والتلاوة هي المتلو، والقراءة هي المقروء

فَصْلٌ
والتلاوة هي المتلو، والقراءة هي المقروء، ونريد بهذا هو أن ما نسمع من القارئ نفس كلام الله تعالى لا تلاوته وقراءته.

وقال الأشعرية: التلاوة هي غير المتلو، والقراءة غير المقروء، ويريدون بذلك أن ما يُسمع من القارئ ليس بكلام الله تعالى، وإنما هو كلام القارئ وهو مخلوق.

فالدلالة على ما ذهبنا إليه قوله تعالى، وسنة نبيه، وإجماع الأمة وإجماع أهل اللغة.

فأما قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا﴾ [الأحقاف: ٢٩]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، فسمى الله تعالى ذلك قرآناً، وعند مخالفنا ليس بقرآن وإنما هي قراءة قرآن.

دليلٌ ثانٍ: قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٤-٢٦] فتوعد الباري جل جلاله لمن قال إن المسموع من القارئ هو كلام البشر بالسقر فقال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾، وذلك لأن قريشاً إنما أشاروا بهذا القول إلى التلاوة التي سمعوها من رسول الله ﷺ ومن أصحابه، فلما توعدهم على ذلك دل على أنه ليس بأقوال البشر.

وأما من حيث السُنة: فما روى جابر عن رسول الله ﷺ أنه كان يعرض نفسه بالموقف ويقول: «هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشاً منعوني أن أبلغ كلام ربي»، والرسول ﷺ ما كان يبلغ إلى القوم إلا التلاوة والقراءة، فدل على أنها كلام الله تعالى، إذ لو لم يكن كلام الله لما جاز له إبلاغه إليهم مع الدعوى أنه من القرآن، وأنه هو القرآن.

دليلٌ ثاني: ما روى علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن أفواهكم طرق القرآن فطهرواها بالسواك»، ومن المعلوم أنها ليست إلا طرق التلاوات، فدل على أنها هي القرآن.

دليلٌ ثالث: ما روى معاوية بن الحكم عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين وإنما هي قراءة القرآن». وعند الأشاعرة أن ما يقرأه المصلي في صلاته كلام الآدميين، فلو كان ما يقرأه المصلي في صلاته كلام الآدميين لَمَا صحت صلاته، لقوله ﷺ: «لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين».

وأما الدليل من حيث الإجماع: فهو أن المسلمين أجمعوا على أنهم إذا سمعوا قراءة القارئ يقولون بأن هذا المسموع كلام الله تعالى، بحيث أنهم يقولون إذا تحالفوا بعضهم بعضاً: بحق ما تلوته، وبحق ما تتلوه من كلام الله تعالى، ويشيرون بذلك إلى التلاوات المسموعة منه.

وكذلك لو حلف حالف بالطلاق على أنه لا يتكلم، فقرأ القرآن لم يحنث به بإجماع الفقهاء، ولو كانت القراءة كلام الآدميين لحنث به.

وأيضاً فإن معنى القديم ثابت في التلاوة والقراءة من ثبوت الحرمة، ومنع الجنب من قراءته، وقيام المعجزة به، فدل على أنها هي القرآن ضرورة جواز التكلم بغيره من الكلام من كلام الآدميين.

وأما من حيث اللغة: فهو أن المفسرين وأهل اللغة أجمعوا على أنه لا فرق بين قول القائل: قرأت قراءة، وبين قوله: قرأت قرآناً، في أنها جميعاً مصدران للقراءة، كقوله: عرفت فلاناً معرفة وعرفاناً.

وإذا ثبت أن القراءة هي القرآن ثبت أنها غير مخلوقة لقيام الدليل على أن القرآن غير مخلوق.
ئەثەری پێشووتر