ثم بعد ذلك الرضا بقضاء الله تعالى، والتسليم لأمر الله، والصبر على حكم الله
فَصْلٌ
ثم بعد ذلك الرضا بقضاء الله تعالى، والتسليم لأمر الله، والصبر على حكم الله، والأخذ بما أمر الله تعالى، والنَّهْي عما نَهَاه، وإخلاص العمل لله، والإيمان بالقدر كله خيره وشره، وحلوه ومرّه، قليله وكثيره من الله تعالى، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك.
وقالت المعتزلة القدرية والرافضة: الخير من الله والشر من إبليس ومن أنفسنا.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، فجعل الضلالة والهُدى بمشيئته.
دليلٌ ثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، فوجه الدليل أن موسى عليه السلام أضاف الفتنة إلى الله تعالى، فلم يُنكر الباري ذلك، فعدم إنكار الباري عليه دليلٌ على وجود كلاهما.
دليلٌ ثالثٌ: ما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «لو أراد الله أن لا يُعصى ما خلق إبليس».
دليلٌ رابعٌ: ما روى نافع عن النبي ﷺ أنه قال: سيكون في أمتي قوم يكفرون بالله وهم لا يشعرون، قيل: يا رسول الله فكيف يكفرون؟ قال: يقولون الخير من الله تعالى، والشر من إبليس ومن أنفسنا، ثم يقرأون على ذلك القرآن، فيكفرون بالله والقرآن.
دليلٌ خامسٌ: هو أن نقول إنه لا يجوز أن يكون في داره ما لا يريد، كما لا يجوز أن يكون في داره ما لا يعلم.
دليلٌ سادسٌ: أنه لا يجوز أن يكون من فعل خلقه ما لا يريد، كما لا يجوز أن يكون من فعل نفسه ما لا يريد.
دليلٌ سابعٌ: أنهم قبحوا في الكفر فجعلوا إرادة إبليس وأنفسهم أقوى من إرادة الله تعالى، وأغلب، فقالوا: أراد إبليس المعاصي فَوُجِدت، وأراد الله أن لا يكون ذلك فكانت، فجعلوا إبليس وأنفسهم أقوى من الله تعالى وأغلب، وقد اعترف عُبَّاد الأصنام بأن الخير والشر من الله تعالى فقال عنترة:
يا عَبلُ أَينَ مِنَ المَنِيَةِ مَهرَبي ** إِن كانَ رَبّي في السَماءِ قَضاها
الدليل الثامن: أنه لو كانت المعصية بغير إرادته لَلَحِقَهُ الضعف والعجز، والوهن، والقصور عن بلوغ مراده، والله عز وجل عن ذلك علوًّا كبيرًا.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].
والجواب عن الآية من وجوه كثيرة نذكر بعضها: الأول منها: أن الآية حجة على المخالف؛ لأنه قال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، فلو كان الشر من العبد لكان قد قال: وما أصبتَ من سيئةٍ فمن نفسك؛ لأن العرب تقول: أصبتُ نفسي، وأصابني غيري، فلما قال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ دلّ على أن المُصِيب له غيره.
الثاني: وهو أن "ما أصابك" في الآية له إضمارٌ وتقديرٌ، فتقدير الآية: «من حسنةٍ فمن الله، وما أصابك من سيئة يقول الكفار: فمِن نفسِك يا محمد»، والذي يدل على صحة هذا التأويل هو أن الكفار كانوا يقولون: ما أصابنا من رخصٍ وغيث فمن الله، وما أصابنا من جدبٍ وغلاءٍ وقحطٍ فبذنب محمد ﷺ، فقال الله تعالى رادّاً عليهم: ﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨].
وجواب ثالث: وهو أن نقول همزة الاستفهام مقدرة، فتقدير الآية: «أفمِن نفسِك يا محمد»، فيكون ذلك توبيخًا وتقريعًا لهم بذلك.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص: ١٥]، ومعلوم أن ما صدر من موسى ما كان إلا قتلًا، والقتل قبيح، وكل قبيح شر، فيكون هذا شرًّا فأضافه إلى الشيطان، وهذا دليل على أن الشر من الشيطان، وإلا لكانت الإضافة غير صحيحة، وأنه صحيح.
والجواب هو: إنا نقول معنى هذه الآية أن هذا العمل الصادر هو من تزيين الشيطان.
والجواب الثاني: هو أنا نقول: المراد به أن هذا العمل هو عمل مثل عمل الشيطان؛ لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، فحينئذٍ يكون المراد منه أي: أن القتل قبيح كما أن عمل الشيطان قبيح، لا أن الشر من الشيطان.
فإن قيل: أنتم تنسبون الله تعالى إلى الجور؛ لأنكم تقولون قضى علينا وعذبنا بما قضى علينا، وهذا نفس الجور. قيل له في جوابه: إن العذاب لأجل كسبنا لأفعالنا، وإن كانت بتقدير الله تعالى فهو لنا، ومنه قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فعلى هذا التقدير لا يكون ظُلمًا.
دليلٌ ثاني: هو أن حدّ الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، والتصرف في غير مُلكه، فالله تعالى مُنزَّه عن ذلك، ولا يضع الشيء في غير موضعه؛ لأن الدنيا والآخرة مِلكٌ له، فلا يُوصَف بتصرفه فيهما أنه ظالم؛ لأنه لا يتصرف إلا في مُلْكِه.
وجوابٌ آخر: هو أن عند القدرية أن الله تعالى أقدرنا على المعاصي، فإن جاز أن يُقال هو ظالم بإقداره إيّانا على ذلك، فكل جواب لهم عما قلناه هو جواب لنا عما قالوه.
فإن قيل: فتقولون إن العبد مُخيَّر ومجبور، قيل له في جوابه: إن العبد عندنا ليس مُخيَّراً ولا مجبوراً، بل محكومٌ عليه من حيث الاقتدار، وذلك هو أن العبد إنما يُخيَّر بين الشيئين يجوز فعل كل واحد منهما على الانفراد كقوله: اشرب اللبن أو العسل، ولا يجوز التخيير بين شيئين لا يجوز فعل كل واحد منهما على الانفراد كقوله: اشرب اللبن أو الخمر، فإذا ثبت هذا بطل أن يكون مُخيَّرًا بين الطاعة والمعصية.
ولا يجوز أن يكون مجبورًا؛ لأن الجبر في اللغة عبارة عن الإكراه، والعبد غير مكره، فإذا بطل هذان القسمان لم يبقَ إلا أن يكون محكومًا عليه من حيث الاقتدار؛ لأن الله تعالى لم يترك الخلق سدى، بل أخبر أن عليهم حكمه، وما سبق في علمه، وبمثل هذا أجاب جعفر بن محمد الصادق رحمة الله عليه لما سُئل عن ذلك.