باب ذكرى ما جرى بين أبي ورسول المتوكل [بعد عودته من المعسكر]

بَاب ذكرى مَا جرى بَين أبي وَرَسُول المتَوَكل [بعد عودته من المعسكر]
قَالَ أَبُو الْفضل: وَقدم المتَوَكل فَنزل الشماسية يُرِيد الْمَدَائِن، فَقَالَ لي أبي: يَا صَالح أحب أَن لَا تذْهب الْيَوْم وَلَا تنبه عليَّ، فَلما كَانَ بعد يَوْم، وَأَنا قَاعد خَارِجا، وَكَانَ يَوْما مطيرا، إِذا يحيى بن خاقَان قد جاء والمطر عَلَيْهِ فِي موكب عَظِيم، فَقَالَ: سبحان الله لم تصل إِلَيْنَا حَتَّى نبلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ السَّلَام على شيخك، حَتَّى وَجه بِهِ، ثمَّ نزل خَارج الزقاق، فجهدت بِهِ أَن يدْخل على الدَّابَّة فَلم يفعل، فَجعل يَخُوض فِي الْمَطَر، فَلَمَّا صَار إِلَى الْبَاب نزع جرموقه، وَكَانَ على خفه، وَدخل وَأبي فِي الزاوية قَاعد عَلَيْهِ كسَاء مربع وعمامة، والستر الَّذِي على الْبَاب قِطْعَة خيش، فَسلم عَلَيْهِ، وَقبل جَبهته، وَسَأَلَهُ عَن حَاله، وَقَالَ: أَمِير الْمُؤمنِينَ يُقْرِئك السَّلَام، وَيَقُول: كَيفَ أَنْت فِي نَفسك، وَكَيف حالك؟ وَقد أنست بقربك، ويسألك أَن تَدْعُو لَهُ، فَقَالَ: مَا يَأْتِي عَليّ يَوْم إِلَّا وَأَنا أَدْعُو الله لَهُ.

ثمَّ قَالَ: قد وَجه معي ألف دِينَار تفرقها على أهل الْحَاجة.

فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا، أَنا فِي الْبَيْت مُنْقَطع عَن النَّاس، وَقد أعفاني من كل مَا أكرهه.

فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الله الْخُلَفَاء لَا يحْتَملُونَ هَذَا.

فَقَالَ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا، تلطف في ذلك.

فَدَعَا لَهُ، ثمَّ قَامَ، فَلَمَّا صَار إِلَى الدَّار رَجَعَ، وَقَالَ: أهكذا كنت لَو وَجه إِلَيْك بعض إخوانك تفعل؟

قَالَ: نعم، فَلَمَّا صرنا إِلَى الدهليز قَالَ: أَمرنِي أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن أدفعها إِلَيْك تفرقها.

فَقلت: تكون عنْدك إِلَى أَن تمْضِي هَذِه الْأَيَّام.
ئەثەری دواتر ئەثەری پێشووتر