في أن الموت حق، والبعث من بعد الموت حق، ومسائلة منكر ونكير حق
فَصْلٌ
في أن الموت حق، والبعث من بعد الموت حق، ومسائلة منكر ونكير حق.
وأنكرت المعطلة البعث من بعد الموت، وأنكرت المعتزلة مسائلة منكر ونكير.
دليلنا على المعطلة: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم: ٤٠]، أثبت الحياة بعد الموت، وذلك هو المطلوب.
دليلٌ ثاني: قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨-٧٩].
فوجه الدليل من الآية ثلاثة أوجه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أي: بدء خلقه، وكان الحق تعالى نسب القائل لذلك إلى العمى والجهل؛ لأنه أيقن بالخلق وكذب بالبعث. ودليل العقل يقتضي أن بدء الخلق هو من جملة القدرة التي أنشأها أول مرة من غير وجود، وذلك يقتضي أن من بدأ الخلق من غير شيء قادر على أن يعيده كما كان.
الدليل الثاني من الآية: قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فجعل النشأة في أول مرة دلالة على الرجعة؛ لأن من خلق الأشياء من غير أصل قادر على أن يعيدها من أصل.
الدليل الثالث من الآية: قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: ٨٠] مع رطوبته، ومع يبوستها يكون أولى أن يخرج منه ناراً قطعاً لا محالة، وإذا كان كذلك فيكون بطريق الأولى أن من يخلق الإنسان من العدم بغير وجود شيء أصلاً، قادر على أن يخلقهم مع وجود الأساس وهو العظام الرميم، ثم يعضد ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]، يريد بذلك أنه إذا قدر على إنشاء السموات والأرضين بعد ذهابها فهو قادر على أن ينشئ الآدمي بعد موته وفنائه.
دليلٌ ثاني: قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩-٣٠]. وقال ﷺ: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً»، فقالت عائشة: بادي العورة يا رسول الله؟ فقال ﷺ: «لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه».
دليلٌ ثالث: هو أن التكذيب بالبعث يفضي إلى إسقاط التكليف؛ لأن العبد إنما كُلِّف في الدنيا ليستحق به ثواباً في العقبى إذا فعل ما كلفه.
فإذا قيل: إن العبد لا يحشر ولا ينشر فيفضي ذلك إلى تبطيل الثواب، يعني: تعطيل الثواب والعقاب.
ولا يجوز لقائل أن يقول: إن الثواب في الدنيا؛ لأن الله تعالى حقَّر ثواب الدنيا وعظَّم ثواب الآخرة فقال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥، الحديد: ٢٠] والمتاع هو الشيء المهين التافه الذي لا ينتفع به، ذكر ذلك الأصمعي. وبين الباري أن النعمة مستدرجة في لذات الدنيا ونعيمها، فقال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢، القلم: ٤٤]. جاء في تفسيره: كلما جددوا معصية جدد لهم نعمة.
وقال في الجنة: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، وقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠]، وقال ﷺ: «يقول الله تبارك وتعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».
فبيَّن أن نعيم الجنة هو النعيم، وأن عذاب النار هو العذاب الأليم لأنه قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]، وقال: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]، وقال: ﴿لَـــٰبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢٣]، ولا عقاب في الدنيا مما يناسب ذلك.
والدلالة على المعتزلة في إثبات منكر ونكير: قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، جاء في تفسير هذا في الحياة الدنيا، يعني: عند خروج الروح، وفي الآخرة: عند مساءلة منكر ونكير.
دليلٌ ثاني: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا وضع الرجل في قبره أتاه منكر ونكير، وهما ملكان فظان غليظان أسودان أزرقان، ألوانهما كالليل الدامس، أصواتهما كالرعد العاصف، عيونهما كالشهب الثاقب، أسنانهما كالألواح، يسحبان شعورهما على الأرض، بيد كل واحد منهما مطرقة، لو اجتمع الثقلان الجن والإنس لم يقدروا على حملها، يسألان الرجل عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه» وذكر الخبر بطوله،
فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يأتياني وأنا ثابت كما أنا؟ قال: «نعم»، قال: إذاً أكفيكهم فسيكفيكهما الله. فقال ﷺ: «والذي بعثني بالحق نبياً، لقد أخبرني جبريل عليه السلام على أنهما يأتيانك فيسألنك فتقول: الله ربي، فمن ربكما؟ ومحمد نبيي فمن نبيكما؟ فيقولان: واعجباً، ما ندري نحن أرسلنا إليك أم أنت أُرسلت إلينا!».
فإن احتج المخالف بأن قال: كل من يرصد القبور لا يراهما؛ ولأن مساحة القبر ضيقة فكيف يسعهما مع عظم خلقهما؟
والجواب: أما قوله: من يرصد القبور لا يخبر برؤيتهما؛ فنقول: إنه لا يمتنع أن يراهما الميت ولا يراهما غيره، ألا ترى أن المحتضر عند خروج الروح يرى ملك الموت باتفاق منَّا، ولا يراه من يحضر بحضرته، وكذلك النبي ﷺ كان يرى جبريل ولا يراه من بحضرته.
وأما قوله: كيف يسعهما القبر مع ضيق مساحته وعظم خلقتهما؟
قلنا: يجوز أن يوسع الله تعالى مقامهما كما وسع مقام جبريل إذا نزل على النبي ﷺ.