ومنهم الجهمية وهم ثماني فرق

ومِنْهُم الْجَهْمِية وهم ثَمَانِي فرق
وَمِنْهُم صنف من المعطلة يَقُولُونَ: إِن الله لَا شَيْء، وَمَا من شَيْء، وَلَا فِي شَيْء، وَلَا يَقع عَلَيْهِ صفة شَيْء، وَلَا معرفَة شَيْء، وَلَا توهُم شَيْء، وَلَا يعْرفُونَ الله فِيمَا زَعَمُوا إِلَّا بالتخمين فوقعوا عَلَيْهِ اسْم الألوهية، وَلَا يصفونه بِصفة يَقع عَلَيْهِ الألوهية، وَقَالَ الله عز وَجل فِي كِتَابه: {قل أَي شَيْء أكبر شَهَادَة قل الله شَهِيدا بيني وَبَيْنكُم} فَأخْبر أَنه شَيْء، وَقَالَ أَيْضا: {من أَشد منا قُوَّة أَو لم يرَوا أَن الله الَّذِي خلقهمْ هُوَ أَشد مِنْهُم قُوَّة وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يجحدون}.

وَأما مَا جَاءَت بِهِ الْآثَار فَهُوَ مَا روى أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ليسئلنكم النَّاس عَن كل شَيْء حَتَّى يسئلونكم: هَذَا الله خلق الْخلق فَمن خلق الله؟ فَقولُوا: الله خَالق كل شَيْء وَقبل كل شَيْء وَهُوَ بعد كل شَيْء.

وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رجل: يَا رَسُول الله إِنَّه يعرض فِي نَفسِي الْأَمر لِأَن أكون حممة أحب إِلَيَّ من أَن أَتكَلّم بِهِ، فَقَالَ رَسُول الله: الله أكبر الْحَمد لله الَّذِي رد أمره إِلَى الوسوسة، وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تزالون تسئلون حَتَّى يَقُول أحدكُم: هَذَا الله خلق الْخلق فَمن خلق الله؟ وَذكره.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَن الله شَيْء وَلَيْسَ كالأشياء لَا يَقع عَلَيْهِ صفة وَلَا معرفَة وَلَا توهم وَلَا نور وَلَا سمع وَلَا بصر وَلَا كَلَام وَلَا تكلم، وَإِن الْقُرْآن مَخْلُوق، وَإنَّهُ لم يكلم مُوسَى، وَلَا يكلم قطّ، وَإِن الله خلق قولا وكلاما فَوَقع ذَاك القَوْل وَالْكَلَام فِي مسامع من شَاءَ الله من خلقه فَبَلغهُ السَّامع عَن الله بعد مَا سَمعه فَسمى ذَلِك قولا وكلاما، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَنه لَيْسَ بَين الله وَبَين خلقه حجاب وَلَا خلل، وَأَنه لَا يتَخَلَّص من خلقه وَلَا يتَخَلَّص الْخلق مِنْهُ إِلَّا أَن يفنيهم أجمع، فَلَا يبْقى من خلقه شَيْء وَهُوَ مَعَ الآخر فِي آخر خلقه ممتزج بِهِ فَإِذا أمات خلقه تخلص مِنْهُم وتخلصوا مِنْهُ وَأَنه لَا يَخْلُو مِنْهُ شَيْء من خلقه وَلَا يَخْلُو هُوَ مِنْهُم.

وَمِنْهُم صنف: أَنْكَرُوا أَن يكون الله سُبْحَانَهُ فِي السَّمَاء وأنكروا الْكُرْسِيّ وأنكروا الْعَرْش أَن يكون الله فَوْقه وَفَوق السَّمَوَات من قبل هَذَا، وَقَالُوا: إِن الله فِي كل مَكَان حَتَّى فِي الْأَمْكِنَة القذرة، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا.

وَمِنْهُم صنف قَالُوا: لَا نقُول إِن الله بَائِن من الْخلق وَلَا غير بَائِن وَلَا فَوْقهم وَلَا تَحْتهم وَلَا بَين أَيْمَانهم وَلَا عَن شمائلهم وَلَا هُوَ أعظم من بعوض وَلَا قراد وَلَا أَصْغَر مِنْهَا، وَلَا نقُول هَذَا، وَلَا نقُول: إِن الله قوي وَلَا شَدِيد وَلَا حَيّ وَلَا ميت وَلَا يغْضب وَلَا يرضى وَلَا يسْخط وَلَا يحب وَلَا يعجب وَلَا يرحم وَلَا يفرح وَلَا يسمع وَلَا يبصر وَلَا يقبض وَلَا يبسط وَلَا يضع وَلَا يرفع، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَن الْعباد لَا يرَوْنَ الله وَلَا ينظرُونَ إِلَيْهِ فِي الْجنَّة وَلَا غَيرهَا زَعَمُوا أَنه لَيْسَ بَينهم وَبَين الله خلل ينظرُونَ إِلَيْهِ مِنْهَا وَإنَّهُ لَا حجاب لله، وَإِن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام كفر حِين سَأَلَ ربه وَلِأَنَّهُ سَأَلَ مَا لم يكن، وَإِن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام كفر حِين قَالَ: {تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك إِنَّك أَنْت علام الغيوب} لأَنهم زَعَمُوا أَنه حِين زعم أَن لله نفسا فقد كفر، بلغ بهم الغلو إِلَى تَكْفِير الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَن الْجنَّة وَالنَّار لم يخلقهما الله بعد وأنهما تفنيان بعد خلقهما فَيخرج أهل الطَّاعَة من الْجنَّة بعد دُخُولهَا إِلَى الْحزن بعد الْفَرح وَالْغَم بعد السرُور والشقاء بعد الرخَاء جَمِيع أهل الْجنان من الْمَلَائِكَة والأنبياء وَالْمُؤمنِينَ وَإِن الْجنَّة تخرب بعد عمارتها حَتَّى تصير رميما لَا أحد فِيهَا.

وَيخرج أهل النَّار بعد دُخُولهَا فَيصير إِلَى الْفَرح بعد الْحزن وَإِلَى السرُور بعد الْغم وَإِلَى الرخَاء بعد الشَّقَاء جَمِيع أهل النَّار من الأبالسة والفراعنة والكافرين، وَإِن النَّار تخرب بعد عمارتها حَتَّى تخفق أَبْوَابهَا وَلَيْسَ فِيهَا أحد، فَيصْرف ثَوَاب الله عَن أوليائه وعقاب الله عَن أعدائه، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا.

وَمِنْهُم صنف: أَنْكَرُوا الْمِيزَان أَنْكَرُوا أَن يكون لله ميزَان يزن فِيهِ الْخلق أَعْمَالهم، وأنكروا الصِّرَاط أَن يكون الله عز وَجل يُجِيز على الصِّرَاط أحدا، وأنكروا الْكِرَام الْكَاتِبين أَن يكون الله عز وَجل يَجْعَل على عباده حفظَة يحفظون أَعْمَالهم، وأنكروا الشَّفَاعَة أَن يشفع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأحد من أمته وَأَن يخرج النَّاس من النَّار بعد مَا دخلوها، وأنكروا عَذَاب الْقَبْر ومنكرا ونكيرا، وَزَعَمُوا أَن الرّوح تَمُوت كَمَا يَمُوت الْبدن، وَأَن لَيْسَ عِنْد الله أَرْوَاح ترزق شُهَدَاء وَلَا غَيرهم، وأنكروا الْإِسْرَاء أَن يكون رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أسرى بِهِ من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى، وأنكروا الرُّؤْيَا وَزَعَمُوا أَنَّهَا أضغاث أَحْلَام، وأنكروا أَن يكون ملك الْمَوْت يقبض الْأَرْوَاح، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا.

وَهَذَا إِجْمَاع كَلَام الْجَهْمِية وَإِنَّمَا سموا جهمية، لِأَن الجهم بن صَفْوَان كَانَ أول من اشتق هَذَا الْكَلَام من كَلَام السمنية صنف من الْعَجم بِنَاحِيَة خُرَاسَان وَكَانُوا شككوه فِي دينه حَتَّى ترك الصَّلَاة أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَقَالَ: لَا أُصَلِّي لمن لَا أعرفهُ، ثمَّ اشتق هَذَا الْكَلَام وَبنى عَلَيْهِ من بعده.
ئەثەری پێشووتر