باب ذكر الرافضة وأصناف اعتقادهم

بَاب ذكر الرافضة وأصناف اعْتِقَادهم

قَالَ أَبُو الْحُسَيْن الملطي رَحمَه الله: إِن أهل الضلال الرافضة ثماني عشرَة فرقة يتلقبون بالإمامية وَأَنا أذكرها إِن شَاءَ الله على رتبها:

فأولهم: وهم الْفرْقَة الأولى الغالية من السبئية وَغَيرهم وهم أَصْحَاب عبد الله بن سبأ قَالُوا لعَلي عَلَيْهِ السَّلَام: أَنْت أَنْت، قَالَ: وَمن أَنا؟ قَالُوا: الْخَالِق البارئ، فاستتابهم فَلم يرجِعوا فَأوقد لَهُم نَارا ضخمة وَأَحْرَقَهُمْ وَقَالَ مرتجزا:

(لما رَأَيْت الْأَمر أمرا مُنْكرا ... أججت نارى ودعوت قَنبَرا)

فِي أَبْيَات لَهُ عَلَيْهِ السَّلَام، وَقد بَقِي مِنْهُم إِلَى الْيَوْم طوائف يَقُولُونَ ذَلِك ويتلون من الْقُرْآن: {إِن عليًّا جمعه وقرأ به، فَإِذا قرأناه فَاتبع قراءته} وهم يَقُولُونَ: إِن عليًّا مَا مَاتَ وَلَا يجوز عَلَيْهِ الْمَوْت وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوت، وَيُقَال: لما جَاءَهُم نعي عليٍّ إِلَى الْكُوفَة رَحْمَة الله عَلَيْهِ، قَالُوا: لَو أتيتمونا بدماغه فِي سبعين قَارُورَة لم نصدق بِمَوْتِهِ، فَبلغ ذَلِك الْحسن بن عَليّ رَضِي الله عَنْهُمَا، فَقَالَ: فَلم ورثنا مَاله وَتزَوج نساؤه؟

والفرقة الثَّانِيَة من السبئية يَقُولُونَ: إِن عليًّا لم يمت وَإنَّهُ فِي السَّحَاب، وَإِذا نشأت سَحَابَة بَيْضَاء صَافِيَة منيرة مبرقة مرعدة قَامُوا إِلَيْهَا يبتهلون ويتضرعون وَيَقُولُونَ: قد مر عَليّ بِنَا فِي السَّحَاب.

والفرقة الثَّالِثَة من السبئية هم الَّذين يَقُولُونَ: إِن عليًّا قد مَاتَ وَلَكِن يُبْعَث قبل الْقِيَامَة، وَيُبْعَث مَعَه أهل الْقُبُور حَتَّى يُقَاتل الدَّجَّال وَيُقِيم الْعدْل والقسط فِي الْعباد والبلاد، وَهَؤُلَاء لَا يَقُولُونَ: إِن عليًّا هُوَ الله وَلَكِن يَقُولُونَ بالرجعة.

والفرقة الرَّابِعَة من السبئية يَقُولُونَ: بإمامة مُحَمَّد بن عَليّ وَيَقُولُونَ: هُوَ فِي جبال رضوى حَتَّى لم يمت، ويحرسه على بَاب الْغَار الَّذِي هُوَ فِيهِ تنين وَأسد، وَإنَّهُ صَاحب الزَّمَان يخرج وَيقتل الدَّجَّال، وَيهْدِي النَّاس من الضَّلَالَة، وَيصْلح الأَرْض بعد فَسَادهَا.

وَهَؤُلَاء الْفرق كلهم يَقُولُونَ بالبداء إِن الله تبدو لَهُ البداوات وكلاما لَا أستجيز شَرحه فِي كتاب وَلَا أُقدم النُّطْق بِهِ وَهَؤُلَاء كلهم أحزاب الْكفْر وَفرق الْجَهْل، فَمَتَى لم يقرُّوا بِمَوْت مُحَمَّد وَعلي عَلَيْهِمَا السَّلَام فالضرورة ردتهم إِلَى المكابرة، وأينما كَانُوا لَا حجَّة لَهُم وَأما قَوْلهم: إِن عليًّا هُوَ الْإِلَه الْقَدِيم، فقد ضاهوا بذلك قَول النَّصَارَى وَقد تقدم بِالرَّدِّ على النسطورية من النَّصَارَى أَن ذَا جسم وَكَيْفِيَّة لَا يكون إِلَهًا، فَكَذَلِك قَوْلهم فِي الرّجْعَة أكذبهم فِيهِ قَول الله تبَارك وَتَعَالَى {وَمن ورائهم برزخ إِلَى يَوْم يبعثون} يخبر أَن أهل الْقُبُور لَا يبعثون إِلَى يَوْم النشور فَمن خَالف لحكم الْقُرْآن فقد كفر.

وَقَوْلهمْ: عَليّ فِي السَّحَاب، فَإِنَّمَا ذَلِك قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعَلي أقبل وَهُوَ مُعْتَم بعمامة للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَت تُدعى السَّحَاب، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قد أقبل عَليّ فِي السَّحَاب، يَعْنِي فِي تِلْكَ الْعِمَامَة الَّتِي تسمى السَّحَاب فتأولوه هَؤُلَاءِ على غير تَأْوِيله.

والْفرْقَة الْخَامِسَة: هم القرامطة والديلم وهم يَقُولُونَ: إِن الله نور عُلوي لَا تشبهه الْأَنْوَار وَلَا يمازجه الظلام، وَإنَّهُ تولد من النُّور العُلوي النُّور الشعشعاني، فَكَانَ مِنْهُ الْأَنْبِيَاء وَالْأَئِمَّة فهم بِخِلَاف طبائع النَّاس وهم يعلمُونَ الْغَيْب ويقدرون على كل شَيْء وَلَا يعجزهم شَيْء، ويقهرون وَلَا يُقهَرون، ويعلمون وَلَا يعلمُونَ وَلَهُم عَلَامَات معجزات وأمارات ومقدمات قبل مجيئهم وظهورهم وَبعد ظُهُورهمْ يعْرفُونَ بهَا وهم مباينون لسَائِر النَّاس فِي صورهم وأطباعهم وأخلاقهم وأعمالهم، وَزَعَمُوا أَنه تولد من النُّور الشعشعاني نور ظلامي وَهُوَ النُّور الَّذِي ترَاهُ فِي الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب وَالنَّار والجواهر الَّذِي يخالطه الظلام وَتجوز عَلَيْهِ الْآفَات وَالنُّقْصَان وَتحل عَلَيْهِ الآلام والأوصاب وَيجوز عَلَيْهِ السَّهْو والغفلات وَالنِّسْيَان والسيئات والشهوات والمنكرات غير أَن الْخلق كُله تولد من الْقَدِيم البارىء، وَهُوَ النُّور العُلوي الَّذِي لم يزل وَلَا يزَال وَلَا يَزُول سبق الْحَوَادِث وأبدع الْخلق من غير شَيْء كَانَ قبله، قدره نَافِذ وَعلمه سَابق وَإنَّهُ حَيّ لَا بحياة وقادر لَا بقدرة وَسميع بَصِير لَا يسمع وَلَا يبصر ومدبر لَا بجوارح وَلَا آلَة، فيصفون الْإِلَه جلّ وَعز كَمَا يصفه الموحدون مَعَ قَوْلهم: إِنَّه نور لَا يشبه الْأَنْوَار، ثمَّ يَزْعمُونَ أَن الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج وَسَائِر الْفَرَائِض نَافِلَة لَا فرض، وَإِنَّمَا هُوَ شكر للمنعم وَأَن الرب لَا يحْتَاج إِلَى عبَادَة خلقه، وَإِنَّمَا ذَلِك شكرهم فَمن شَاءَ فعل وَمن شَاءَ لم يفعل وَالِاخْتِيَار فِي ذَلِك إِلَيْهِم، وَزَعَمُوا أَنه لَا جنَّة وَلَا نَار وَلَا بعث وَلَا نشور، وأَن من مَاتَ بلَى جسده وَلحق روحه بِالنورِ الَّذِي تولد مِنْهُ حَتَّى يرجع كَمَا كَانَ، وَقوم مِنْهُم يَقُولُونَ: بتناسخ الرّوح ونذكره إِذا أَتَيْنَا عَلَيْهِم، وَزَعَمُوا أَن كل مَا ذكر الله عز وَجل فِي كِتَابه من جنَّة ونار وحساب وميزان وَعَذَاب ونعيم فَإِنَّمَا هُوَ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا فَقَط من الْأَبدَان الصَّحِيحَة والألوان الْحَسَنَة والطعوم اللذيذة والروائح الطّيبَة والأشياء المبهجة الَّتِي تنعم فِيهَا النُّفُوس، وَالْعَذَاب هُوَ الْأَمْرَاض والفقر والآلام والأوصاب وَمَا تتأذى بِهِ النُّفُوس وَهَذَا عِنْدهم الثَّوَاب وَالْعِقَاب على الْأَعْمَال، وَهُم يَقُولُونَ: بالناسوت فِي اللاهوت على قَول النَّصَارَى سَوَاء، يَزْعمُونَ أَن الْإِنْسَان هُوَ الرّوح فَقَط وَأَن الْبدن هُوَ مثل الثَّوْب الَّذِي هُوَ لابسه فَقَط، ويزعمون أَن كل مَا يخرج من جَوف وَاحِد مِنْهُم من مخاط ونخاع ورجيع وَبَوْل ونطفة ومذي وَدم وقيح وصديد وعرق فَهُوَ طَاهِر نظيف حَتَّى رُبمَا أَخذ بَعضهم من رجيع بعض فَأَكله لعلمه أَنه طَاهِر نظيف، وَزَعَمُوا أَن من قَالَ بِهَذَا قَول واعتقد هَذَا الْمَذْهَب فَهُوَ مُؤمن وَنِسَاؤُهُمْ مؤمنات محقنو الدِّمَاء محقنو الْأَمْوَال وَمن خالفهم فِي قَوْلهم واعتقادهم فَهُوَ كَافِر مُشْرك حَلَال الدَّم وَالْمَال والسبي وَيُسمى بَعضهم بَعْضًا الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات، وَزَعَمُوا أَن نسَاء بَعضهم حَلَال لبَعض، وَكَذَلِكَ أَوْلَادهم وأبدانهم مُبَاحَة من بَعضهم لبَعض لَا تحظير بَينهم وَلَا منع فَهَذَا عِنْدهم مَحْض الْإِيمَان حَتَّى لَو طلب رجل مِنْهُم من امْرَأَة نَفسهَا أَو من رجل أَو من غُلَام فَامْتنعَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَافِر عِنْدهم خَارج من شريعتهم وَإِذا أمكن من نَفسه فَهُوَ مُؤمن مواس فَاضل، وَالْمَفْعُول بِهِ من الرِّجَال وَالنِّسَاء أفضل عِنْدهم من الْفَاعِل حَتَّى يقوم الْوَاحِد مِنْهُم من فَوق الْمَرْأَة الَّتِي لَهَا زوج وَلَيْسَت بِمحرم فَيَقُول لَهَا: طوباك يَا مُؤمنَة، وَهَكَذَا يَقُولُونَ للرجل والغلام إِذا أمكن من نَفسه، وَكَذَلِكَ أَمْوَالهم وأملاكهم لَا يحظرونها من بعض على بعض مُبَاحَة بَينهم، وهم فِي الْحَرْب لَا يدبرون حَتَّى يُقتلُوا وَيَقُولُونَ: حَيَاة بعد الْقَتْل وَالْمَوْت إِنَّا نخلص أَرْوَاحنَا من قذر الْأَبدَان وشهواتها ونلحق بِالنورِ، وهم يرَوْنَ قتل من خالفهم لَا يتحاشون من قتل النَّاس وَلَيْسَ عِنْدهم فِي ذَلِك شَيْء يكرهونه، فَأَما شرب الْخُمُور وَالْمُنكر والملاهي وَسَائِر مَا يَفْعَله العصاة فَهُوَ عِنْدهم شهوات إِن شَاءَ فعلهَا وَإِن شَاءَ تَركهَا، وَلَا يرَوْنَ فِيهَا وعيدا وَلَا فِي تَركهَا ثَوابًا، وَهَؤُلَاء قوم سبيلهم سَبِيل المانية سَوَاء وَالرَّدّ عَلَيْهِم فِي النُّور كالرد على المانية وهم ظاهرو الْجَهْل والعماء.

والفرقة السَّادِسَة هم أصحاب التناسخ وهم فرقة من هَؤُلَاءِ الحلولية يَقُولُونَ: إِن الله عز وَجل نور على الْأَبدَان والأماكن، زَعَمُوا أَن أَرْوَاحهم مُتَوَلّدَة من الله الْقَدِيم، وَأَن الْبدن لِبَاس لَا روح فِيهِ وَلَا ألم عَلَيْهِ وَلَا لَذَّة لَهُ، وَأَن الْإِنْسَان إِذا فعل الْخَيْر وَمَات صَار روحه إِلَى حَيَوَان ناعم مثل فرس وطير وثور مُودع يتنعم فِيهِ ثمَّ يرجع إِلَى بدن الْإِنْسَان بعد مُدَّة، وَإِذا كَانَ نفسا خبيثة شريرة وَمَات صَار روحه فِي بدن حمَار دبر أَو كلب جرب يعذب فِيهِ بِمِقْدَار أَيَّام عصيانه ثمَّ يرد إِلَى بدن الْإِنْسَان لم تزل الدُّنْيَا هَكَذَا وَلَا تزَال تكون هَكَذَا، وَهَذَا مَذْهَب الخُرَّمية سَوَاء، وَسَنذكر الْحجَّة على الْجَمِيع فِي موضعهَا إِن شَاءَ الله.

وَأما الْفرْقَة السَّابِعَة من الحلولية فهم الَّذين يَقُولُونَ: إِن الله تبَارك وَتَعَالَى بعث جِبْرِيل إِلَى عَليّ فغلط جِبْرِيل وَصَارَ إِلَى مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام فاستحيا الرب وَترك النُّبُوَّة فِي مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَجعل عليا وزيره والخليفة بعده.

والفرقة الثَّامِنَة من الحلولية: زَعَمُوا أَن عليا ومحمدا عَلَيْهِمَا السَّلَام شريكان فِي النُّبُوَّة، وَأَن الرسَالَة إِلَيْهِمَا، وَأَن طاعتهما ومعصيتهما وَاحِد لَا فرق بَينهمَا، وَأَن عليا نَبِي بعد مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاحْتَجُّوا بقول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: {أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى}، وَهَؤُلَاء جهال وَقد خالفوا الْأمة وَالْكتاب وَالسّنة وَالْعقل وَالْحجّة عَلَيْهِم آخر كتَابنَا هَذَا فِي بَاب الْحجَّاج.

والفرقة التَّاسِعَة هم المختارية الَّذين يَقُولُونَ: بنبوة الْمُخْتَار بن أبي عبيد وينحون نَحْو التناسخية من الحلولية.

والفرقة الْعَاشِرَة هم السمعانية الَّذين يَقُولُونَ: بنبوة ابْن سمْعَان وينحون نَحْو التناسخ أَيْضا، وَقد ذكرت مذاهبهم أَولا وآخرا لتعرفوا ذَلِك وتحذروا إِن شَاءَ الله.

والْفرْقَة الْحَادِيَة عشرَة: هم الجارودية وهم بَين الغالية والتناسخية لَا يفصحون بالغلو وَيَقُولُونَ: إِن الله عز وَجل نور وأرواح الْأَئِمَّة والأنبياء مِنْهُ مُتَوَلّدَة، وينحون نَحْو التناسخ وَلَا يَقُولُونَ بانتقال الرّوح من جَسَد إِنْسَان إِلَى جَسَد غير إِنْسَان، بل يَقُولُونَ: بانتقال الرّوح من جَسَد إِنْسَان ردىء إِلَى جَسَد إِنْسَان مؤلم ممرض فتعذب فِيهِ مُدَّة بِمَا عمل من الشَّرّ وَالْفساد ثمَّ تنقل إِلَى جَسَد إِنْسَان متنعم فتتنعم فِيهِ طول مَا بقيت فِي الْجَسَد الأول، وَزَعَمُوا أَن هَذَا يُسمى الكور فَيكون معذبا أَو مُقَيّدا فِي جَسَد هرم أَو ممرض أَو مسقم أَو يكون منعما فِي جَسَد شَاب حسن متلذذ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بقول الله {أفعيينا بالخلق الأول بل هم فِي لبس من خلق جَدِيد}، وَهَؤُلَاء قد غلطوا فِي تَأْوِيل هَذِه الْآيَة وَإِنَّمَا تَأْوِيلهَا أَن قُريْشًا ومشركي الْعَرَب كَانُوا يَشكونَ فِي النشأة الْآخِرَة ويؤمنون بالنشأة الأولى وَلَا يجيزون قدرَة الله عز وَجل على إحْيَاء الْمَوْتَى، فَقَالَ الله عز وَجل يحْتَج عَلَيْهِم بالنشأة الأولى قَوْله {أفعيينا} أَي عجزنا {بالخلق الأول} يَعْنِي أَن ابتدعته من غير شَيْء، وهم لَا يَشكونَ فِيهِ {بل هم فِي لبس} أَي شكّ {من خلق جَدِيد} أَي ابتداع الشَّيْء أقرب فِي الْوَهم من إِعَادَته وَهَؤُلَاء تأولوه على الأكوار

وَاعْلَم أَن هَؤُلَاءِ الْفرق من الإمامية الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ ونذكرهم أَيْضا كفار غَالِيَة قد خَرجُوا من التَّوْحِيد وَالْإِسْلَام وسأذكر الْحجَّة عَلَيْهِم فِي الْحجَّاج على أَصْنَاف الْمُلْحِدِينَ.

الْفرْقَة الثَّانِيَة عشرَة من الإمامية: هم أَصْحَاب هِشَام بن الحكم يعْرفُونَ بالهشامية وهم الرافضة الَّذين روى فيهم الْخَبَر عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَنهم يرفضون الدّين، وهم مشتهرون بحب عَليّ رَضِي الله عَنهُ فِيمَا يَزْعمُونَ، وَكذب أَعدَاء الله وأعداء رَسُوله وَأَصْحَابه وَإِنَّمَا يحب عليا من يحب غَيره، وهم أَيْضا ملحدون لِأَن هشاما كَانَ ملحدا دهريا ثمَّ انْتقل إِلَى الثنوية والمانية ثمَّ غَلبه الْإِسْلَام فَدخل فِي الْإِسْلَام كَارِهًا فَكَانَ قَوْله فِي الْإِسْلَام بالتشبيه والرفض وسأذكر الرَّد على المشبهة إِن شَاءَ الله.

وَأما قَوْله بالإمامة فَلم نعلم أَن أحدا نسب إِلَى علي رضى الله عَنهُ وَولده عَيْبا مثل هِشَام لَعنه الله وَالله نحمده قد نزع عَن علي وَولده عَلَيْهِم السَّلَام الْعُيُوب والأنجاس وطهرهم تَطْهِيرا.

وَمَا قصد هِشَام بقوله فِي الْإِمَامَة قصد التَّشَيُّع وَلَا محبَّة أهل الْبَيْت، وَلَكِن طلب بذلك هد أَرْكَان الْإِسْلَام والتوحيد والنبوة فَأَرَادَ هَدمه وَانْتَحَلَ فِي التَّوْحِيد التَّشْبِيه فهدم ركن التَّوْحِيد وساوى بَين الْخَالِق والمخلوق ثمَّ انتحل محبَّة أهل الْبَيْت وَنشر عَنْهُم وَطعن على الْكتاب وَالسّنة وَكفر الْأمة الَّتِي هِيَ حجَّة الله على خلقه بعد وَفَاة رَسُول الله (صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) فكفرهم وَنسب إِلَيْهِم الرِّدَّة والنفاق فَعمل على هدم الْإِسْلَام الْعَمَل الَّذِي لم يقدم عَلَيْهِ أحد من أَعدَاء الْإِسْلَام فَالله يحكم فِيهِ يَوْم الْقِيَامَة بِسوء كَيده.

فَزعم هِشَام لَعنه الله أَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام نَص على إِمَامَة علي فِي حَيَاته بقوله: من كنت مَوْلَاهُ فعليُّ مَوْلَاهُ، وَبِقَوْلِهِ لعلي: أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي، وَبِقَوْلِهِ: أَنا مَدِينَة الْعلم وعَليُّ بَابهَا، وَبِقَوْلِهِ لعلي: تقَاتل على تَأْوِيل الْقُرْآن كَمَا قَاتَلت على تَنْزِيله، وَأَنه وصّى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وخليفته فِي ذُريَّته وَهُوَ خَليفَة الله فِي أمته، وَأَنه أفضل الْأمة وأعلمهم، وَأَنه لَا يجوز عَلَيْهِ السَّهْو وَلَا الْغَفْلَة وَلَا الْجَهْل وَلَا الْعَجز، وَأَنه مَعْصُوم، وَأَن الله عز وَجل نَصبه لِلْخلقِ إِمَامًا لكي لَا يهملهم، وَأَن الْمَنْصُوص على إِمَامَته كالمنصوص على الْقبْلَة وَسَائِر الْفَرَائِض، وَأَن الْأمة بأسرها من الطَّبَقَة الأولى بَايعُوا أَبَا بكر الصّديق رضى الله عَنهُ فَكَفرُوا وَارْتَدوا وزاغوا عَن الدّين، وَأَن الْقُرْآن نسخ وَصعد بِهِ إِلَى السَّمَاء لردتهم، وَأَن السّنة لَا تثبت بنقلهم إِذْ هم كفار، وَأَن الْقُرْآن الَّذِي فِي أَيدي النَّاس قد انْتقل وَوضع أَيَّام عُثْمَان وأُحرق الْمَصَاحِف الَّتِي كَانَت قبل، وَأَن الْأمة قد داهنت وغيرت وبدلت وَنَافَقَتْ لأحقاد كَانَت لعلي فيهم من قَتله آبَاءَهُم وعشيرتهم مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزَوَاته، وَأَن أَبَا بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ وَعمر وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ عِنْدهم من شَرّ الْأمة وأكفرها يلعنونهم ويتبرؤن مِنْهُم، وَأَنه مَا بَقِي مَعَ علي على الْإِسْلَام إِلَّا أَرْبَعَة: سلمَان وعمار وَأَبُو ذَر والمقداد بن الْأسود، وَأَن أَبَا بكر مر بفاطمة عَلَيْهَا السَّلَام فرفس فِي بَطنهَا فَأسْقطت وَكَانَ سَبَب علتها وموتها وَأَنه غصبهَا، فَذكر أَشْيَاء كَثِيرَة مِمَّا كاد بهَا الْإِسْلَام من المخاريق والأباطيل والزور الَّتِي لَا تجوز عِنْد الْعلمَاء وَلَا تخفى إِلَّا على أهل الْعَمى والغباء، وَأَنه لَيْسَ لله حجَّة على خلقه فِي الدّين والشريعة فِي كتاب ولا سنة وَلَا إِجْمَاع إِلَّا من قبل الإِمَام الَّذِي اختصه الله لدينِهِ على كتمان وتقية وإخفاء لَا يتَكَلَّم لله بِحَق وَلَا يقوم لله بِحجَّة مَخَافَة على نَفسه أَن تُقتل وخشية على الْإِسْلَام أَن يُهتك، فأباح بِهَذَا القَوْل الْمَحَارِم وَأطلق كل مَحْذُور إِذْ لَا حجَّة لأحد بِزَعْمِهِ فِي حَلَال وَلَا حرَام مَعَ أَشْيَاء كَثِيرَة يطول ذكرهَا من نَحْو هَذَا الْكَلَام الَّذِي فِيهِ هدم الدّين.

يُقَال لَهُم: أخبرونا عَن قَول الله تَعَالَى وتبارك {الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ} هَل أكمل الله دينه فِي حَيَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو بعده أَو الْيَوْم الَّذِي أنزل هَذِه الْآيَة فِيهِ؟

فَإِن قَالُوا: لَا مَا أكمل الله دينه قطّ ظهر جهلهم وكفرهم، وَإِن قَالُوا: بل أكمل الله لَهُم الدّين وَأتم عَلَيْهِم النِّعْمَة فِي حَيَاة النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَلَمَّا مَاتَ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام غيروا وبدلوا وخذلهم الله وَنسخ الْقُرْآن مِنْهُم وسلبهم الدّين.

يُقَال لَهُم: هَذَا دَعْوَى مِنْكُم بِلَا حجَّة مَا غير وَلَا بدل من الدّين وَالْكتاب وَالسّنة شَيْء بل هُوَ على مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَيَاته المنصوصات كالقبلة وَالصَّوْم وَالصَّلَاة وَغير ذَلِك من منصوصات الدّين، فَمن أَيْن قلت إِنَّه غير وَبدل بعد تَمَامه وكماله؟ فَإِن حاول حجَّة على دَعْوَاهُ لم يجد.

وَيُقَال لَهُم: قَالَ الله عز وَجل {وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين أتبعوهم بِإِحْسَان رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ وَأعد لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم}.

فَمن أَيْن قُلْتُمْ أَنْتُم إِنَّهُم غيروا وبدلوا وَكَفرُوا، وَالله يمدحهم بِهَذَا المديح ويصفهم بِوَصْف الْإِيمَان؟ وَقَالَ عز وَجل {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا من يرْتَد مِنْكُم عَن دينه فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم} فَكَانَ أَبُو بكر الصّديق وَالَّذين مَعَه قَاتلُوا أهل الرِّدَّة حَتَّى رجعُوا إِلَى الدّين بعد وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ الله عز وَجل {وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني وَلَا يشركُونَ بِي شَيْئا}.

فمكن بِحَمْدِهِ بعد وَفَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خلفاءه وَأمته فِي أرضه يعبدونه لَا يشركُونَ بِهِ شَيْئا.

وَقَالَ عز وَجل {هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ} فَكيف قُلْتُمْ إِن الْأمة كفرت بعد رسولها وارتدت وغيرت وبدلت، وَالله أظهر بهم حجَّته على الْأَدْيَان كلهَا، فَمَا من دين إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا وَالْإِسْلَام ظَاهر عَلَيْهِ وَقد ظهر عَلَيْهِ وأكد حجَّته عَلَيْهِ كَمَا قَالَ عز وَجل.

فَيُقَال لَهُم: هَذَا مُحكم الْقُرْآن لَا متشابه فِيهِ فَكيف تَقولُونَ أَنْتُم فِيهِ؟ فَإِن قَالُوا: هُوَ صدق وَهُوَ قُرْآن، تركُوا قَوْلهم الْخَبيث وَرَجَعُوا إِلَى الْحق، وَإِن قَالُوا: لَيْسَ هَذَا بقرآن بل هُوَ شَيْء وضعوه وافتعلوه، فَإِنَّهُم قوم يطعنون على الْقُرْآن وَحِينَئِذٍ لَا يكلمون إِلَّا فِي الْقُرْآن وَلَا يكلمون فِي الْإِمَامَة لِأَن الْإِمَامَة فرع وَالْقُرْآن أصل فَمن طعن فِي الأَصْل لَا يكلم فِي الْفَرْع.

يُقَال لَهُم: أخبرونا عَن الْقُرْآن الَّذِي هُوَ الْيَوْم بَين الدفتين وَفِي صُدُور الْأمة ويتلونه فِي صلواتهم وأيامهم وأوقاتهم يحفظون حُرُوفه وحدوده ومتشابهه ومحكمه وتأويله وتنزيله وَلَا يسْقط عَلَيْهِم مِنْهُ شَيْء وَهُوَ مائَة وَأَرْبع عشرَة سُورَة مَعْلُومَة مَحْفُوظَة: أهوَ الْقُرْآن الَّذِي أنزلهُ الله على رَسُوله أم لَا؟ فَإِن قَالُوا: لَا بل ذَلِك الْقُرْآن صُعد بِهِ إِلَى السَّمَاء وَنسخ من قُلُوبهم حِين ارْتَدُّوا، يُقَال لَهُم: فَإِذا كَانَ الْقُرْآن مَعَ نقل الْأمة طبقَة عَن طبقَة وَجَمَاعَة عَن جمَاعَة لَا يَصح نَقله فَمن أَيْن لكم هَذِه الْأَخْبَار الَّتِي تدعونها حجَّة لكم فِي إِثْبَات الْإِمَامَة وَمن أَيْن علمْتُم أَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام نَص على إِمَامَة عَليّ وَكَيف خَالَفت الْأمة أعلمكُم من جِهَة سمع أم من جِهَة عقل؟ فَإِن قَالُوا: من جِهَة عقل، غلطوا وأخطأوا فَإِن هَذَا لَا يعرف من جِهَة الْعقل لِأَنَّهُ خبر عَمَّا كَانَ فِي الْقَدِيم، وَإِن قَالُوا: من جِهَة سمع وَنقل عَرفْنَاهُ، قيل لَهُم: فَكيف يكون قَوْلكُم صَحِيحا وَقَول غَيْركُمْ خطأ؟ أسرفتم فِيمَا تجيزون لأنفسكم وَلَا تجيزون مثله لغيركم هَذَا ظلم فِي الْجِدَال لَا يجوز لكم، وَإِن قَالُوا: نقلكم صَحِيح، بَطل قَوْلهم فِي الْقُرْآن بالطعن عَلَيْهِ بِأَنَّهُ نُسخ وَغير وَبدل، وَالْقُرْآن معجز قد تُحدى بِهِ الْعَرَب ثَلَاثًا وَعشْرين سنة أَن يَأْتُوا بِسُورَة مِنْهُ فَلم يقدروا وعجزوا وَبَان عجزهم إِلَى الْيَوْم وأبدا ظَاهر عجز الْخلق عَن الْقُرْآن، وَكَيف يكون الْقُرْآن مفتعلا وَهُوَ الْقُرْآن الَّذِي عجز عَنهُ الْخلق؟ وَأَيْضًا فَإِن الْمَصَاحِف لم يكْتب فِيهَا إِلَّا مَا كَانَ نَص الْقُرْآن لِأَن الْقُرْآن كَانَ مَحْفُوظًا مَعْلُوما وَإِنَّمَا الْمَصَاحِف لمن لَا يحفظ وَكَانَ أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة يحفظون الْقُرْآن وَكَذَلِكَ من جَاءَ من بعدهمْ من التَّابِعين وَأَتْبَاع التَّابِعين حفظوا الْقُرْآن وأدوه إِلَى من بعدهمْ وَلم يزل الْقُرْآن مَحْفُوظًا مَعْلُوما إِلَى يَوْمنَا هَذَا لم يُنْسَخ مِنْهُ شَيْء وَلَا زَالَ مِنْهُ شَيْء وَفِيه حجَّة الله على خلقه.

وَيُقَال لَهُم: قَالَ الله عز وَجل {إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون} هَل صدق الله فِي قَوْله أم لَا؟ فَإِن قَالُوا: لَا كذبُوا الله وَكَفرُوا بتكذيبهم رَبهم.

وَإِن قَالُوا: صدق الله هُوَ أنزلهُ وَهُوَ حفظه علينا تركُوا قَوْلهم، وَإِن قَالُوا: حفظه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَما بعد النَّبِي فقد نسخه وعرج بِهِ، فقد ادعوا شَيْئا بِلَا حجَّة وسبيلهم من تعدى بِلَا حجَّة وَلَا بَيَان.

وَيُقَال لَهُم: أخبرونا عَن الْقُرْآن: أهوَ كَلَام الله عز وَجل أم كَلَام الْبشر؟ فَإِن قَالُوا: كله كَلَام الله مَا فِيهِ كَلَام الْبشر، قَالُوا بِالْحَقِّ وَتركُوا الطعْن على الْقُرْآن.

وَيُقَال لَهُم أَيْضا: الْإِجْمَاع أَن هَذَا الْقُرْآن الَّذِي أنزل على مُحَمَّد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يُغير وَلم يُبدل وَلم ينْسَخ مِنْهُ شَيْء فَمن أَيْن خالفتم الْإِجْمَاع وقلتم إِن الْقُرْآن غير وَبدل وَنسخ؟ وَمن خَالف الْإِجْمَاع ضل لِأَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: أمتِي لَا تَجْتَمِع على ضَلَالَة، وَإِجْمَاع الْأمة أصل من أصُول الدّين وطعنكم على جمَاعَة الْأمة وقولكم إِنَّهُم ضلوا وَارْتَدوا بِلَا حجَّة وَلَا بَيِّنَة لَا يقبل مِنْكُم وَلَا يجوز قبُوله فِي عقل وَلَا سمع، وَأَيْضًا فَإِن الْقُرْآن فِيهِ الْحَلَال وَالْحرَام وَالدّين والشريعة وَهُوَ حجَّة الله فِي الأَرْض إِلَى أَن تقوم السَّاعَة وَالْإِسْلَام ظَاهر على كل الْأَدْيَان إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لقَوْله عز وَجل {لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ}.

فَمن أَيْن قُلْتُمْ أَنْتُم خلاف مَا قَالَ الله عز وَجل؟ وَأَيْضًا فَإِن معالم الدّين ومنصوصات الْفَرَائِض فِي الْقُرْآن وَالسّنة ومنهما يعلم ذَلِك فَإِذا أبطلتم الْقُرْآن وَالسّنة يجب أَيْضا أَن تُبْطِلُوا منصوصات السّنة بِنَقْل الْقبْلَة فِي الْقُرْآن الَّذِي يخرج بِهِ إِلَى غير الْكَعْبَة وَالصَّوْم فِي شهر رَمَضَان وَالزَّكَاة من ربع الْعشْر فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة فَلَا تَدْرُونَ أَنْتُم، فَإِن قَالُوا: ذَلِك يجوز، شكوا فِي فَرَائض الله وَخَرجُوا من دين الْإِسْلَام، وَإِن قَالُوا: بل ذَلِك هُوَ الْقُرْآن لَا تَكْذِيب لَهُ، أقرُّوا بِصِحَّة الْقُرْآن وَتركُوا قَوْلهم وَنَقَضُوا أصلهم، وَالْكَلَام عَلَيْهِم كثير غير أَن كَلَامهم يذهب على جَاهِل وَعوام، فَأَما الْعلمَاء وَأهل التَّمْيِيز من الْفُقَهَاء فَلَيْسَ يذهب عَلَيْهِم خطؤهم وضلالتهم، وَزَعَمُوا أَن النَّاس لَو لم ينص لَهُم علي بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ تاهوا وَضَلُّوا وَكَانَ الله قد أهملهم.

يُقَال لَهُم: فتقولون إِن عليا رَضِي الله عَنهُ دَعَا النَّاس إِلَى الْهدى وَبَين لَهُم ردتهم وَأَنَّهُمْ تركُوا بيعَته فضلوا وأضلوا وَكَفرُوا وَإِن الدّين قد ذهب من أَيْديهم بكفرهم وردتهم وَإِن طَرِيق الْهدى إِلَيْهِ فَقَط وَإِن بيعَة أبي بكر ضَلَالَة وَكَذَلِكَ بيعَة عمر وَعُثْمَان رَضِي الله عَنْهُم وَإِن ترك بيعَته ظلم وَكفر، وَلم يبين ذَلِك وَلم يحْتَج بِهِ عَلَيْهِم، فَإِن قَالُوا: قد بَين وَأظْهر ذَلِك، قَالُوا: الْجَهْل الَّذِي لَا يعلم وَالْكذب الَّذِي لَا يصدق والبهتان الَّذِي لَا يُحَقّق، وَمَتى قَالَ عَليّ ذَلِك وأتى بِهِ وأظهره؟

وَالظَّاهِر من فعله رَضِي الله عَنهُ بيعَة أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان رَضِي الله عَنْهُم وَالصَّلَاة خَلفهم وَأخذ الْعَطاء مِنْهُم وَالرَّدّ للْخلاف عَلَيْهِم وَالْقَوْل بفضلهم والمشورة عَلَيْهِم فِي أَمرهم ومشاركتهم فِيمَا هم فِيهِ وتصويب رَأْيهمْ، فَإِن قَالُوا: فعل ذَلِك على تقية مِنْهُ وَخَوف من الْقَتْل، وَهَكَذَا يَقُولُونَ وَرُبمَا قَالُوا: فعل ذَلِك خوفًا على الْأمة أَن تقع فِي اخْتِلَاف.

يُقَال لَهُم: قد نقضتم أصلكم إِن الله أَقَامَ عليا ليظْهر بِهِ الدّين، وَكَيف يكون ذَلِك كَذَلِك وعَلِيُّ كاتم دينه ومتق على نَفسه وعَلى الْأمة؟ لم يظْهر الله حجَّته فِي أَيَّام أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَلَا فِي أَيَّام خِلَافَته، فَكيف يكون هَذَا حجَّة وَلم يظْهر بِهِ حجَّة أصلا؟

فَإِن قَالُوا: أظهر ذَلِك فِي خُفْيَة عِنْد خاصته وَفِي مَعَاني كَلَامه من حَيْثُ لَا يفهم كل النَّاس.

يُقَال لَهُم: ادعيتم مَجْهُولا، وقلتم مُنْكرا من القَوْل وزورا مَا كَانَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ عَاجِزا وَلَا جَبَانًا وَلَا واهنا وَلَا كتوما وَلَا خائنا وَلَا جَاهِلا وَإِنَّمَا ألزمتموه أَنْتُم هَذِه الْأَشْيَاء لبغضكم لَهُ إِنَّمَا تظْهرُونَ محبته وتكتمون بغضه وَلَا يجوز ذَلِك على عَالم، وَأي شَيْء لكم فِي عَليّ وَأَنْتُم على خِلَافه وَخلاف الْإِسْلَام؟

وَيُقَال لَهُم فِي قَوْلهم: إِن عليا ظلم وبويع أَبُو بكر فِي الْإِمَامَة، فَهَذَا قَول مَجْهُول لَا يعرف وَكَذَلِكَ قَوْلهم: إِن عليا أَقَامَهُ الله نصا إماما للْمُسلمين بقُول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من كنت مَوْلَاهُ، وَأَنا أذكر الْحجَّاج فِي الْجُزْء الْأَخير فِي هَذَا كُله مَوْجُودا وَاضحا فالتمسه هُنَالك إِن شَاءَ الله، وَاعْلَمُوا رحمكم الله أَن فِي الرافضة اللواط والأبنة والحمق وَالزِّنَا وَشرب الْخمر وَقذف الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات والزور والبهت وكل قاذورة لَيْسَ لَهُم شَرِيعَة وَلَا دين.

والفرقة الثَّالِثَة عشرَة من الإمامية: هم الإسماعيلية، يتبرؤون ويتولون وَيَقُولُونَ بِكفْر من خَالف عليا وَيَقُولُونَ بإمامة الاثنى عشر، وَيصلونَ الْخمس ويظهرون التنسك والتأله والتهجد، والورع وَلَهُم سجادات وصفرة فِي الْوُجُوه وعمش فِي أَعينهم من طول الْبكاء والتأوه على المقتول بكربلاء: الْحُسَيْن بن عَليّ ورهطه رَضِي الله عَنْهُم، ويدفعون زكاتهم وصدقاتهم إِلَى أئمتهم ويتحنئون بِالْحِنَّاءِ، وَيلبسُونَ خواتيمهم فِي أَيْمَانهم، ويشمرون قمصهم وأرديتهم كَمَا تصنع الْيَهُود ويتحذون بالنعال الصفر وينوحون على الْحُسَيْن عَلَيْهِ السَّلَام، واعتقادهم الْعدْل والتوحيد والوعيد وإحباط الْحَسَنَات مَعَ السَّيِّئَات، وَيُكَبِّرُونَ على جنائزهم خمْسا ويأمرون بزيارة قُبُور السَّادة.

والفرقة الرَّابِعَة عشرَة من الإمامية: هم أهل قُم: قَوْلهم قريب من قَول الإسماعيلية غير أَنهم يَقُولُونَ بالجبر والتشبيه، يجمعُونَ بَين الظّهْر وَالْعصر فِي أول الزَّوَال، وَبَين الْمغرب وَالْعشَاء فِي جَوف اللَّيْل آخر وَقت الْمغرب عِنْدهم وَيصلونَ صَلَاة الْفجْر بَين طُلُوع الْفجْر الأول الَّذِي يُسمى ذَنْب السرحان، ويمسحون فِي الْوضُوء بِالْمَاءِ على ظُهُور أَقْدَامهم وأسفلها، وَلَهُم طعن على السّلف وَشتم عَظِيم حَتَّى يبلغ الْوَاحِد مِنْهُم أَن يَأْخُذ شَيْئا أَو مِثَالا يحشوه تبنا أَو صُوفًا يُسَمِّيه أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان رَضِي الله عَنْهُم ويضربه بالعصى حَتَّى يهريه ليشفي بذلك مَا فِي قلبه فِي الغل للَّذين آمنُوا، مَعَ أَشْيَاء يقبح ذكرهَا من مذاهبهم مَذَاهِب السفلة الْعَمى، أخوة القردة، بل أخوة القردة أفضل مِنْهُم.

والفرقة الْخَامِسَة عشرَة: هم الجعفرية: يشبه قَوْلهم قَول الإسماعيلية.

والفرقة السَّادِسَة عشرَة: القطعية الْعُظْمَى: الَّذين يقطعون على مُحَمَّد وَعلي عَلَيْهِمَا السَّلَام وَيَقُولُونَ قَول الجعفرية ويتبرؤون ويتولون.

والفرقة السَّابِعَة عشرَة: القطعية الْقصرى: الَّذين يقطعون على الرِّضَا وَيَقُولُونَ: لَا إِمَام بعده رَضِي الله عَنهُ، ويقتدون بِمن قبلهم من إخْوَانهمْ القطعية الْعُظْمَى فِي جَمِيع مذاهبهم.

والفرقة الثَّامِنَة عشرَة: هم الزيدية: أَصْحَاب زيد بن عَليّ رَضِي الله عَنْهُمَا وهم أَربع فرق:

فَالْأولى من الزيدية أعظمهم قولا وهم الَّذين يكفرون الصَّدْر الأول وَسَائِر من ينشؤا أبدا إِذا خالفهم، ويرون السَّيْف والسبي واستهلاك الْأَمْوَال وَقتل الْأَطْفَال وَاسْتِحْلَال الْفروج وَلَيْسَ فِي الإمامية أَكثر ضَرَرا مِنْهُم فِي النَّاس إِنَّمَا هُوَ بِقدر مَا يخرج الْوَاحِد مِنْهُم يضع السَّيْف والحريق والنهب والسبي وَلَا يقصدون وَلَا يرعون، وَكَانَ مِنْهُم عَليّ بن مُحَمَّد صَاحب الْبَصْرَة سبي العلويات والهاشميات والعربيات وباعهن مكشفات الرؤوس بدرهم ودرهمين وأفرشهن الزنوج والعلوج واستباح دِمَاء الْمُسلمين وَأَمْوَالهمْ وإهراق الدِّمَاء، وَقتل الْأَطْفَال وأحرق الْمَصَاحِف والمساجد، تَأَول أَنهم مشركون وَكَانَ يَقُول {لَا يلدوا إِلَّا فَاجِرًا كفَّارًا} وَكَانَ يسْتَحل كل مَا حرم الله.

والفرقة الثَّانِيَة من الزيدية: يكفرون السّلف ويتبرؤن ويتولون وَلَا يرَوْنَ السَّيْف وَلَا السَّبي وَلَا استحلال الْفروج وَلَا الْأَمْوَال.

والفرقة الثَّالِثَة من الزيدية يَقُولُونَ: إِن الْأمة ولت أَبَا بكر رَضِي الله عَنهُ اجْتِهَادًا لَا عنادا وقصدوا فأخطأوا فِي الِاجْتِهَاد وولوا مفضولا على فَاضل فَلَا شَيْء عَلَيْهِم وَإِنَّمَا أخطأوا فِي ذَلِك وَلم يتعمدوا، فَقَالُوا بِالنَّصِّ وَلم يتبرؤا وَلم يكفروا أحدا وتولوا، وهم أصحاب سمت يظهرون زهدا وَعبادَة وَخيرا ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَيَقُولُونَ بِالْعَدْلِ والتوحيد والوعيد.

والفرقة الرَّابِعَة من الزيدية: هم معتزلة بَغْدَاد يَقُولُونَ بقول الجعفرية جَعْفَر ابْن مُبشر الثَّقَفِيّ وجعفر بن حَرْب الْهَمدَانِي وَمُحَمّد بن عبد الله الإسكافي وَهَؤُلَاء أَئِمَّة معتزلة بَغْدَاد، وهم زيدية يَقُولُونَ بإمامة الْمَفْضُول على الْفَاضِل وَيَقُولُونَ: إِن عليا عَلَيْهِ السَّلَام أفضل النَّاس بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يسْبقهُ بِالْفَضْلِ أحد من الْأمة، وَزَعَمُوا أَن إِمَامَة الْمَفْضُول على الْفَاضِل جَائِز لما ولى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَمْرو بن الْعَاصِ على فضلاء الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فِي غَزْوَة ذَات السلَاسِل.

وَقَالُوا: لَو أَن رجلا عَالما قَارِئًا وَآخر دونه فِي الْعلم وَالْقِرَاءَة قدم فصلى الْمَفْضُول بهم وَصلى الْفَاضِل خَلفه جَازَ ذَلِك بعد أَن يكون هَذَا الدون يعلم معالم الصَّلَاة وَالْقِرَاءَة، قَالُوا: فَكَذَلِك يُبَايع الْمَفْضُول على الْفَاضِل إِذا علم أَنه يقوم بِالْإِمَامَةِ وَيُؤَدِّي حَقّهَا وَيعلم علمهَا، قَالُوا: فَكَذَلِك فعل أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأَوْا أَبَا بكر وَإِن كَانَ عَليّ أفضل مِنْهُ يصلح لَهُم فولوه وَرَضي بهم عَليّ وتابعهم وَأخذ الْعَطاء مِنْهُم وَضرب بَين أَيْديهم بِالسَّوْطِ وَصلى خَلفهم وَتزَوج من سَبْيهمْ أم مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة، فَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة وَسعد وَسَعِيد وَعبد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَأَبُو عُبَيْدَة وَأَزْوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كلهم فِي الْجنَّة لَا شكّ فيهم وَإِن عليا أفضلهم ويتولونهم وَجَمِيع الصَّحَابَة إِلَّا أَن هَؤُلَاءِ الَّذين شهدُوا لَهُم بِالْجنَّةِ لقَوْل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: عشرَة فِي الْجنَّة، وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: أزواجي فِي الدُّنْيَا أزواجي فِي الْآخِرَة، ويتبرؤون من أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ والمغيرة بن شُعْبَة والوليد بن عقبَة وَطَوَائِف زَعَمُوا أَنهم مالئوا على عَدَاوَة عَليّ مَعَ مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنْهُم وركنوا إِلَى الدُّنْيَا وآثروها على الْآخِرَة، ويتبرؤن مِمَّن يتبرأ من أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَهَؤُلَاء الْعشْرَة الَّذين بشروا بِالْجنَّةِ وَيَقُولُونَ: من تَبرأ مِنْهُم فَهُوَ فَاسق عَاص، وَيَقُولُونَ: علي أفضل الْأمة بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ويعتدون بِشَهَادَتِهِ وَيَأْخُذُونَ بقوله فِي الْعدْل والتوحيد والوعيد والمنزلة بَين المنزلتين وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالْقَوْل بإحباط الْأَعْمَال وَالْقَوْل بِالْفَرْضِ ويقتدون بِهِ فِي قتال أهل الصَّلَاة وَيَقُولُونَ: هُوَ إمامنا ومعلمنا وَحجَّة الله علينا بعد رَسُوله الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَؤُلَاء هم الشِّيعَة الخُلص عِنْدهم.

والطائفة السَّادِسَة: من مخالفي أهل الْقبْلَة هم الْمُعْتَزلَة وهم أَرْبَاب الْكَلَام وَأَصْحَاب الجدل والتمييز وَالنَّظَر والاستنباط والحجج على من خالفهم وأنواع الْكَلَام والمفرقون بَين علم السّمع وَعلم الْعقل والمنصفون فِي مناظرة الْخُصُوم، وهم عشرُون فرقة يَجْتَمعُونَ على أصل وَاحِد لَا يفارقونه وَعَلِيهِ يتولون وَبِه يتعادون وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي الْفُرُوع، وهم سموا أنفسهم معتزلة وَذَلِكَ عِنْدَمَا بَايع الْحسن بن عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام مُعَاوِيَة وَسلم إِلَيْهِ الْأَمر اعتزلوا الْحسن وَمُعَاوِيَة وَجَمِيع النَّاس وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا من أَصْحَاب عَليّ ولزموا مَنَازِلهمْ ومساجدهم وَقَالُوا: نشتغل بِالْعلمِ وَالْعِبَادَة، فسموا بذلك معتزلة، وَالْأُصُول الَّتِي هم عَلَيْهَا خَمْسَة وَهِي الْعدْل والتوحيد والوعيد والمنزلة بَين المنزلتين وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر إِلَّا أَنهم يعدلُونَ إِلَى مَا هم بِهِ يجزون ويطالبون لِأَن أهل الصَّلَاة من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة يَقُولُونَ: إِن الله وَاحِد قديم صَمد فَرد لَيْسَ كمثله شَيْء لَا شَبيه لَهُ وَلَا نَظِير وَلَا ند وَلَا عديل وَإنَّهُ عدل لَا يجور، وصادق لَا يكذب وَلَا يخلف الميعاد.
ئەثەری دواتر ئەثەری پێشووتر