وأن لله ﷻ عرشاً وكرسياً، وأن الله على عرشه، بائن من خلقه
فَصْلٌ
وأن لله ﷻ عرشاً وكرسياً، وأن الله على عرشه، بائن من خلقه.
وقالت المعتزلة والأشعرية: ليس لله ﷻ عرش ولا كرسي، والمراد بذكر العرش جميع الملك. ثم اختلفوا من بعد ذلك في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. فقالت المعتزلة: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ معناه: استولى. وقالت الأشعرية: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فيجعلون الاستواء عائداً إلى العرش، لا إلى الله تعالى.
وعندهم أن الله تعالى ليس هو على العرش، ومذهبهم أنه تعالى ليس في مكان ولا يخلو منه مكان.
والدليل على إثبات العرش والكرسي، وأنه ليس المراد به جميع الملك قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٧٥]. فوجه الدليل من الآية قوله: ﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ وما كان حول العرش يكون خارجاً عنه، ألا ترى قولهم: طفت حول البيت؛ والمراد منه خارج البيت بالإجماع، فإذا قالوا بأن العرش والكرسي جملة الملك، فقد أثبتوا على أن الملائكة خارجين عن الملك، وهذا قول فاسد بإجماع الأمة.
دليلٌ ثان: قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، الحديد: ٤]، فلو كان المراد بالعرش جملة الملك، لكان تقدير الآية أنه لم يستو ولم يحتوِ على المملكة إلا بعد خلق السموات والأرض؛ لأن حرف «ثم» يقتضي الترتيب والمهلة والتراخي بإجماع أهل اللغة، وفي إبطال ذلك دليلٌ على أن العرش والكرسي من جملة المملكة لا جميعها على ما يقوله المخالف.
دليلٌ ثالث: ما روي عن النبي ﷺ أنه سُئل: أين كان ربنا قبل أن يخلق العرش؟ فقال: «في غمام؛ فوقه ماء وتحته هواء، ثم خلق العرش» وذكر الحديث بطوله.
دليلٌ رابع: أن العرش في اللغة عبارة عن المعرَّش على غيره، والعالي عليه، فلهذا سموا كل مكان عالٍ عرشاً، قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]، وقول أهل اللغة: فلان رفيع العرش، فثبت بهذا الدليل أن في المملكة ما عرش عليها وعلا عليها، وعندهم أن جميع المملكة تسمى عرشاً، وهذا جهل بمكان اللغة.
فإن احتجوا بأن الكرسي في اللغة عبارة عن الملك.
قلنا: هذا غير سائغ في اللغة، والدليل على صحة هذا أنه إذا قيل: لفلان كرسي، فليس المراد به الملك أصلاً، وإن ورد ذلك فيكون بطريق المجاز لا بطريق الحقيقة، ولا يلزم من ثبوت الحكم بطريق المجاز أن يكون ذلك ثابتاً بطريق الحقيقة لأنه لا قائل به.