باب ذكر القدرية ونعتهم ومذاهبهم واعتقادهم
بَاب ذكر الْقَدَرِيَّة ونعتهم ومذاهبهم واعتقادهم
وَأما الْقَدَرِيَّة فهم سبع فرق وهم أَصْنَاف:
فصنف مِنْهُم يَزْعمُونَ: أَن الْحَسَنَات وَالْخَيْر من الله وَالشَّر والسيئات من أنفسهم لكي لَا ينسبوا إِلَى الله شَيْئا من السَّيِّئَات والمعاصي، ويتكلمون بأَشْيَاء لَا أستجيز ذكرهَا، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا.
هَذَا وَالله تَعَالَى يَقُول: {سَيَقُولُ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم حَتَّى ذاقوا بأسنا قل هَل عنْدكُمْ من علم فتخرجوه لنا إِن تتبعون إِلَّا الظَّن وَإِن أَنْتُم إِلَّا تخرصون قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ}، وَقَالَ: {وَنَفس وَمَا سواهَا فألهمها فجورها وتقواها} وَقَالَ: {وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا وَلَا حَبَّة فِي ظلمات الأَرْض وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين} وَقَالَ: {وقضينا إِلَى بني إِسْرَائِيل فِي الْكتاب لتفسدن فِي الأَرْض مرَّتَيْنِ ولتعلن علوا كَبِيرا} وَقَالَ: {إِن الْمُجْرمين فِي ضلال وسعر يَوْم يسْحَبُونَ فِي النَّار على وُجُوههم ذوقوا مس سقر إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر} وَقَوله {أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين} وَقَوله {إِن هِيَ إِلَّا فتنتك} وَقَالَ: {وَإِن من قَرْيَة إِلَّا نَحن مهلكوها قبل يَوْم الْقِيَامَة أَو معذبوها عذَابا شَدِيدا كَانَ ذَلِك فِي الْكتاب مسطورا} وَقَالَ: {إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم أَنْتُم لَهَا وَارِدُونَ لَو كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَة مَا وردوها وكل فِيهَا خَالدُونَ} وَقَالَ: {فَالتقى المَاء على أَمر قد قدر} أَي قد كَانَ قدر قبل الْبلَاء، وَقَالَ: {وَمَا تشاءون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين} وَقَالَ: {وكل إِنْسَان ألزمناه طَائِره فِي عُنُقه وَنخرج لَهُ يَوْم الْقِيَامَة كتابا يلقاه منشورا} وَقَالَ: {يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه} وَقَالَ: {هُوَ الَّذِي خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن} وَقَالَ: {كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ} وَفِي الْقُرْآن مثل هَذَا كثير، وَقد قدمت قبل هَذَا شَيْئا عِنْد ذكر خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ في كتابنا هذا.
وَقد خرج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبِيَدِهِ مخصرة - والمخصرة هِيَ مَا أمسك الْإِنْسَان بِيَدِهِ من عصاة أَو عكاز أَو غَيره وَمِنْه أَن يمسك الرجل بيد صَاحبه فَيُقَال: فلَان مخاصر فلَان، يَعْنِي آخذ بِيَدِهِ، وَالرجل يصلي مُخْتَصرا لَيْسَ من هَذَا إِنَّمَا ذَلِك أَن يُصَلِّي وَهُوَ وَاضع يَده على خصره.
وَقد تقدم ذكر الحَدِيث، لما غُشي على عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ظنُّوا أَن نَفسه قد خرجت فَلَمَّا أَفَاق قَالَ: غُشي عليَّ؟ قَالُوا: نعم، قَالَ: صَدقْتُمْ، إِنَّه أَتَانِي ملكان فِي غشيتي هَذِه فَقَالُوا: انْطلق نخاصمك إِلَى الْعَزِيز الْأمين، قَالَ: فلقيهما ملك فَقَالَ: ردُّوهُ فَإِن هَذَا مِمَّن كتبت لَهُم السَّعَادَة وهم فِي بطُون أمهاتهم وسيمتع الله بِهِ نبيه، فَعَاشَ شهرا ثمَّ مَاتَ.
وَقَالَ الْحسن: من كذب بِالْقدرِ فقد كذب بِالْقُرْآنِ، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْعَجز والكيس بِالْقدرِ، وَجَاء رجل إِلَى ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا فَقَالَ: إِن فلَانا يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام، قَالَ: بَلغنِي أَنه قد أحدث فَإِن كَانَ قد أحدث فَلَا تقْرَأ عَلَيْهِ السَّلَام فَإِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: يكون فِي هَذِه الْأمة خسف وَقذف وَذَلِكَ فِي أهل الْقدر.
وَلما دخل غيلَان إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز سَأَلَهُ عَن أَمر النَّاس فَأخْبرهُ صلاحا فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: وَيحك يَا غيلَان مَا هَذَا الَّذِي بَلغنِي عَنْك؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَتكَلّم فَتسمع؟ قَالَ: تكلم، فَقَرَأَ {هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر لم يكن شَيْئا مَذْكُورا إِنَّا خلقنَا الْإِنْسَان من نُطْفَة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بَصيرًا إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا} فَقَالَ عمر: وَيحك من هَهُنَا تَأْخُذ الْأَمر وَتَدَع بَدْء خلق آدم عَلَيْهِ السَّلَام {وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي عَاجل فِي الأَرْض خَليفَة قَالُوا أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك ونقدس لَك قَالَ إِنِّي أعلم مَا لَا تعلمُونَ وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا ثمَّ عرضهمْ على الْمَلَائِكَة فَقَالَ أنبئوني بأسماء هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُم صَادِقين قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا إِنَّك أَنْت الْعَلِيم الْحَكِيم قَالَ يَا آدم أنبئهم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أنبأهم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ ألم أقل لكم إِنِّي أعلم غيب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأعلم مَا تبدون وَمَا تكتمون} فَقَالَ غيلَان: وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لقد جئْتُك ضَالًّا فهديتني وأعمى فبصرتني وجاهلا فعلمتني وَالله لَا أَتكَلّم فِي شَيْء من هَذَا الْأَمر أبدا، فَقَالَ عمر: وَالله لَئِن بَلغنِي أَنَّك تَكَلَّمت فِي شَيْء مِنْهُ لأجعلنك للنَّاس أَو للْعَالمين نكالا، فَلم يتَكَلَّم فِي شَيْء حَتَّى مَاتَ عمر رَحمَه الله فَلَمَّا مَاتَ عمر سَالَ فِيهِ سيل المَاء أَو سيل الْبَحْر، وَنهى الصالحون أَن يَقُول الرجل: لَوْلَا كَذَا لفَعَلت كَذَا، فافهموا فَإِنَّهُ من الْخَفي الَّذِي يغلط فِيهِ النَّاس.
وَقَالَ عبد الله بن مَسْعُود: وَالله لقد قسم الله هَذَا الْفَيْء لهَذِهِ الْأمة على لِسَان نبيه قبل أَن يفتح فَارس وَالروم، وَقَالَ أَيْضا رَضِي الله عَنهُ: مَا كَانَ كفر بعد نبوة إِلَّا كَانَ مفتاحه تَكْذِيبًا بِالْقدرِ.
وَذكر عِنْد عبد الله سعيد بن الْمسيب: أَن أَقْوَامًا يَقُولُونَ: إِن الله قدر كل شَيْء مَا خلا الْأَعْمَال، فَغَضب سعيد غَضبا شَدِيدا حَتَّى هم بِالْقيامِ ثمَّ سكن فَقَالَ: تكلمُوا بِهِ أما وَالله لقد سَمِعت فيهم حَدِيثا كفاهم بِهِ شرا ويحهم لَو يعلمُونَ، قيل لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّد مَا هُوَ؟ فَقَالَ: حَدثنِي رَافع بن خديج أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: يكون قوم من أمتِي يكفرون بِاللَّه وَبِالْقُرْآنِ وهم لَا يَشْعُرُونَ، كَمَا كفرت الْيَهُود وَالنَّصَارَى، قَالَ: قلت: جعلت فدَاك يَا رَسُول الله وَكَيف ذَلِك؟ قَالَ: يقرونَ بِبَعْض الْقدر ويكفرون بِبَعْضِه، قلت: وَمَا يَقُولُونَ؟ قَالَ: يجْعَلُونَ إِبْلِيس عَدو الله شَرِيكا لله فِي خلقه وقوته ورزقه يَقُولُونَ: إِن الْخَيْر من الله وَالشَّر من إِبْلِيس، فيقرءون على ذَلِك كتاب الله فيكفرون بِالْقُرْآنِ بعد الْإِيمَان والمعرفة فَمَاذَا تلقى أمتِي مِنْهُم من الْعَدَاوَة والبغضاء والجدل، أُولَئِكَ زنادقة هَذِه الْأمة فِي زمانهم ثمَّ يكون ظلم السُّلْطَان فياله من ظلم وحيف وأثرة ثمَّ يبْعَث الله عز وَجل عَلَيْهِم طاعونا فيفنى عامتهم ثمَّ يكون الْخَسْف فَمَا أقل من ينجو مِنْهُم الْمُؤمن يَوْمئِذٍ قَلِيل فرحه شَدِيد غمه ثمَّ يكون المسخ فيمسخ الله عَامَّة أُولَئِكَ قردة وَخَنَازِير ثمَّ يخرج الدَّجَّال على أثر ذَلِك قَرِيبا، ثمَّ بَكَى رَسُول الله فبكينا لبكائه وَقُلْنَا: مَا يبكيك يَا رَسُول الله؟ قَالَ: رَحْمَة لَهُم الأشقياء لِأَن فيهم المتعبد وَفِيهِمْ المتهجد مَعَ أَنهم لَيْسُوا بِأول من سبق إِلَى هَذَا القَوْل وضاق بِحمْلِهِ ذرعا إِن عَامَّة من هلك من بني إِسْرَائِيل بالتكذيب بِالْقدرِ، قلت: جعلت فدَاك يَا رَسُول الله قل لي: كَيفَ الْإِيمَان بِالْقدرِ؟ قَالَ: تؤمن بِاللَّه وَحده وَإنَّهُ لَا يملك أحدا مَعَه ضرا وَلَا نفعا وتؤمن بِالْجنَّةِ وَالنَّار وَتعلم أَن الله خلقهما قبل خلق الْخلق ثمَّ خلق الْخلق فَجعل من شَاءَ مِنْهُم إِلَى الْجنَّة وَمن شَاءَ مِنْهُم إِلَى النَّار عدلا ذَلِك مِنْهُ وكل يعْمل لما قد فرغ لَهُ مِنْهُ وَهُوَ صائر إِلَى مَا قد خلق لَهُ، قلت: صدق الله وَرَسُوله.
وَعَن ابْن عَبَّاس: إِن الله عز وَجل أول مَا خلق الْقَلَم ثمَّ خلق النُّون وَهِي الدواة ثمَّ خلق اللَّوْح ثمَّ قَالَ للقلم: اكْتُبْ، فَقَالَ: وَمَا اكْتُبْ يَا رب؟ قَالَ: اكْتُبْ الْقدر، وَخلق الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَمَا يكون فِي الدُّنْيَا من خلق مَخْلُوق أَو عمل مَعْمُول من بر أَو فجور أَو رزق حَلَال أَو حرَام أَو رطب أَو يَابِس ثمَّ ألزم كل شَيْء من ذَلِك شَأْنه وَمَا بَقَاؤُهُ وَمَا فناؤه حَتَّى تفنى الدُّنْيَا ثمَّ جعل لذَلِك الْكتاب مَلَائِكَة وَجعل لِلْخلقِ مَلَائِكَة فَينْطَلق مَلَائِكَة الْخلق إِلَى مَلَائِكَة الْكتاب فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ انسخ بِمَا هُوَ كَائِن فِي اللَّيْل وَالنَّهَار وَبِمَا وكلوا بِهِ، فيهبط مَلَائِكَة الْخلق إِلَى الْخلق فيحفظونهم بِأَمْر الله ويسوقونهم إِلَى مَا فِي أَيْديهم من تِلْكَ النّسخ فَإِذا فنيت تِلْكَ النّسخ لم يكن لهَذَا الْخلق بَقَاء وَلَا مقَام وَذَلِكَ قَول الله عز وَجل: {إِنَّا كنا نَسْتَنْسِخ مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ} فَقَالَ رجل لِابْنِ عَبَّاس: وَالله مَا كُنَّا نرى ذَلِك إِلَّا نسخ أَعمالنَا، قَالَ ابْن عَبَّاس: أَلا تستحيون ألستم قوما عربا هَل كَانَت النّسخ قطّ إِلَّا من كتاب مَكْتُوب؟ فوَاللَّه إِن الله عز وَجل ليَبْعَث الْملك فَيدْفَع إِلَيْهِ صحيفتان إِن إِحْدَاهمَا لمختومة وَالْأُخْرَى المنشورة فَيُقَال لَهُ: اكْتُبْ فِي هَذِه، وَلَا تفتح المختومة، وَلَا تكسر لَهَا خَاتمًا، فَإِذا صَعد فك الْخَاتم ثمَّ عَارض فَلَا يُغَادر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة وَذَلِكَ قَوْله عز وَجل: {وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا وَلَا حَبَّة فِي ظلمات الأَرْض وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين} وَعَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لَا تجالسوا أهل الْقدر وَلَا تفاتحوهم، وَقَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْها: أُوتى رَسُول الله بصبي من الْأَنْصَار ليُصَلِّي عَلَيْهِ، قَالَت: فَقلت: طُوبَى لَهُ عُصْفُور من عصافير الْجنَّة لم يعْمل شرا وَلَا يدره، قَالَ: أَو غير ذَلِك يَا عَائِشَة إِن الله خلق الْجنَّة وَجعل لَهَا أَهلا وهم فِي أصلاب آبَائِهِم.
وَعَن ابْن عَبَّاس: {يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت}، قَالَ: الشَّقَاء والسعادة والحياة وَالْمَوْت، وَعَن الْحسن بن عَليّ قَالَ: رفع الْكتاب وجف الْقَلَم، وَأُمُور تُقضى فِي كتاب قد خلا.
وَقَالَ أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ: خلق الله تَعَالَى الْخلق فَكَانُوا فِي قَبضته فَقَالَ لمن فِي يَمِينه: أدخلُوا الْجنَّة بِسَلام، وَقَالَ لمن فِي يَده الْأُخْرَى: أدخلُوا النَّار وَلَا أُبَالِي، قَالَ: فَذَهَبت إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
قَالَ عمر بن ذَر: دخلت على عمر بن عبد الْعَزِيز وَسَأَلنَا عَن قبائلنا ثمَّ تكلم رجل منا فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَشهد شَهَادَة الْحق فَقَالَ عمر: إِن الله كَمَا شهِدت وكما عظمت وَلَكِن لَو حمل خلقه من حَقه بِقدر عَظمته لم يحمل ذَلِك سَمَاء وَلَا ارْض وَلَا جبل وَلَكِن أَرَادَ بعباده الْيُسْر وَرَضي مِنْهُم بِالتَّخْفِيفِ فَفرض عَلَيْهِم فِي كل يَوْم وَلَيْلَة خمس صلوَات وَفِي كل عَام صِيَام شهر، وَذكر مَا شَاءَ الله من الْفَرَائِض وَقَالَ: ذَلِك فِي آيَة من كتاب الله عقلهَا من عقلهَا وجهلها من جهلها ثمَّ قَرَأَ {فَإِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ} أَي من دون الله {مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بفاتنين إِلَّا من هُوَ صال الْجَحِيم} وَكَانَ منا رجل يرى رأي الْقدر بِخِلَاف مَا تكلم بِهِ.
وَقَالَ ابْن مَسْعُود: لَا يرى رجل طعم الْإِيمَان حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ أَنه ميت ومبعوث من بعد الْمَوْت، قَالَ ابْن عَبَّاس: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أَمر الله مناديا فَنَادَى: أَيْن خصماء الله؟ فَيقومُونَ مسودة وُجُوههم مزرقة أَعينهم مَا يَلِي شفاههم يسيل لعابهم ويقذرهم من يراهم فَيَقُولُونَ: رَبنَا وَالله مَا عَبدنَا شمسا وَلَا قمرا وَلَا حجرا وَلَا وثنا، قَالَ ابْن عَبَّاس: صدقُوا وَالله لقد أَتَاهُم الشّرك من حَيْثُ لَا يعلمُونَ، ثمَّ تَلا ابْن عَبَّاس {يَوْم يَبْعَثهُم الله جَمِيعًا فَيحلفُونَ لَهُ كَمَا يحلفُونَ لكم وَيَحْسبُونَ أَنهم على شَيْء أَلا إِنَّهُم هم الْكَاذِبُونَ} قَالَ ابْن عَبَّاس: هم وَالله القدريون، ثَلَاث مَرَّات.
وَعَن بجير بن عبيد الله عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: يكون فِي آخر أمتِي قوم يكذبُون بِالْقدرِ عَلَيْهِم مسوك الكباش قُلُوبهم قُلُوب الذئاب الضواري وبعزة رَبِّي وجلاله لَو أَن لكل وَاحِد مِنْهُم مثل أحد ذَهَبا وَفِضة مُنْقَطِعَة فأنفقها فِي سَبِيل الله مَا تقبل مِنْهُ حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره حلوه ومره، أَلَّا فَلَا تُجَالِسُوهُمْ فيشركون بِاللَّه فتشركوا مَعَهم {فيسبوا الله عدوا بِغَيْر علم} هَكَذَا قَرَأَهَا ابْن سَلام، وَإِن غَابُوا فَلَا تفتقدونهم وَإِن مرضوا فَلَا تعودوهم، وَإِن مَاتُوا فَلَا تشيعوهم شيعَة الدَّجَّال حق على الله أَن يلحقهم بِهِ وَهُوَ مجوس هَذِه الْأمة،
وَقَالَ ابْن مَسْعُود: يجْتَمع النَّاس فِي صَعِيد وَاحِد يسمعهم الدَّاعِي وَينْفذهُمْ الْبَصَر أَلَّا وَإِن الشقي من شقي فِي بطن أمه، وَأَحْسبهُ قَالَ: والسعيد من وعظ بِغَيْرِهِ، قَالُوا: يَا أَبَا وَائِل مَا تَقول فِي الْحجَّاج؟ قَالَ: سُبْحَانَ الله أَنَحْنُ نحكم على الله.
وَعَن ابْن عَبَّاس قَوْله: {وَإِنَّا لموفوهم نصِيبهم غير مَنْقُوص} قَالَ: مَا قدر لَهُم من خير وَشر، قَالَ عَليّ بن شَدَّاد: دخلت مَعَ ابْن عمر إِلَى السُّوق فَكَانَ أَكثر كَلَامه مَعَ من لَقِي: سَلام عَلَيْكُم نَعُوذ بِاللَّه من قدر السوء، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لن يُؤمن من لم يُؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره، وَقَالَ عبد الله بن عمر: سَمِعت رَسُول الله يَقُول: من شرب الْخمر لم يقبل لَهُ أَرْبَعِينَ صباحا فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ، فَلَا أدري فِي الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة قَالَ: حَقًا على الله أَن يسْقِيه من ردغة الخبال يَوْم الْقِيَامَة، قَالَ: وسمعته يَقُول عَلَيْهِ السَّلَام: إِن الله خلق خلقه فِي ظلمَة فَألْقى عَلَيْهِم من نوره فَمن أَصَابَهُ من النُّور يَوْمئِذٍ اهْتَدَى وَمن أخطأه ضل فَلذَلِك أَقُول: جف الْقَلَم على علم الله، قَالَ: وسمعته عَلَيْهِ السَّلَام يَقُول: إِن سُلَيْمَان بن دَاوُد سَأَلَ الله تبَارك وَتَعَالَى ثَلَاثًا فَأعْطَاهُ اثْنَتَيْنِ وَأَنا أَرْجُو أَن يكون قد أعطَاهُ الثَّالِثَة سَأَلَ الله حكما يُصَادف حكمه فَأعْطَاهُ وَسَأَلَهُ ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعده فَأعْطَاهُ إِيَّاه وَسَأَلَهُ أَيّمَا رجل خرج من بَيته لَا يُرِيد إِلَّا الصَّلَاة فِي هَذَا الْمَسْجِد يَعْنِي بَيت الْمُقَدّس إِلَّا خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَنحن نرجو أَن يكون الله قد أعطَاهُ إِيَّاه، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَا يفتنون {إِلَّا من هُوَ صال الْجَحِيم}، وَقَالَ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا بعث الله نَبيا قطّ إِلَّا كَانَ فِي أمته من بعده قدرية ومرجئة يشوشون عَلَيْهِ أَمر أمته أَلا إِن الله لعن الْقَدَرِيَّة والمرجئة.
وَقَالَ عبَادَة بن الصَّامِت: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يكون فِي أمتِي رجلَانِ أَحدهمَا وهب وهَبَ الله لَهُ الْحِكْمَة، وَالْآخر غيلَان فتْنَة على هَذِه الْأمة أَشد من فتْنَة الشَّيْطَان، وَسَأَلت عَائِشَة رَحْمَة الله عَلَيْهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ولدان الْمُسلمين أَيْن هم يَوْم الْقِيَامَة؟ قَالَ: فِي الْجنَّة يَا عَائِشَة، فَقَالَت لَهُ مجيبة: يَا رَسُول الله لم يدركوا الْأَعْمَال وَلم تجر عَلَيْهِم الأقلام، قَالَ: رَبك أعْلَم بِمَا كَانُوا عاملين، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَئِن شِئْت لأسمعتك تضاغينهم فِي النَّار.
وَمن الْقَدَرِيَّة صنف يُقَال لَهُم: المفوضة زَعَمُوا أَنهم موكلون إِلَى أنفسهم إِنَّهُم يقدرُونَ على الْخَيْر كُله بالتفويض الَّذِي يذكرُونَ دون توفيق الله وهداه، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا، وَالله جلّ من قَائِل يَقُول: {وَمَا تشاؤن إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين} مَعْنَاهُ من خير إِلَّا أَن يَشَاء الله لكم، وَقَول جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام: إِنِّي لأرسل فِي الْأَمر فأجد الْكَوْن قد سبقني إِلَيْهِ.
وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَن الله عز وَجل جعل إِلَيْهِم الِاسْتِطَاعَة تَاما كَامِلا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى أَن يزدادوا فِيهِ فاستطاعوا أَن يُؤمنُوا وَأَن يكفروا ويأكلوا ويشربوا ويقوموا ويقعدوا ويرقدوا ويستيقظوا وَأَن يعملوا مَا أَرَادوا، وَزَعَمُوا أَن الْعباد كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ أَن يُؤمنُوا وَلَوْلَا ذَلِك مَا عذبهم على مَا لا يَسْتَطِيعُونَ إِلَيْهِ.
وَعَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله إكذابا لَهُم {فَمن شَاءَ فليؤمن وَمن شَاءَ فليكفر} يَقُول: من شَاءَ لَهُ الْإِيمَان آمن وَمن شَاءَ لَهُ الْكفْر كفر، وَهُوَ قَوْله: {وَمَا تشاءون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين}، وَقَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {قد أَفْلح من زكاها وَقد خَابَ من دساها} قد أفلح من زكى الله نَفسه وَقد خَابَ من دسى الله نَفسه فأضله.
وَقَالَ أَيْضا فِي قَوْله: {يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه} يَقُول: بَين الْمُؤمن وَالْكفْر ويحول بَين الْكَافِر وَالْإِيمَان.
وَعَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ} قَالَ: إِن الله سُبْحَانَهُ بَدَأَ بخلق ابْن آدم مُؤمنا وكافرا كَمَا قَالَ عز وَجل {هُوَ الَّذِي خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن} ثمَّ يعيدهم سُبْحَانَهُ يَوْم الْقِيَامَة كَمَا بَدَأَ خلقهمْ مُؤمنا وكافرا.
وَمِنْهُم صنف شبيبية: فَهَؤُلَاءِ أَيْضا أَنْكَرُوا أَن يكون الْعلم سَابِقًا على مَا الْعباد عاملون وَمَا هم إِلَيْهِ صائرون.
كذب أَعدَاء الله، قَالَ ابْن مَسْعُود: حَدثنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الصَّادِق المصدْق: إِن خلق أحدكُم يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يكون علقَة مثل ذَلِك ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يُؤمر الْملك بِأَرْبَع فَيكْتب رزقه وأجله وشقي أَو سعيد، وَإِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى لَا يكون بَينه وَبَينهَا غير ذِرَاع فيغلب عَلَيْهِ الْكتاب الَّذِي قد سبق فَيعْمل بِعَمَل أهل النَّار فَيدْخل النَّار، وَإِن أحدكم ليعْمَل بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى لَا يكون بَينه وَبَينهَا غير ذِرَاع فيغلب عَلَيْهِ الْكتاب الَّذِي سبق فَيعْمل بِعَمَل أهل الْجنَّة فَيكون من أهل الْجنَّة.
وَمِنْهُم صنف: أَنْكَرُوا أَن الله عز وَجل خلق ولد الزِّنَا أَو قدره أَو شاءه أَو علمه، تَعَالَى الله عَمَّا قَالُوا، وأنكروا أَن يكون الرجل الَّذِي سرق فِي عمره كُله أَو يَأْكُل الْحَرَام أَن يكون ذَلِك رزق الله عز وَجل وَقَالُوا: لم يرزقه الله رزقا قطّ إِلَّا حَلَالا، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا.
هَذَا وَابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: الزِّنَا بِقدر وَالسَّرِقَة بِقدر وَشرب الْخمر بِقدر، وَقَالَ مطرف بن عبيد الله بن الشخير: يَا ابْن آدم لم توكل إِلَى الْقدر وَإِلَيْهِ تصيرون.
وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَن الله عز وَجل وَقت لَهُم الأرزاق والآجال لوقت مَعْلُوم فَمن قتل قَتِيلا فقد أعجله عَن أَجله ورزقه لغير أَجله وَبَقِي لَهُ من الرزق مَا لم يستوفه وَلم يستكمله، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا، فَهَذَا إِجْمَاع كَلَام الْقَدَرِيَّة.
قَالَ يزِيد الرقاشِي: قلت لِلْحسنِ: إِنَّك تَقول: من قتل فقد أعجل، فَقَالَ: إِن كنت قلت فأستغفر الله.
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: صنفان من أمتِي لَيْسَ لَهما فِي الْإِسْلَام نصيب: المرجئة والقدرية.
وَقَالَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لَا تجالسوا أهل الْبدع وَلَا تصافحوهم، وَقَالَ: لِأَن أصلي خلف جيفة حمَار أحب إِلَيَّ من أَن أصلي خلف قدري مَا هُوَ إِلَّا جُنُون يعتريهم.
وَقَالَ طَاوس: كنت جَالِسا عِنْد ابْن عَبَّاس ومعنا رجل من الْقَدَرِيَّة فَقلت: إِن نَاسا يَقُولُونَ: لَا قدر، فَقَالَ: أههنا مِنْهُم أحد؟ قلت: لَو كَانَ فيهم مَا كنت تصنع بِهِ؟ قَالَ: لَو كَانَ فيهم أحد لأخذت بِرَأْسِهِ فَقَرَأت عَلَيْهِ آيَة كَذَا وَآيَة كَذَا {وقضينا إِلَى بني إِسْرَائِيل فِي الْكتاب لتفسدن فِي الأَرْض مرَّتَيْنِ ولتعلن علوا كيبرا}.
وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: سِتَّة لعنتهم، لعنهم الله وكل نبي مجاب: الزَّائِد فِي كتاب الله عز وَجل والمكذب بِالْقدرِ والمتسلط بالجبروت ليذل من أعزه الله ويعز من أذله الله، والتارك لسنتي، والمستحل من عترتي مَا حرم الله.
قَالَ أبو هُرَيْرَة: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لعن الله أهل الْقدر الَّذين يكذبُون بِقدر وَلَا يُؤمنُونَ بِقدر أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر، وَقَالَ عز وَجل: {وَإِن من قَرْيَة إِلَّا نَحن مهلكوها قبل يَوْم الْقِيَامَة أَو معذبوها عذَابا شَدِيدا كَانَ ذَلِك فِي الْكتاب مسطورا}، وَقَوله: {وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ} وَلَا أخذُوا بقول أهل النَّار حِين دخلوها فَقَالُوا: {رَبنَا غلبت علينا شِقْوَتنَا وَكُنَّا قوما ضَالِّينَ} وَلَا أخذُوا بقول إِبْلِيس - أجارنا الله مِنْهُ - إِذْ يَقُول: {فبعزتك لأغوينهم أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين} يَقُول: من أخلصه الله فَلَا سَبِيل لي عَلَيْهِ، وَإِن الله عز وَجل نهى آدم عَن أكل الشَّجَرَة وأعانه عَلَيْهَا وَأمر إِبْلِيس بِالسُّجُود وَحَال بَينه وَبَين ذَلِك.