والدلالة على أن الله تعالى على العرش خلافاً للأشعرية في قولهم: ليس هو على العرش

فَصْلٌ
والدلالة على أن الله تعالى على العرش خلافاً للأشعرية في قولهم: ليس هو على العرش.

والدليل على قولنا إنه على العرش: قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] الآية، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وغير ذلك من الآيات الدالة على ثبوت مدعانا.

فإن قيل: الاستواء عائد إلى العرش فيكون معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾.

فالجواب عنه من أربعة أوجه: أحدها: أنه أقرّ بهذا السؤال على أنه تعالى في جهة العلو وهو لا يقول به.

والجواب الثاني: أنه لو كان الأمر كما ذكرتم لكانت القراءة برفع الشين أَوْلَى ويكون أصلاً فيه، وكان يجب أن يكون «على» فعلاً، فلما أجمع المسلمون على أن القراءة بخفض العرش، وعلى أن ذلك هو الأصل، وأن حرف «على» في هذا الموضع حرف جر، فدل ذلك على بطلان ما ذكروه.

والجواب الثالث: هو أن أم سلمة سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فقال ﷺ: «الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة».

ومن المعلوم أن كيفية الاستواء على العرش غير مجهولة، لأنه قد ورد صفة استوائه في الآثار والأخبار، وإنما صفة استواء الباري جل جلاله غير معقولة؛ لأن صفات الباري لا تكيف.

فإن قال القائل من المعتزلة والأشعرية: معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أي: استولى واحتوى، ومنه قول الشاعر:
قد استوى بشرٌ على العراقِ من غير سيفٍ ودمٍ مهراقِ.

فالجواب: أنه لا يجوز حمله على ذلك؛ لأن الاستيلاء لا يوصف به إلا من كان عاجزاً مغلوباً ثم قدر عليه من بعد ذلك. قال النابغة:
ألا لِمثلك أو من أنت سابقه سبق الجواد إذا استولى على الأمدِ.

وجوابٌ آخر: وهو أن لفظ الاستيلاء لا يستعمل في لغة العرب إلا أن يكون للمستولي مضاداً ومغالباً، فأيهما غلب قيل إنه استولى عليه، والبارئ تعالى لا مضاد له في ملكه. قيل ذلك من ابن الأعرابي، وهو من علماء أهل اللغة.

وجواب آخر: وهو أن الاستواء في اللغة عبارة عن الارتفاع على الشيء، قال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: ٢٩، فُصلت: ١١]، ولا يجوز حمله على الاستيلاء؛ لأنه يقال في اللغة: استولى فلان على الشيء، ولا يقال: استولى إلى الشيء.

دليلٌ آخر: ما روي أن رجلاً من الصحابة أتى النبي ﷺ بجارية أعجمية ليعتقها في كفارته، فقال لها النبي ﷺ: «أين الله؟»، فأشارت إلى السماء، فقال لها النبي ﷺ: «من أنا؟»، فقالت: أنت رسول الله، فقال النبي ﷺ: «أعتقها فإنها مؤمنة»، فمن الخبر ثلاثة أدلة: أحدها: أنه قال: «أين الله؟». وعندهم لا يقال: أين الله؛ لأن عندهم أن الباري تعالى ليس في مكان.

دليلٌ ثان من الخبر: أن الجارية أشارت إلى السماء، فثبت أن الله تعالى على العرش، وأقرها النبي ﷺ على ذلك.

دليلٌ ثالثٌ من الخبر: على أنه جعلها باعترافها بذلك؛ مؤمنة.

وعند الأشعرية: أن من قال: إن الله تعالى على عرشه؛ فهو كافر.

دليلٌ آخر: ما روي عن النبي ﷺ أنه قيل له: أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: «كان على العرش»، فقيل: أين كان قبل أن يخلق العرش؟ فقال: «كان في عماء؛ فوقه ماء وتحته هواء». والعماء هو السحاب.

دليلٌ آخر: أن الأمة أجمعت مؤمنها وكافرها على أن الله تعالى فوق العرش، فيقولون كلهم: الله تعالى في السماء، ويشيرون في دعائهم ومسألتهم إلى السماء، ويقصدون بذلك أن الله تعالى على عرشه، ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يٰهَامٰنُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلٰهِ مُوسَىٰ﴾ [غافر: الآية ٣٦-٣٧]، والنمروذ عمل السرير على أجنحة النسور وصعد إلى السماء، وكان كل ذلك باعتراف منهم بأن الله تعالى على عرشه، وقال شاعر الجاهلية:

يا عَبلُ أَينَ مِنَ المَنِيَةِ مَهرَبي إِن كانَ رَبّي في السَماءِ قَضاها.

فمعناه: على السماء قضاها. والأشعرية لم يعترفوا بذلك.

واحتجوا بقولهم: إنكم إذا قلتم: إن الباري تعالى على العرش؛ أفضى ذلك إلى تحديد الباري، وأنه منزه عن ذلك.

والجواب: هو وأنَّا وإن قلنا: إنه على العرش، ولكن لا نقول على أن العرش حد له، ولا محيط بذاته حتى يفضي إلى ما ذكرتم، ولم يخلق العرش لحاجة، ولا له إليه حاجة؛ لأنه تعالى حامل للعرش ولحملة العرش، وإنما خلقه ليتوصل به إلى معرفته، وفي ذلك حكاية حسنة، وذلك أن ذا النون المصري رحمه الله سُئل فقيل: ماذا أراد الله تعالى بخلق العرش؟ فقال: «أراد به أن لا تتيه قلوب العارفين».

فإذا تقرر هذا من مذهبنا، فنقول: الباري على العرش، وإنما قلنا: إن الباري على عرشه إيماناً بكتاب الله، وتصديقاً لتنزيل الله، ولقول رسوله، ولا نحمل ذلك على مجرى عقولنا كما يحمله المخالف على عقولهم دون الكتاب والسنة، وعلى أنه إن كان هذا من معتزلي فالتحديد بهم أشبه؛ لأنهم يقولون: إن الدنيا تحصر ذات الباري، وأن ذاته في أجواف النمل والوحوش، وتوطأ بالأرجل، وفي أجواف النسور، وهذا هو نفس التحديد، وإن كان من أشعري فعنده أن معبوده قد ضاع؛ وذلك لأن عنده أن الله تعالى ليس على العرش، ولا هو في السماء، ولا هو في الأرض، ولا يدري أين الله تعالى، وما هذا صفته فهو عدم أو معدوم.

واحتج المعتزلة أيضاً: بقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِنْ ذٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، وبقوله: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمٰوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣]، وإلى مثل ذلك من الآيات الدالة عليه.

والجواب: هو أن ابن عباس رضي الله عنهما فسر ذلك وقال: هو على عرشه وعِلمه في كل مكان، ولا يخلو من عِلمه مكان.

وأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمٰوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾، فأهل القرآن أجمعوا على أن الوقف عند قوله: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمٰوَاتِ﴾، ويبتدئ بقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ يعني: أن عِلمه في الأرض، وذاته على العرش.

فإن احتج محتج من الأشعرية بأن قال: لو كان في جهة، أو ما يقدر تقدير الجهة لوجب أن لا يتخصص بها؛ لئلا يكون تخصيصه بالجهة التي حصل بها دون غيرها، والدليل عليه أنه لما كان الجوهر يصح حصوله في الجهات، أو ما يقدر تقدير الجهات، لم يصح أن يتخصص بها بالجهة التي حصل فيها؛ لئلا يكون تخصيصه بها دون ما سواه. وإذا كان كذلك فلو كان الباري تعالى في بعض الجهات، أو ما يقدر تقديرها لوجب أن لا يكون حاصلاً فيها إلا بمعنى تخصيصه فيها، وهو كون الذي يقتضي وصفه بأنه كائن فيها، ويمنع بحصوله فيها من وجود غيره بها، ولو كان كذلك لوجب مماثلة كونه تعالى الذي حصل بها الأكوان المحدثة؛ لأنه لو قدرنا حصول بعض الجواهر في الجهة التي حصل فيها القديم سبحانه وتعالى، لوجب أن لا يحصل فيها لئلا يكون تخصصه بها دون غيرها من الجهات.

والجواب: هو وأنا وإن قلنا: إن الباري على عرشه، وأن العرش على السموات السبع، ولكن لسنا نقول جهة ولا غيرها؛ لأنا لا نثبت صفات الباري بقولنا، وإنما نثبتها توقيفاً وشرعاً، والقرآن إنما ورد باستوائه على عرشه فنقول كما قال، ونمسك عما لم يقل، اتباعاً للشرع والسُنة.

جوابٌ آخر: هو أنا وإن قلنا في جهة العلو، لم يلزم ما ذكر من الحد؛ لأن ما ذكر من الحد والصفة فهو صفة كون الأجسام والجواهر والأكوان، والباري تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عَرَض، بل هو شيء ليس كالأشياء.

جوابٌ آخر: وهو أنهم وصفوا الباري تبارك وتعالى بصفات الجواهر، وذلك أن حد الجواهر على ما قاله المتكلمون في حده: أنه ما يشغل حيزاً، فحدَّوا الباري تعالى بحد الجواهر، وذلك محال.

جوابٌ آخر: وهو أنه إذا ثبت أن الجوهر ما يشغل حيزاً، لم يكن تخصص غيره بكونٍ من الأكوان، أو في الأكوان والمكان ما يوجب اتصال الجوهر به، ولا وجوده قائماً به؛ لأنه قد ثبت في أصولهم أن الجوهر ما لم يشغل حيزاً على ما قالوه من هذا الوجه.
ئەثەری پێشووتر