وأن خير الناس وخير هذه الأمة بعد نبيها وأبرهم وأحقهم بالخلافة أبوبكر الصديق رضي الله عنه

فَصْلٌ
وأن خير الناس وخير هذه الأمة بعد نبيها وأبرهم، وأتقاهم، وأعلمهم، وأسخاهم، وأشجعهم، وأحقهم بالخلافة أبوبكر الصديق رضي الله عنه، ثم بعده على النعت والترتيب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم بعده على النعت والترتيب عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم بعده على النعت والترتيب علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وقالت الرافضة: خير الناس بعد رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقالت العباسية: خير الناس بعد رسول الله ﷺ العباس رضي الله عنه، واختلفت الأشعرية في ذلك، فمنهم من قال مثل قولنا، ومنهم من قال: لا نفضل بعضهم على بعض، وبه قال بعض المعتزلة.

دليلنا على ذلك: قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠].
ومعلوم أن أبابكر الصديق رضي الله عنه أنفق من قبل الفتح وقاتل فدل على تفضيله على غيره.

دليلنا الثاني: قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الفتح: ١٦] الآية. أو هذه الآية نزلت بعد نزول قوله: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ [التوبة: ٨٣] الآية، فأخبر بهذه الآية على أنهم لا يقاتلون عدواً ولا يخرجون مع النبي أبداً لتخلفهم عن رسول الله ﷺ وانتظارهم انهزام رسول الله ﷺ ولحوق دائرة السوء على المؤمنين.

ثم أخبر في الآية الأخرى أنهم سيدعون إلى قوم أولي بأس شديد يقاتلونهم أو يسلمون وقد أجمع المفسرون على أن القوم الموصوفين بالبأس والشدة إما الروم وإما الفرس وأخبر الباري تعالى أنهم متى تولوا عن قتالهم عذبهم عذاباً أليماً.

فإذا ثبت هذا فقد دعا أبوبكر الصديق رضي الله عنه إلى قتالهم وإن كان المراد به الفرس فقد دعا أيضاً عمر إلى قتالهم وأي الأمرين ثبت من ذلك وجبت طاعة الداعي إلى قتالهم ولم يجب ذلك إلا لكونه إماماً مفترض الطاعة على كافة الناس وإن كان ذلك أبوبكر رضي الله عنه وجب الحكم بكونه إماماً حقاً أو كان عمر فكذلك؛ لأن من قال بوجوب فرض إمامة عمر قال بوجوب فرض إمامة أبي بكر رضي الله عنه؛ لأن أحمد رحمه الله ما فرق بينهما.

دليل ثالث: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، فمن الآية دليلان:

أحدهما: أنه أخبر أن الخلق تخلفوا عن نصرة رسول الله ﷺ إلا أبا بكر رضي الله عنه، فدل ذلك على تفضيله على غيره، ثم قال في سياق الآية: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾، فحزن أبوبكر رضي الله عنه ولم يكن حزنه على نفسه، وإنما كان حزناً على رسول الله ﷺ خشية أن يظفر به العدو. ونزول السكينة إنما كان على أبي بكر رضي الله عنه في ذلك الموضع؛ لأنها قبل ذلك نزلت على رسول الله ﷺ.

دليلٌ رابع: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «خير الناس بعدي أبوبكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي» رضي الله عنهم أجمعين.

وروى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: «كنا نفاضل على عهد رسول الله ﷺ فنقول: خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبوبكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي - رضي الله عنهم أجمعين - ويبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكر علينا».

دليلٌ خامس: ما روي أن عليًّا رضي الله عنه صعد على منبر الكوفة ثم قال: «ألا إنه بلغني أن قوماً يفضلوني على أبي بكر وعمر، ألا لا تفضلوني عليهما فمن فضلني عليهما جلدته حد المفتري».

وروي عن حسين بن علي رضي الله عنهما أنه قال: سألت عليًا رضي الله عنه عن أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ فقال: «أبوبكر، ثم عمر». وروي ذلك بطرق مختلفة.

دليلٌ سادس: هو أن الأمة أجمعت على أن من صفات الإمام أن يكون أفضل الناس، وقد ثبت بالتواتر المقطوع به أن النبي ﷺ قدم أبابكر رضي الله عنه في الصلاة على سائر الصحابة.
وقد قال: «لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قوماً وفيهم من هو كاره له، أو أحق بالصلاة منه»، وقوله ﷺ: «يؤم القوم أفضلهم» فثبت بهذه الآثار أن أبابكر الصديق رضي الله عنه أفضل الخلق بعد رسول الله ﷺ، وفي ذلك أدلة ما لا يسعه كتاب، فإذا ثبت ذلك في أبي بكر ثبت في حق عمر وعثمان رضي الله عنهما.

وروي عنه ﷺ أنه قال: «عشرة من قريش في الجنة، وهم: أبوبكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبدالرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح» رضي الله عنهم أجمعين.

وكان ﷺ على حراء فتحرك الجبل فركضه برجله وقال له: «اسكن يا حراء، فما عليك إلا نبي أو صدّيق أو شهيد»، وكان النبي ﷺ وأبوبكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.

وقال ﷺ: «إن أهل الدرجات العلى يرون من فوقهم كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء، ألا وأبوبكر وعمر منهم وأنعما»، فبيَّن أن أبابكر وعمر أعلى منزلة من غيرهما.

وقال ﷺ: «من أحب أبابكر فقد أقام الدين، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استعان بنور الله، ومن أحب علياً فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال: الحسن والخير في أصحاب رسول الله فقد بَرِئَ من النفاق».

واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥]، وهذه الآية نزلت في حق علي رضي الله عنه.

والجواب: هو أن النقاش نقل في تفسيره أنها نزلت في جماعة من الصحابة، وظاهر التنزيل يدل على صحة تأويله؛ لأنه قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، وهذا جمع فيتناول العدد الذي ذكر النقاش.

وجوابٌ آخر: وهو أنه لو ثبت أنها خاصة في علي رضي الله عنه لم يدل ذلك على تفضيله على غيره؛ لأن الولي في اللغة هو الناصر، وعلي كان ناصراً فيكون المراد به لهذا المعنى.

ويجوز أن يكون المراد به الإمامة بعد عثمان؛ لأن الإيمان بالله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة كل ذلك موجود في الأئمة بأجمعهم.

واحتج أيضاً بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه».

والجواب: هو أن معنى الحديث: من كنت ناصره فعلي ناصره؛ لأن الولي في اللغة هو الناصر والحامي، ومنه مولى المولى، ومعلوم أنه لا يجوز حمله على العتق؛ لأن النبي ﷺ لم يكن معتقاً لعلي، ولا علي معتقاً للنبي ﷺ، ولا يجوز أن يريد ابن عمه كان ذلك مستفاد بغير قوله، ولا يجوز أن يريد أنه صهره؛ لأنه ليس الكلام: كل من كان النبي صهره كان علي صهره، لم يبق إلا أن يكون المراد به النصرة.

قال الأخطل في مدح عبد الملك بن مروان:
فَأَصبَحتَ مَولاها مِنَ الناسِ كلهم وَأَحرى قُرَيشٍ أَن تُهابَ فَتحمَدا.
وقال الآخر: إذا ذل مولى المرء فهو ذليل.
معناه: إذا ذل ناصره.

واحتج أيضاً بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «علي مني بمنزلة هارون من موسى؛ إلا أنه لا نبي بعدي».

فالجواب: هو أن هذا الحديث لم يفد تفضيلاً، وإنما أفاد أنه ابن عمي وقرابتي وأميني على أهلي، والذي يبين صحة هذا التأويل ويوضحه أنه لما خرج النبي ﷺ إلى غزوة تبوك، استخلف علياً على أهله وابنته، فتكلم المنافقون عليه، فأتى علي إلى النبي فقال: يا رسول الله، كنت لا أرضى لنفسي أن أكون من المتخلفين، وقد تكلم المنافقون في حقي، فقال ﷺ: «علي مني بمنزلة هارون أمين موسى على قومه»، ونحن لا ننكر ذلك في حقه؛ إلا أنه لم يفد تفضيلاً له على غيره.

واحتج أيضاً بأن قال: إن عليّاً لم يشرك بالله طرفة عين، وتابع النبي ﷺ في حال صبوته.

والجواب: هو أنه لم يشرك بالله غلط من القول؛ لأنه كان تابعاً لأبويه، وأبواه كانا كافرين. ولهذا روي أن عليّاً رضي الله عنه يتمدح بإسلامه صبيّاً فقال:
سَبَقتُكُمُ إِلى الإِسلامِ طُرّاً غُلاماً ما بَلَغَتُ أَوانَ حلمي.

فإن قيل: فنقول: إنه كان كافراً وأسلم؛ إلا أنه كان أول الناس إسلاماً، الدليل عليه إنشاده البيت.

والجواب: هو أن هذا غير صحيح؛ لأن ابن عباس سألوه فقالوا له: أي الناس كان أول إسلاماً؟ فقال: أبوبكر الصديق رضي الله عنه، أما سمعت قول حسان بن ثابت في ذلك، فقال:

إِذا تَذَكَّرتَ شَجواً مِن أَخي ثِقَةٍ فَاِذكُر أَخاكَ أَبا بَكرٍ بِما فَعَلا
وَالثانِيَ الصادِقَ المَحمودَ مَشهَدُهُ وَأَوَّلَ الناسِ مِنهُم صَدَّقَ الرُسُلا.

وأما قول عليٍّ: سبقتكم إلى الإسلام طرّاً غلاماً، أي: سبقت الغلمان دون الشيوخ والكهول، ويحتمل أن يكون المراد به: أسلمت في صبوتي، ولم يتأخر إسلامي إلى كبرتي.

واحتج أيضاً بأن قال: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦]، وعليٌّ أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ من أبي بكر.

والجواب: هو أن التفضيل لو كان طريقه القرابة؛ لكان حمزة عم النبي ﷺ أولى من ابن العم، وقد استوفينا ذلك في كتابنا الكبير، والله أعلم.
ئەثەری دواتر ئەثەری پێشووتر