الاسم للمسمى، وقال بعض أصحابنا: الاسم صفة للمسمى، وقال آخرون: الاسم دال على المسمى

فَصْلٌ
الاسم للمسمى. وقال بعض أصحابنا: الاسم صفة للمسمى. وقال آخرون: الاسم دال على المسمى. والجميع واحد؛ لأن الصفة للموصوف، والعِلم للعالِم. قال الإمام أحمد رحمه الله: أسماء الله تعالى منه وله. وقالت المعتزلة: الاسم غير المسمى.

وقالت الأشاعرة: الاسم هو المسمى، ومن الأشاعرة من يقول مثل قولنا.

دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فأضاف الاسم إليه بالاستحقاق، والشيء عند جميع أهل اللغة لا يضاف إلى نفسه.

دليلٌ ثان: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة»، ولو كان الاسم هو المسمى لكان تسعة وتسعين رباً.

دليلٌ ثالث: أنه لو كان الاسم هو المسمى لكان إذا قال القائل: العسل؛ يمتلئ فمه عسلاً، وكذلك لو قال: النار؛ يحترق بتسميته فوه، ولم يقل ذلك أحد.

دليلٌ رابع: أن الاسم لو كان هو المسمى، لكان إذا قال: زيد، أن يكون زيد بالحضرة، وكان يجب لما ذكر الله موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء في الكلام القديم، أن يكونا موجودين في القدم لديه، ولم يقل ذلك أحد، وفيما ذكرناه دليل على الأشعرية.

والدلالة على المعتزلة: هو أن الاسم لو كان غير المسمى لوجب أن يفارقه؛ لأن حقيقة الضدين عندهم ما جاز مفارقة أحدهما وعدم الآخر، فيجيء على قول هذا القائل أن يكون الله تعالى في قدمه غير مسمى بواحد ثم توحد، وهذا القول ظاهر الفساد.

واحتج أيضاً من ينصر مذهب الأشاعرة بأن قال: الاسم هو المسمى بدليل قوله تعالى: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ﴾ [مريم: ٧] ثم قال: ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، فخاطب الله تعالى اسمه يحيى بقوله: ﴿خُذِ الْكِتَابَ﴾ فدل على أن الاسم هو المسمى.

والجواب: هو أن المراد به مسمى "يحيى" لا نفسه عند الخطاب، والدليل على صحة هذا التأويل أنه قال: ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾، والفعل لا يتأتى من الأسماء، وإنما يتأتى من الفعل، وإنما اختص النداء بالأسماء لأنه ينبه المسميات على قصد المنادي.

واحتج أيضاً بقوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: ٤٠].

والجواب: هو أنه لا شك فيه أن المراد به المسميات، التي هي الأصنام والملائكة وغير ذلك مما عبدوه من دون الله، والأسماء ليست بأشخاص، والذي يبين صحة هذا ويوضحه هو أن قول القائل بأن فلاناً يعبد الله؛ ليس المراد منه يعبد اسم الله، وإنما المراد منه يعبد المسمى، وهذا لا إنكار فيه.

واحتج أيضاً بقول الشاعر وهو لبيد:
إِلى الحَولِ ثُمَّ اِسمُ السَلامِ عَلَيكُما وَمَن يَبكِ حَولاً كامِلاً فَقَدِ اِعتَذَر

والجواب عنه من وجوه كثيرة، نذكر بعضها: أحد تلك الأجوبة: هو أن أبا عبيدة وجماعة من أهل اللغة قالوا: إن المراد به: ثم السلام عليكما، فعلى هذا القول لا حجة للقائل فيه والمحتج به لأنه إغراء، فالتقدير: عليكما السلام والزما السلام، وهو بمنزلة قولهم: عليك زيد، أو بمنزلة قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، كما قال الشاعر:
أيهـا الـمـائـح دلـوي دونـكـا إنـي رأيـت الـنـاس يحمـدونـكـا

وأراد بذلك: دونك دلوي.

فكذلك: ثم السلام عليكما، ثم عليكما السلام، بمعنى: الزما طاعة الله، فهو كقوله ﷺ: «أوصيكم بالله فإنه لفقركم وفاقتكم»، فمعناه: الزموا طاعة الله.

وجوابٌ آخر: وهو أنه قصد بقوله: "ثم السلام عليكما"، يعوذهما باسم الله تعالى، كما يقول القائل لما يعجبه: اسم الله عليك، يريد بذلك أن يعيذه باسم الله تعالى.

وجوابٌ آخر: وهو أنه أضاف الاسم إلى السلام، فلو كان الاسم هو المسمى لكان قد أضاف الشيء إلى نفسه، وأنه محال لكونه لم يقل ذلك أحد من أهل اللغة.

واحتج المخالف أيضاً: بأن قال بأن سيبويه قال في أول كتابه: إن الفعل أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، والأسماء لا أحداث لها، فدل على أن الاسم هو المسمى.

والجواب: هو أن سيبويه أراد بهذا القول على أن أسماء الأفعال أفعال أخذت من أحداث المسميات، لا أن الاسم هو المسمى؛ إذ قد ثبت عند جميع أهل اللغة أن الفعل حدث الفاعل، وليس هو حدث الأسماء؛ إذ الأسماء ألفاظ وأقوال.

وجوابٌ آخر: وهو أن أسماء الله تعالى صفاته، والصفة ليست هي الموصوف، ولا فرق عندنا بين التسمية والاسم؛ لأنه لما لم يفترق الحال بين قولنا: وصف وصفة، وأن الوصف هو الصفة؛ كذلك يجب أن لا يفرق بين قولنا: اسم وتسمية؛ لأن الاسم هو التسمية.

واحتج من نصر مذهب المعتزلة: بأن الاسم لا يخلو إما أن يكون هو الله، أو غير الله، ولا يجوز أن يكون هو لأن أسماءه كلام، وليست ذاته كلام؛ لم يبق إلا أن يكون غير الله.

والجواب: أن الاسم ليس هو الله، ولا هو غير الله، وإنما هو كالواحد من العشرة، لا هو العشرة ولا هو غيرها، بل هو لها، وكذلك صفات أحدنا ليست هي هو، ولا هي غيره، بل هي له.

وجوابٌ آخر: وهو أنه لو كان الاسم غير المسمى؛ لوجب أن يكون الباري سبحانه غير مسمى في قدمه بواحد، فإن جاز ذلك جاز لقائل أن يقول: إنه غير متوحد في القِدَم ثم توحد، وهذا هو الكفر بعينه.
ئەثەری دواتر ئەثەری پێشووتر