والدلالة على أن القرآن منزل، وكذلك المائة كتاب والأربع كتب

فَصْلٌ
والدلالة على أن القرآن منزل، وكذلك المائة كتاب والأربع كتب خلافاً للأشعرية في قولهم: لم ينزل الله إلى الأرض كلاماً ولا كتاباً، وإنما نزل عبارته وتلاوته.

دليلنا: قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠، الحاقة: ٤٣]، وكذلك قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣-١٩٤-١٩٥]، والمتقدم ذكره هو القرآن.

دليلٌ ثانٍ: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].

دليلٌ ثالث: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [يونس: ٩٤]، وقوله تعالى: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وإلى غير ذلك من الآيات الدالة على تنزيله مما لا يُحصى ولا يُعد.

دليلٌ رابع: ما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «أُنزِل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ».

دليلٌ خامس: ما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود».

دليلٌ سادس: ما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «أنزل القرآن يصدق بعضه بعضاً فلا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض إن ذلك يوقع الشك في قلوبكم».

دليلٌ سابع: ما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «نزل عليَّ جبريل (عليه السلام) بالقرآن من أوله إلى آخره في ليلة القدر»، ورُوي عنه أنه قال: «أُنزل إلى بيت العزة، ونزل به جبريل ﷺ عليَّ نجوماً في ثلاث وعشرين سنة».

دليلٌ ثامن: أنه لم يبعث الله تعالى نبياً إلا ومعه معجزة تدل على صدق قوله من جنس ما قومه عليه، فمعجزة موسى عليه السلام بعث في زمان السحرة والمنجّمين والكهنة، وكانت معجزته العصا لأنها ابتلعت عصى السحرة وحبالهم ولم تتغير صفاته، وعصي السحرة كانت متغيرة صفاتها، فتطول تارة وتقصر أخرى وتكبر بطونها، فلما عجزوا عن الإتيان بمثل ما أتى به موسى عليه السلام علموا أنه نبي، واستدلوا على أنه رسول الله ﷺ.

وكذلك بعث عيسى بن مريم ﷺ في زمن الأطباء والحكماء الذين يبرؤون من العاهات والعِلل، وكانت معجزته إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، فلما عجزوا عن ذلك مع كونهم حكماء الدنيا استدلوا على أنه نبي مرسل من عند الله تعالى، ونبينا محمد ﷺ بُعث في زمن الفصحاء والبلغاء الذين كانوا يقدرون على النظم والنثر والخُطب كأمرئ القيس وغيره، وأنزل القرآن عليه، فلما أُنزل عليه القرآن قال: ﴿فَأْتُوا بِمِثْلِهِ﴾، فما قدروا على الإتيان به، فلما عجزوا عن الإتيان بمثله مع كونهم من أفصح العرباء على ما كانوا يزعمون على أنفسهم بالفصاحة والبلاغة وعجزوا عن ذلك، علموا أنه من الله، واستدلوا على أنه من كلام الله سبحانه وتعالى، وعلموا بأن النبي ﷺ رسول من عند الله مرسل.

فإذا قيل: بأن الله تعالى ما أنزل عليه قرآناً، فيكون قد قالوا ببطلان معجزته، وإذا بطلت معجزته بطلت نبوته؛ لأن من جملة ثبوت النبوة ثبوت المعجزة، لأن ثبوت المعجزة دليل ثبوت النبوة، لأن المعجزة تصديق على صحة ثبوت الدعوى وهي النبوة، ولا يجوز لقائل أن يقول إن النبوة ثبتت بغير القرآن لغيره من المعجزات؛ لأنه هو المعجزة السابقة وهو من أعظم المعجزات، فإذا قالوا ببطلان الأعظم فيكونون قد قالوا ببطلان الأصغر ضرورة، كون أن بطلان الأعظم أصعب من بطلان الأصغر ضرورة، فإذا أمكن لهم إنكار معجزة الأعظم، فلا مانع يمنعهم من إنكار معجزة الأصغر، لكون إنكار الأعظم أعظم وأصعب، ثم الثانية والثالثة يوكدها.

دليلٌ تاسع: وهو أن الشعراء من شعراء الجاهلية وغيرهم اعترفوا بتنزيل القرآن، وذكروا دليل تنزيله في نظمهم ونثرهم، ولم يظهر النكير عليهم، ولا نكير بعضهم على بعض، ولا إنكار أحد من الأمة عليهم، ولا كذبهم أحد فيما قالوا.

فأولهم: جبير، قال جبير:
تصدقون بمارمن جبير وابنه وتكذبون بمنزل القرآن

وقال الآخر:
يعيرني بالقتل قومي وإنما أموت إذا جاء الكتاب المنزل

وقال الراعي:
أخليفة الرّحمن إنّا معشر حنفاء نسجد بكرة وأصيلا
عرب نرى لله فى أموالنا حقّ الزكاة منزّلا تنزيلا

دليلٌ آخر: وهو أن الأمة اجتمعت على أن كلام الله منزل من عنده، وأنه هذا الذي في أيدينا، وكل قول خالف الإجماع لم يُقبل من قائله ولا يُلتفت إليه.

وأيضاً فإنهم أنكروا على عباد الضمري أن القرآن ليس بمعجز لرسول الله ﷺ، فإذا قالوا بعدم تنزيله، فيكونون قد أتوا بأقبح من قوله إنه تقول القرآن.

دليلٌ آخر: هو أنه قد ثبت بالإجماع بأن كوننا مُكلَّفين ومأمورين ومنهيين، ولا يكون ذلك إلا بدليل من القرآن، فإذا قال القائل: لم ينزل القرآن، فيكون عدم نزوله دليلاً على عدم نزول أمره ونهيه، فإذا كان الأمر والنهي على هذا التقدير غير منزل، فيكون دليلاً على أننا ما كُلِّفنا، ولا خُوطِبنا بشيء من العبادات، ولا نُهينا عن شيء من المعصيات، وعلى هذا التقدير يفضي ما قالوه إلى إبطال جميع الشرائع، وإلى طَيّ بساط الشريعة، وذلك كفر بالاتفاق منا ومنكم، وبلا اختلاف بين الأُمة، وما يفضي إلى ذلك يكون محالاً لا محالة.

فإن احتج المخالف بأن يقول: الإنزال يكون بمعنى الخلق، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩]، وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، وكل ذلك يدل على أن كل منزل يكون مخلوقاً.

والجواب: هو أنه لم يقل أحد من أهل التفسير، ولا من أهل اللغة أن الإنزال بمعنى الخلق، ولا أن المراد به الخلق؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥]، وقد أجمعنا على أن الأمر غير مخلوق.

وجوابٌ آخر: هو أنَّا لا نُسلم أن الإنزال بمعنى الخلق، ولا كل ما وُصف بالإنزال أو وُصف بالنزول يكون مخلوقاً، والدليل عليه هو أن الرواية صحت عن رسول الله ﷺ بأنه قال: «ينزل الجبار جل جلاله إلى السماء الدنيا»، وذلك لا يوجب أن يكون مخلوقاً، فكذلك لا يجب أن يكون كلامه مخلوقاً.

وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، وإلى غير ذلك من الآيات، فنقول لم يحكم بكونه مخلوقاً لأجل إنزاله، وإنما حكم بخلقه لكونه مركباً ومرئياً، ولكونه مخلوقاً بنص القرآن، وإجماع الأمة؛ لأن الله تعالى قال في كتابه العزيز: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]، ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وأما أن يكون ذلك للإنزال فلا.

واحتج أيضاً بأن قال: النزول لا يكون إلا خلو من مكان، وإشغال حَيِّز، وانتقال من مكان إلى مكان، ومن محل إلى محل، وهذه من صفات المُحدَث لا محالة.

والجواب: هو أنا نقول أن ما ذكره هو صفة نزول الأجسام؛ لا صفة ما ليس بجسم، فلا تُقاس صفة ما ليس بجسم أو ما ليس بجسم عليه.

وجوابٌ آخر: هو أن نزول القرآن لا يوجب انفصاله عن ذات الباري، لأن النبي ﷺ قال: «القرآن حبل الله المتين طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم ولن تضلوا ما دمتم متمسكين به».

وجوابٌ آخر: وهو أن ما ذكره كلام في كيفية النزول، ولا يجوز أن يكلمنا في كيفية النزول لكونه أنه يخالفنا في أصله.

وجوابٌ آخر: وهو أن القرآن نطق بالنزول ولم ينطق بالكيفية، فنقول كما قال الله تعالى، ولا تضرب لكلامه الأمثال كما لا تضرب لذاته الأمثال، والله أعلم.
ئەثەری پێشووتر