قول الجهمية بأن القرآن مخلوق والرد عليه
قول الجهمية بأن القرآن مخلوق والرد عليه:
وَيُقَال للجهمية أَيْضا: {خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض} و {خلق من المَاء بشرا} وَقَالَ فِي كِتَابه {خلق الْمَوْت والحياة} وَقَالَ {خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن} فَهَل وجدْتُم فِي كتاب الله عز وَجل أَنه يخبر عَن الْقُرْآن أَنه خلقه كَمَا خلق هَذِه الْأَشْيَاء؟ أَلَيْسَ الله عز وَجل يَقُول {رب الْمَشَارِق والمغارب} و {رب هَذِه الْبَلدة الَّذِي حرمهَا} وَقَالَ {ربكُم وَرب آبائكم الْأَوَّلين} فَهَل قَالَ فِي الْقُرْآن رب الْقُرْآن كَمَا قَالَ لهَذِهِ الْأَشْيَاء إِنَّه رَبهَا؟ أَو هَل تَجِد شَيْئا فِي سنَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الله خلق الْقُرْآن وَهُوَ ربه؟ بل قَالَ: دعوا كل شَيْء مُبْتَدع إِذا أَتَى آتٍ بِشَيْء لَيْسَ فِي كتاب الله وَلَا فِي سنة رَسُوله فدعواه بَاطِل، أَلا ترى أَن الْجَهْمِية يَنْبَغِي أَن يُقَال لَهُم فِي دَعوَاهُم {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا} و {وجعلناه نورا نهدي بِهِ} إِن جعل فِي الْقُرْآن على مَعْنيين على خلق وعَلى غير خلق فَالَّذِي على خلق لَا يكون إِلَّا على خلق وَلَا يقوم إِلَّا مقَام خلق وَلَا يَزُول عَنهُ الْمَعْنى وَالَّذِي على غير الْخلق لَا يكون خلق وَلَا يقوم مقَام الْخلق وَلَا يَزُول عَنهُ الْمَعْنى، وَقد ذكر الله عز وَجل جعل المخلوقين وَلكُل جعل فِي الْقُرْآن طَرِيق وَمذهب، فَالَّذِي ذكر الله من جعل المخلوقين قَوْله: {وَجعلُوا الْمَلَائِكَة الَّذين هم عباد الرَّحْمَن إِنَاثًا أشهدوا خلقهمْ سنكتب شَهَادَتهم ويسألون وَذَلِكَ أَنهم وصفوا الْمَلَائِكَة أَنهم إناث} وَقَوله {وَجعلُوا لله شُرَكَاء} ووصفوا أَن لله شُرَكَاء وَقَالَ {جعلُوا الْقُرْآن عضين} وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا: إِن الْقُرْآن شعر وأساطير الْأَوَّلين، يَقُول: سموهُ بأَشْيَاء وَقَالَ {جعلُوا أَصَابِعهم فِي آذانهم} فَهَذَا خبر عَن فعل من أفعالهم وَقَالَ {حَتَّى إِذا جعله نَارا} فَهَذَا أَيْضا خبر عَن فعل.
ثمَّ ذكر جعل مِنْهُ على معنى الْخلق فَقَالَ {الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَجعل الظُّلُمَات والنور} يَقُول: خلق الظُّلُمَات والنور فأوقع اسْم الْخلق على الظُّلُمَات والنور وَقَالَ {وَجعل لكم السّمع والأبصار} فأوقع اسْم الْخلق على الأسماع والأبصار وَقَالَ {وَجعلت لَهُ مَالا ممدودا} {وَجَعَلنَا اللَّيْل وَالنَّهَار آيَتَيْنِ} {وَجعل الشَّمْس سِرَاجًا} يَقُول: وَخلق الشَّمْس سِرَاجًا، وَمثله فِي الْقُرْآن كثير أذكرهُ فِي آخر الْكتاب إِن شَاءَ الله فِي بَاب الْحجَّاج، وَاعْلَم أَن كل مَا وَقع عَلَيْهِ اسْم الْخلق هُوَ مَوْجُود فِي ذَاته، ثمَّ ذكر الْجعل على غير معنى الْخلق فَقَالَ: {مَا جعل الله من بحيرة وَلَا سائبة ولا وصيلة وَلَا حام وَلَكِن الَّذين كفرُوا يفترون على الله الْكَذِب وَأَكْثَرهم لَا يعْقلُونَ} لَا يَعْنِي مَا خلق الله من بحيرة، وَقَالَ لإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام {إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا} لَا يَعْنِي بذلك خالقك لِأَن خلق إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام قد تقدم، وَقَول إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام {رب اجْعَلنِي مُقيم الصَّلَاة} لَا يَعْنِي اخلقني، وَكَذَلِكَ قَالَ الله عز وَجل لأم مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام {إِنَّا رادوه إِلَيْك وجاعلوه من الْمُرْسلين} فَمَعْنَاه التصيير، وَقَوله {لَا تجعلنا فتْنَة} لَا يعنون: لَا تخلقنا فتْنَة، وَقَوله {وَلَا تجْعَلُوا الله عرضة لأيمانكم} وَقَوله {لَا تجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُم} وَقَوله {وَلنْ يَجْعَل الله للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا} وَمثله فِي الْقُرْآن كثير وَمَا يكون على مِثَاله لَا يكون الْجعل على معنى الْخلق، وَأما قَوْله {وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نورا} فَمَعْنَاه أَنزَلْنَاهُ نورا ومصداق ذَلِك قَوْله عز وَجل {فآمنوا بِاللَّه وَرَسُوله والنور الَّذِي أنزلنَا} وَقَالَ {يَا أَيهَا النَّاس قد جَاءَكُم برهَان من ربكُم وأنزلنا إِلَيْكُم نورا مُبينًا} وَقَالَ {فَالَّذِينَ آمنُوا بِهِ وعزروه ونصروه وَاتبعُوا النُّور الَّذِي أنزل مَعَه أُولَئِكَ هم المفلحون} وَقَالَ {قل من أنزل الْكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نورا وَهدى للنَّاس} والجعل فِي الْقُرْآن على وُجُوه يعلم ذَلِك أهل الْعلم والمعرفة بِاللَّه وبكتابه ويجهله من جهل عَن الله وَكتابه، فَأَما قَوْله {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ من ذكر وَأُنْثَى وجعلناكم شعوبا وقبائل} بعد مَا خلقهمْ، وَقَالَ {وَالله جعل لكم مِمَّا خلق ظلالا} بعد مَا خلق لَهُم جعل لَهُم ظلالا، وَقَالَ {الرَّحْمَن علم الْقُرْآن} ثمَّ قَالَ {خلق الْإِنْسَان} وَلَو شَاءَ لقَالَ: الرَّحْمَن خلق الْقُرْآن غير أَن الله عز وَجل لَا يُسمى الْأَسْمَاء إِلَّا باسم الْحق والصدق وَقَالَ {وَمن أصدق من الله قيلا} أَلا ترى إِلَى قَوْله {الرَّحْمَن علم الْقُرْآن خلق الْإِنْسَان} يخبر بِخلق غير خلق الْقُرْآن، فَلَا حجَّة لجهم المارق وَلَا لمن تبعه فَافْهَم.