والدلالة على أن الله تكلم بحرف وصوت خلافاً للأشعرية في قولهم إن كلام الله ليس بحرف ولا صوت

فَصْلٌ
والدلالة على أن الله تكلم بحرف وصوت خلافاً للأشعرية في قولهم إن كلام الله ليس بحرف ولا صوت، وإنما هو المعنى القائم بنفسه، وهذا الحرف والصوت هو كلام المخلوقين عندهم.

دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَىٰهَا نُودِيَ مِن شَٰطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَٰرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يٰمُوسَىٰٓ إِنِّيٓ أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَٰلَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَنَٰدَيْنَٰهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَٰهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، والنداء عند جميع أهل اللغة لا يكون إلا بحرف وصوت.

دليلٌ ثان: قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] فوجه الحجة من الآية من وجهين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْءَانِ﴾ أشار إلى هذا القرآن، وهذا عند جميع أهل اللغة إشارة إلى شيء حاضر، فلو كان كلام الباري جل جلاله قائماً في نفسه لم يصح الإشارة إليه؛ لأنه يكون على ما ذكروه غائباً، والإشارة إلى شيء غائب بلفظ الإشارة الحاضر غير صحيح لغة وشرعاً.

والوجه الثاني من الحجة من الآية: هو أن الله تعالى امتحن الكفار حين قال: ﴿عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾، ولو كان قائماً بنفسه لما جاز للباري أن يمتحنهم بالإتيان بمثل ما ليس عندهم ولا هو حاضر عند مشاهدهم؛ لأنه لا يحسن بالحكيم أن يمتحن العقلاء بالإتيان بمثل ما في نفسه وهم لا يعلمون؛ لأنه سبحانه وتعالى انفرد بعلم ما في نفسه، وما في النفوس أيضاً؛ لأنه علم لما في الغيب، والعلم لما في طي الغيب لا يعلمه أحد إلا هو سبحانه وتعالى، ولم يطلع أحد على ما في نفسه، ولهذا قال تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وأيضاً تحديهم بالإتيان بمثل ما في نفسه يكون تكليف ما لا يطاق، وذلك على الله تعالى غير جائز، كما لا يجوز تكليف الأعمى نَقْط المصحف، ولا الزَّمِن القيام؛ لم يبق إلا أن يكون تحداهم بما سمعوه من النبي ﷺ، والذي سمعوه من النبي ﷺ سمَّاه الله تعالى قرآناً.

دليلٌ ثالث: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَٰمَ اللهِ﴾ [الفتح: ١٥] ولا يخلو الذي يقع منهم التبديل إما أن يكون كلاماً وَصِلَهم أو كلاماً لم يصلهم، ولا يجوز أن يكون الذي يقع التبديل في كلامه لم يصلهم؛ لأن ما لا يصلهم لا يتأتى تبديله ضرورة كونه ما وصل إليهم، وما كان غير واصل إليهم لا يكونوا عارفين به، ولا قادرين على الإتيان بمثله، ولا على تبديله لضرورة ما ذكرناه، لم يبق إلا أن يكون كلاماً قد وصلهم، وما قد وصلهم ليس إلا الحروف والأصوات، وقد سمَّاه الله تعالى لذلك كلاماً وقال بأنه كلامه.

دليلٌ رابع: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ اللهِ﴾ [التوبة: ٦] والمسموع ليس إلا الحروف والأصوات، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا﴾ [الأحقاف: ٢٩] فجعل الله تعالى لما يُسمع قرآناً لكونه جعله مسموعاً، والمسموع ليس إلا ما يقرأ ليس إلا الحروف، وما يسمع ليس إلا الأصوات، فدل على أنه الحروف والأصوات، ضرورة كونه مقروءاً ومسموعاً، والمقروء والمسموع ليس إلا الحروف والأصوات، فدل على أنه هو القرآن.

ولا يجوز حمله على المفهوم ولا على المعنى؛ لأن المعاني لا تُسمع وإنما تُفهم فهماً، فلما سمَّاه الله مسموعاً دل على أن القرآن هو الحروف والأصوات.

دليلٌ خامس: ما روى عمار أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب أن يسمع القرآن جديداً غضاً كما أنزل فليسمعه من ابن مسعود». وروي أن النبي ﷺ قال لابن مسعود: «اقرأ عليَّ سورة النساء» فقال: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أُنزِل، فقال رسول الله ﷺ: «إني أحب أسمعه من غيري»، فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت إلى قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، فلما وصلت عند هذه الآية بكى رسول الله ﷺ حتى ارتفع صوته بالبكاء، وقال ﷺ: «حسبي أن أكون شهيداً على أمتي».

دليلٌ سادس: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، فأخبر سبحانه وتعالى بأن كوَّن الأشياء بقوله "كُن" وهي حرفان، ولا يجوز أن يكون كونها بمعنى كُن؛ لأن ذلك المعنى هو الإرادة، والله أخبر أن الأشياء بإرادته وكلامه.

دليلٌ سابع: قوله تعالى: ﴿الٓر ۚ كِتَٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَٰتُهُۥ﴾ [هود: ١] فبيَّن أن الألف واللام والراء هي الكتاب الذي أحكمت آياته.

وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٥، الأعراف: ١٣٧، هود: ١١٩]، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]، فالكلمات هي الحروف والأصوات بدليل ما سبق ذكره.

دليلٌ ثامن: ما روى عمر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قرأ القرآن على أي حال قرأه، فله بكل حرف قرأه عشر حسنات»، وقال ﷺ: «من صلى عليَّ مرة كتبت له عشر حسنات، ومن قرأ حرفاً من كتاب الله أو كتبَ كُتبَ له عشر حسنات»، وقال ﷺ: «من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات» فأثبت على أن الحروف من القرآن.

والدلالة على إثبات الصوت ما روى البخاري في صحيحه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا كان يوم القيامة نادى الله سبحانه وتعالى بصوت: يا آدم قم فابعث بعث النار، فيقول آدم: إلهي وسيدي وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في النار وواحد في الجنة».

دليلٌ عاشر: ما روى البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا أحب الله عبداً نادى جبريل بصوته يا جبريل إني أُحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل، ثم ينشر له القبول في جميع السماء وكذلك في جميع الأرض، وكذلك إذا أبغض الله عبداً نادى لجبريل بصوته إني أبغض فلاناً فأبغضه فينشر له البغض في السماء سماء سماء وفي الأرض أرضاً أرضاً».

دليلٌ حادي عشر: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء السابعة فيخروا له سجداً، فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم -أي: إذا سكن عن قلوبهم- نادى أهل السماء السادسة أهل السماء السابعة، ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق الحق، فينادي أهل السماء؛ سماء سماء، ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق الحق».

دليلٌ ثاني عشر: ما روى عبدالله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا كان يوم القيامة يجمع الله الخلائق في صعيد واحد، فيناديهم بصوت يسمعونه من بعيد -وقيل من بُعْد- كما يسمعه من قرب، فيقول: أنا الملك أنا الديَّان».

دليلٌ ثالث عشر: ما روي أن موسى عليه السلام لما مضى ليقتبس النار رأى ناراً تفور من فرع شجرة خضراء شديدة الخُضرة، وإذا بمنادي يا موسى يا موسى، فأجاب استئناساً بلسان البشر لبيك لبيك من أنت؟ إني أسمع صوتك ولا أرى مكانك، فقال: يا موسى إني أنا ربك، فقال موسى: يا إلهي بعيد أنت فأناديك أم قريب فأناجيك، فقال: يا موسى أنا عن يمينك وأمامك وأقرب إليك من نفسك، يا موسى إني أنا الله رب العالمين.

فوجه الدليل: قوله: «إني أسمع صوتك» ولا يجوز لموسى أن يضيف إلى الله صوتاً لم يسمعه منه.

دليلٌ رابع عشر: هو أن أهل اللغة جميعاً قالوا في حد الكلام: الكلام ما ائتلفت حروفه واتسق تأليفه. ولهذا قال العرب: جاءنا الصامت والناطق؛ يريدون بالصامت الذهب والفضة، وبالناطق الشاة والإبل؛ لأن لها أصواتاً.

دليلٌ خامس عشر: هو أن الأمة جميعاً سَمَّوا الحروف والأصوات كلاماً وما عداه ليس بكلامٍ حقيقة، والدليل على صحة هذه الدعوى هو أنهم يقولون للساكت: هو غير متكلم؛ لإمساكه عن الإتيان بالحروف والأصوات، وإن كان في نفسه كلام. ولو كان الساكت متكلماً لأجل أن في نفسه كلاماً لما صح نفي الكلام عنه ضرورة كون أسماء الحقائق لا يجوز نفيها عن مسمياتها، وكذلك الأخرس.

وإذا ثبت أن حقيقة الكلام هو التكلم بالحروف والأصوات، وأن حقيقته في الحرف والصوت في الشاهد يثبت ذلك في الغائب، ضرورة أن الحقائق لا تختلف في الشاهد ولا في الغائب. والدليل على صحة هذا القول هو أنه لما كان حقيقة العالم مِنَّا له منزلة علم، لا جرم أنهم قالوا: الباري عالم بعلم حملاً على الحقيقة في الشاهد.

دليلٌ سادس عشر: هو أن الأُمّة أجمعت على الفرق بين النطق بالحرف والصوت، وبين الصمت، فقال الشاعر:

وَكائنْ تَرَى منْ مُعجِبٍ لكَ صَامتٍ زِيادتُه أو نقصُه في التّكلمِ.

ففرق بين الكلام والصمت، فدل على أن الكلام هو الحروف والأصوات. وعند الأشعرية لا فرق بين الساكت والناطق؛ لأن كلهم لديه متكلم، ومما يدل على بطلان ما قاله الأشعرية قول شاعر آخر، فإنه قال:

الصمتُ خيرٌ والسكوتُ سلامةٌ فإذا نطقتَ فلا تكن مكثاراً
ما أن ندمتُ على سكوتك مرة ولقد ندمت على الكلامِ مراراً.

والدليل على هذا ما قد دللناه على ما تقدم منها.

فإن احتج المخالف بأن يقول: قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [المجادلة: ٨] ثبت أن في النفس الكلام، وإذا ثبت أن في النفس الكلام صح ما قلنا بأن الكلام يتناول للساكت والناطق.

والجواب: هو أن معنى الآية ما قاله جمهور المفسرين لأنهم قالوا: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ كلاماً خفياً، أي: بحروفٍ وأصواتٍ خفيةٍ لا يسمعه إلا أنفسهم؛ لأن الرجل إذا تكلم قليلاً قليلاً بحيث يسمع نفسه؛ يقولون تكلم فلان في نفسه.

وإذا تكلم بحيث أن يرى منه الإشارة من حركة شفتيه يقولون فلان يتكلم في نفسه، وإن كان غير متكلم بحرف ولا صوت. والدليل على صحة هذا التأويل قوله تعالى في أثناء الآية: ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨] والقول لا يكون إلا بحرف وصوت بإجماع أهل اللغة.

وكذلك الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] بمعنى: اذكر ربك في نفسك بحيث لا يسمع صوتك سامع من الآدميين غيرك؛ لأنه قال في أثناء الآية: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].

واحتج أيضاً بأن قال: أثبت أهل اللغة على أن في النفس كلاماً بحيث أنهم قالوا: إن في نفسي كلاماً أريد أن أحدثك به. وقال الشاعر في معنى ذلك:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً.

والجواب: هو أنا نقول إن أحداً من أهل اللغة لم يُسَمِّ ما في النفس كلاماً، والدليل على صحة هذا القول نفيهم الكلام عن الساكت والأخرس، ولو كان ما قد قالوه صحيحاً لَمَا نفوا الكلام عنهم.

وأما قولهم: بأن في النفس كلاماً أريد أن أحدثك به، فنقول معناه: إن في نفسي استحضار كلام لا كونه في نفسه كلاماً حقيقةً، كما يقولون: إنَّ في نفسي بناء دار ونساجة ثوب، ومعلوم بالضرورة على أن نفس البناء والنساجة ليستا في نفسه، وإنما الذي في نفسه استحضار ذلك.

وأما ما قال الشاعر: "إن الكلام لفي الفؤاد"، فنقول معناه: أي: معنى الكلام في الفؤاد.

وجوابٌ آخر: وهو أن معناه أن الكلام على قدر العقل، وأنه دال على زيادته ونقصانه، ولهذا قال الشاعر:
وكائن ترى من معجب لك صامت زيادته أو نقصه في التكلم
قيل معناه يعني كلامه يدل على توفر عقله أو نقصانه.

واحتج أيضاً بقوله تعالى: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ [الملك: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١].

والجواب: أما قوله تعالى: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ قلنا: ليس المراد منه ما أردتم، وليس فيه دليل على أنهم يخفون في أنفسهم كلاماً؛ لأنه قد يُخفي الإنسان في نفسه إرادة وعزماً وغير ذلك، ولم يُسَمِّ الله تعالى ذلك كلاماً.

وأما قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ قلنا: فليس فيه أيضاً إثبات أن في النفس كلاماً، وإنما معنى الآية إذا كان الحق سبحانه وتعالى عالماً بما في الصدور من الضمائر والإرادات والعزم، فكيف يخفى عليه ما قد أسروا به من الكلام الذي هو الحرف والصوت، والذي يبين صحة هذا التأويل هو أنه سمى ما لم يبده قولاً، وعند أهل اللغة لا يسمى ما في النفس كلام.

قولهم أنهم يقولون فلان أملى وأنشأ، فنقول الجواب عنه ونبين؛ المراد به ليس ما في نفسه، وإنما المراد منه الكلام المُسْتَمَع الذي هو الحروف والأصوات.

وأما قوله تعالى: ﴿ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ فنقول: إن الآية حجة عليه؛ لأن الله تعالى جعل معجزة زكريا دالة على صدق بشارته، بحيث إنه لا يقدر على تكليم الناس مع كونه ناطقاً بجميع الأذكار والرمز، ولو كان ما في النفس كلام لم يكن الحق أظهر لزكريا معجزة تدله على صدق البشارة.

وأما قوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ فهذا استثناء من غير الجنس ومعناه أن الرمز ليس بكلام، فهو كقول الشاعر:
وبلدة ليس بها أنيسُ إلا اليعافير وإلا العيسُ

وقال آخر:
وقفت فيه أصيلالاً أسائلها أعيت جواباً فما بالربع من أحدِ
إلا أواريَّ لأياً ما أُبيِّنها والنؤ كالحوض في المظلومة الجَلَد

ومن المعلوم أن اليعافير والأواريَّ ليسا من جنس ما قد تقدم ذكره، وكذلك الرمز أيضاً ليس من جنس الكلام.

والدليل على صحة هذا التأويل هو أنه نصب الرمز، ولو كان من الكلام لكان الوجه رفع، ولجاز رفعه لأنه استثناء من النفي.

واحتج المخالف أيضاً بأن قال: أجمع الفقهاء على أن العقود والطلاق والعتاق لا يقع إلا بالقول دون النية، وأجمعوا بعد ذلك أيضاً على أن عقود الأخرس وعتقه وطلاقه جائز وإن لم يوجد منه كلام، وكل هذا دليل على أن الكلام ليس بحرف ولا بصوت إذ لو كان بحرف أو بصوت لما صح منه الأحكام المذكورة أصلاً.

والجواب: وهو أن نقول جميع ما ذكروه حجة عليهم لا لهم؛ لأنه بيَّن أن الأمة أجمعت على أن ما في نفس المتكلم ليس بكلام.

وأما ما ذكره من أحكام الأخرس من صحة عقده وطلاقه وعتاقه، فليس فيه دليل ما يدل على أن ما في النفس كلاماً، وذلك كما أن الجلوس يقوم مقام القيام في حق المعذور، ولم يدل ذلك على أن الجلوس قيام، فيكون ما ذكروه كذلك، وكذلك أن الإيماء يقوم مقام الركوع والسجود عند المعذور، فلا يدل ذلك أيضاً على أن الإيماء ركوع ولا سجود، وكذلك التسبيح أيضاً يقوم مقام القراءة عند العجز، ولا يدل ذلك على أن التسبيح قرآن. وكذلك الإشارة من الأخرس في العقود والطلاق والعتاق وفي غير ذلك من الأحكام قائمة مقام النطق والكلام، ولا يدل ذلك على أنه كلام.

واحتج أيضاً بأن قال: إذا قلتم بأن كلام الباري حرف وصوت أفضى ذلك إلى وصفه بالآلات التي يحتاج إليها المتكلم، وذلك لأن الحروف منقسمة إلى أقسام: منها أن حرف الحاء مخرجه من الحلق، والضاد من حروف الأضراس فسُمّي بذلك حرف الضرس، والميم من حروف الشفتين فسُمّي بذلك حروف الشفة. فإذا قلتم بأن كلام الباري بحرف وصوتٍ وأنه تكلم به، فيكون قد وصفتم بأن الباري له آلة، وأنه ذو آلة من آلات الكلام الذي يحتاج إليه المتكلم من آلات المخارج؛ ضرورة أن الكلام لم يوجد إلا بحرف وصوتٍ على ما ادعيتم، وأن الحرف لا يوجد إلا بآلات ضرورة عدم وجود الحروف المذكورة بدونه، وضرورة وجوده به، وضرورة عدمه مع عدم الآلات لكون العدم دائراً مع العدم، والوجود دائراً مع الوجود، ضرورة احتياجه إليها.

وإذا كان كذلك فيكون الباري تعالى موصوفاً بالآلات لما ذكرنا من الدليل، ومتى كان موصوفاً به كان له شبهاً ضرورة وجود الآلات المذكورة على تقدير وجوده فيه في حق غيره، والباري تعالى مُنَزَّه عن كل واحد منهما، ضرورة كونه تعالى لا يوصف بشيء من ذلك بالاتفاق منا ومنكم، ومن لا يوصف بشيء من ذلك لا يكون متكلماً ضرورة كون الكلام دائراً معه وجوداً وعدماً.

والجواب: أنَّا نقول قد أجمعنا نحن وأنتم على إبطال هذا الدليل، وهو أنَّا أجمعنا نحن وأنتم على أن الكلام لا يحتاج إلى بِنْية، وإلى فم، ولهوات، ومخارج، وأدوات؛ ضرورة وجود الكلام بدونه.

وجوابٌ آخر: وهو أنه لا يمتنع أن يكون الباري متكلماً بحرف وصوتٍ من غير أن يكون له مخارج وآلة، والدليل على صحة هذا ما أخبر به الباري سبحانه وتعالى من تَكَلُّم السموات والأرض حيث قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. ومن المعلوم أنه ليس لهما حلق ولا أضراس ولا أدوات، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾[ق: ٣٠] فأخبر سبحانه أنها قائلة بغير شيء من الأدوات.

وكذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]، وقوله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠] أي سبحي معه. ومعلوم أن هذه الأشياء بأسرها ليس لها حلق ولا أضراس ولا لهوات، فإذا كان الباري جل جلاله قد أقدر هذه المخلوقات حتى تكلمت بقدرة الله تعالى بحرف وصوت من غير أدوات، فالباري جل جلاله أقدر على ذلك وبل أولى.

جوابٌ ثالث: وهو أنَّ الباري جل ذكره لا يمتنع أن يكون متكلماً بحرف وصوت من غير أدوات كما قال أنه عالم بعلمه من غير قلب فكذلك ها هنا.

وجوابٌ آخر: وهو أنَّ المتكلم إنما يحتاج إلى أدوات إذا كان المتكلم جسماً، والباري تعالى ليس بجسم حتى يقال إنه يحتاج -على تقدير أن يكون متكلماً- إلى أدوات الكلام لكونه مستغنياً عن ذلك ضرورة كون الاحتياج عجز، وأنه من عادات المخلوقين، والباري جل جلاله منزه عن ذلك لكونه هو الذي أقدر المخلوقين على ذلك، وإذا كان كذلك يكون مستغنياً عنه لا محالة.

وجوابٌ آخر: وهو أن ما ذكروه إنما هو صفة المتكلم منا كما سبق فلا يقاس الباري علينا، وعلى أنه كان يجب أن يقول إنه غير متكلم رأساً، كما قال معمر خشية وصفه بأدوات الكلام، وقد اجتمعنا على إبطال ذلك القول كذلك ها هنا.

ويلزمه أن يقال على هذا الباري ليس بحيٍّ، ولا عالمٍ، ولا باقٍ، ولا قادرٍ، ولا فاعلٍ، ولا مُدركٍ؛ لأنا لا نجد في الشاهد حياً إلا ذا بِنْيَة مخصوصة، ولا عالماً إلا ذا قلب، ولا مدركاً إلا ذا حواس، ولا فاعلاً إلا ذا جسم، فلما لم يجب ذلك في كونه عالماً مدركاً؛ لم يجب ذلك في كونه متكلماً بحرف وصوت.

واحتج المخالف أيضاً بقوله: أنه إذا قلتم إنه تعالى متكلم بحرف وصوت، أفضى ذلك إلى حدوث كلامه؛ لأن الحروف يترتب بعضها على بعض، لأنك إذا قلت باسم الله، جعلت السين بعد الباء، والميم بعدهما، فيكون محدثاً ضرورة كونه مرتباً.

والجواب: هو أنَّا نقول ما ذكروه من الدليل فاسد على مذهبه ومذهب غيره من المتكلمين، وذلك لأن الكلام عندهم عرض، وعندهم العرض لا يتأتى فيه الترتيب كالسواد والبياض، والحركة والسكون، وذلك غير مرتب.
وأما على أصلي فإن كلام الله تعالى ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض، بل كلامه صفة واحدة كعلمه وقدرته، وإرادته، والصفة الواحدة لا يترتب بعضها على بعض في الحُكم، وكونها مترتبة في السمع والنطق لا يدل على ترتبها في الحُكم.

والدليل على صحة هذا الدليل: هو أن الكاتب إذا كتب الألف يبدأ بكتابتها من عند رأسها قبل وسطها وآخرها، ولا يدل ذلك على أن الألف مرتبة فكذلك ها هنا.

وجوابٌ آخر: هو أنّا وإن سلمنا على أنها مرتبة، ولكنها كونها مرتبة لا يدل على حدثه، كما أن المعنى القائم في النفس مرتب؛ لأنه يتضمن أمراً ونهياً وخبراً واستخباراً وناسخاً ومنسوخاً، فإنه لا يدل على حدثه عنده، فكذلك في مسألتنا.

وجوابٌ آخر: هو أن حد القديم موجود في الكلام مع كونه مرتباً؛ لأن حد القديم ما كان متقدماً على غيره.

والدليل على صحة هذا، هو أنهم يقولون جسر قديم، وبئر وبناء قديم لتقدمه على غيره، قال الله تعالى: ﴿حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] فعلى هذا لا نُسلّم أن ترتيبه يدل على الحدث؛ لأنه متقدم على غيره، وعلى هذا القول موجود في كُن التي كوَّن الله بها الأشياء. وقد أجمعنا على قول المعتزلة في حدثها، وتعلقهم بترتيبها، كذا في مسألتنا.

واحتج أيضاً بأن قال: إنكم إذا قلتم بأن كلامه حرف وصوت أفضى إلى تشابهه بكلامنا، وكلام الباري لا يشبه صفات المخلوقين.

والجواب: هو أنّا نقول أنه لا يفضي ذلك إلى ما ذكروه بالإجماع منا ومنهم؛ لأن عندنا وعندهم وعند غيرنا من الأصوليين، أن حقيقة الشبهين والمثلين ما تشابه أحدهما بالآخر من جميع الوجوه وسد مسده، وناب منابه.

وكلام الآدميين لا يسد مسد كلام الله تعالى، ولا ينوب منابه؛ لأن كلام الله تعالى تصح به الصلاة، وتجب الكفارة بالحلف به، ويُمنع المُحدِث من مسّه، ويُمنع الجنب من قراءته، ويقع التحدي به وحصول المعجزة في عدم الإتيان به وبمثله، وأما كلام الآدميين فلا تصح الصلاة به، ولا تجب الكفارة بالحلف به، ولا يُمنع المُحدِث من مسه، ولا يُمنع الجنب من قراءته، ولا يقع التحدي به، ولا تحصل المعجزة به عند عدم الإتيان به وبمثله، فإذا ثبت هذا، بطل أن يقال هو مشبه بكلام الآدميين، ومماثل له.

وجوابٌ آخر: وهو أن اتفاقهما في الاسمية، لا يوجب اتفاقهما في المثلية والكيفية، كما أن الباري تعالى حي موجود، والواحد منا حي موجود، ولم يوجب ذلك اتفاقهما في الكيفية والمثلية، لأجل اشتراكهما في الاسمية.

وجوابٌ آخر: هو أن جميع ما يلزمنا في الحرف والصوت، يلزمه في المعنى القائم في النفس؛ لأنه إذا قال كلامه معنى قائم في نفسه، أفضى ذلك إلى تشبيهه بما في نفس الأخرس والساكت. فكل جواب لهم في معنى القائم في النفس، فهو جواب لنا عن الحرف والصوت.
ئەثەری دواتر ئەثەری پێشووتر