال: القرآن قديم وأن تلاوة التالي محدثة.
والجواب: هو أنا نقول: إن القراءة والتلاوة كلاهما قديمان؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]، وقال تعالى: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ﴾ [القصص: ٣] فأخبر تعالى أنه قارئ، والباري ليس محلاً للحوادث، وكذلك الحديث المشهور عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله تبارك وتعالى قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بكذا وكذا ألف عام، وقيل بمائة ألف عام، فلما سمعت الملائكة ذلك، قالوا بأجمعهم طوبى لأجواف تحمل هذا، وطوبى لقلوب تعي هذا، وطوبى لأمة ينزل هذا عليهم».
فأثبت أنه قارئ، فدل هذا على أن القراءة غير محدثة، ثم يسَّر ذلك الكلام على لسان الآدمي، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] فلو كانت القراءة للآدمي لَمَا صحت الصلاة بها، ولا يمنع الجنب من قراءتها، ولا وجبت الكفارة بالحلف بها، فأما أن تكون القراءة للآدمي فكلا وحاشا.
فإن قيل: فقد يقال: قراءة أبي عمرو، وقراءة الكسائي، وقراءة ابن مسعود، وقراءة عاصم، فإنه تضاف القراءة إليهم.
والجواب عن ذلك: بأن معناه يعني قراءة توافق لغة الكسائي، وتوافق لغة ابن مسعود، وتوافق لغة عاصم، فأما أن تكون القراءة لهم فكلا، وبدليل وجوده قبلهم، وذلك أن النبي ﷺ قال: «أُنزل عليَّ القرآن من سبعة أبواب على سبعة لغات كلها شاف كاف فاقرؤوا ما تيسر منه».
ثم نقول جميع ما ذكروه باطل بالمقروء والمتلو، فإن جميع ما ذكروه موجود فيه، ولا يدل ذلك على حدثه فكذلك في مسألتنا.