باب الفرق وذكرها وشرحها ومذهب كل فرقة، وبالله التوفيق
بَاب الْفرق وَذكرهَا وَشَرحهَا وَمذهب كل فرقة، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو الْحُسَيْن الملطي رَحمَه الله: أَنا أسوق هَذِه الْمذَاهب بِصِحَّة الْبَيَان إِن شَاءَ الله، وَاعْلَمُوا رحمكم الله أَن أول من افترق من هَذِه الْمذَاهب: الزَّنَادِقَة وهم خمس فرق، والجهمية ثَمَانِي فرق، والقدرية سبع فرق، والمرجئة اثْنَتَا عشرَة فرقة، والرافضة خمس عشرَة فرقة، والحرورية خمس وَعِشْرُونَ فرقة، فَذَلِك اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فرقة، فَهَذِهِ جُمْلَتهمْ.
قَالَ أَبُو عَاصِم خُشيش بن أَصْرَم الْإِسْنَاد عَنهُ فِي أول الْكتاب، ثمَّ تشعبت كل فرقة من هَذِه الْفرق على فرق كَانَ جِمَاعهَا الأَصْل، ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْفُرُوع فَكفر بَعضهم بَعْضًا، فافترقت الزَّنَادِقَة على خمس فرق، وافترقت مِنْهَا فرقة على سِتّ فرق فَمنهمْ:
المعطلة: الذين يَزْعمُونَ أَن الْأَشْيَاء كائنة من غير تكوين، وَأَنه لَيْسَ لَهَا مكون وَلَا مدبر، وَأَن هَذَا الْخلق بِمَنْزِلَة النَّبَات فِي الفيافي والقفار، يَمُوت سنة شَيْء، وَيحيى سنة شَيْء، وينبت شَيْء، وَأَنَّهَا تغلب عَلَيْهَا الطبائع الْأَرْبَعَة فِي أبدانها فَإِذا غلبت إِحْدَاهُنَّ قتلته لِأَنَّهُ يَمُوت الصَّغِير وَيحيى الْكَبِير، وَإِن أَبَاهُ خلقه وَخلق الْأَب أَبوهُ لَا يعْرفُونَ آدم، وَإِن آدم لَهُ آبَاء، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علواً كبيرا.
وَمِنْهُم المانوية: يَزْعمُونَ أَن ثمَّ إِلَهَيْنِ وخالقين، خَالق للخير والنور والضياء، وخالق للشر والظلمة وَالْبَلَاء، نزهوا الله وَزَعَمُوا أَنه لم يخلق الظلمَة وَالْبَلَاء والهوام وَالسِّبَاع فَجعلُوا مَعَه لما نزهوه شَرِيكا خلق هَذِه الْأَشْيَاء، وَزَعَمُوا أَن الله تَعَالَى خلق الرّوح الْجَارِي فِي الْجَسَد فَقَالُوا: أَلا ترى الرّوح إِذا فَارق الْجَسَد أنتن؟ وَأَن الْخَالِق الآخر عِنْدهم خلق الْجَسَد وَالله لَا يخلق نَتنًا وَلَا قذرا فَجعلُوا لِلْخلقِ كلهم خالقين، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا، وَإِنَّمَا سموا مانية لِأَن رجلا كَانَ يُقَال لَهُ: ماني، زَعَمُوا أَنه نَبِيّهم وَكَانَ فِي زمن الأكاسرة فَقتله بَعضهم، وَقد قَالَ الله عز وَجل فِي كِتَابه: {مَا اتخذ الله من ولد وَمَا كَانَ مَعَه من إِلَه إِذا لذهب كل إِلَه بِمَا خلق ولعلا بَعضهم على بعض سُبْحَانَ الله عَمَّا يصفونَ} فهذان شَاهِدَانِ.
وَمِنْهُم المزدكية: وهم صنف من الزَّنَادِقَة وَذَلِكَ أَنهم زَعَمُوا أَن الدُّنْيَا خلقهَا الله خلقا وَاحِدًا وَخلق لَهَا خلقا وَاحِدًا وَهُوَ آدم جعلهَا لَهُ يَأْكُل من طعامها وَيشْرب من شرابها ويتلذذ بلذائذها وينكح نساءها، فَلَمَّا مَاتَ آدم جعلهَا مِيرَاثا بَين وَلَده بِالسَّوِيَّةِ لَيْسَ لأحد فضل فِي مَال وَلَا أهل، فَمن قدر على مَا فِي أَيدي النَّاس وَتَنَاول نِسَاءَهُمْ بِسَرِقَة أَو خِيَانَة أَو مكر أَو خلابة أَو بِمَعْنى من الْمعَانِي فَهُوَ لَهُ مُبَاح سَائِغ وفضول مَا فِي أَيدي ذَوي الْفضل محرم عَلَيْهِم حَتَّى يصير بِالسَّوِيَّةِ بَين الْعباد سَوَاء، وَإِنَّمَا سموا مزدكية لِأَنَّهُ ظهر فِي زمن الأكاسرة رجل يُقَال لَهُ: مزدك، فَقَالَ هَذِه الْمقَالة، كذب أَعدَاء الله، وَالله يَقُول {نَحن قسمنا بَينهم معيشتهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا ورفعنا بَعضهم فَوق بعض دَرَجَات ليتَّخذ بَعضهم بَعْضًا سخريا وَرَحْمَة رَبك خير مِمَّا يجمعُونَ} وَقَالَ {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض مِنْكُم وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن الله كَانَ بكم رحِيما وَمن يفعل ذَلِك عُدْوانًا وظلما فَسَوف نصليه نَارا وَكَانَ ذَلِك على الله يَسِيرا}.
وَمِنْهُم العبدكية: زَعَمُوا أَن الدُّنْيَا كلهَا حرَام محرم لَا يحل الْأَخْذ مِنْهَا إِلَّا الْقُوت من حِين ذهب أَئِمَّة الْعدْل وَلَا تحل الدُّنْيَا إِلَّا بِإِمَام عَادل وَإِلَّا فَهِيَ حرَام ومعاملة أَهلهَا حرَام فَحل لَك أَن تَأْخُذ الْقُوت من الْحَرَام من حَيْثُ كَانَ، وَإِنَّمَا سمو العبدكية لِأَن عَبدك وضع لَهُم هَذَا ودعاهم إِلَيْهِ وَأمرهمْ بتصديقه، كذب أَعدَاء الله، قَالَ الله عز وَجل: {وَأحل الله البيع وَحرم الرِّبَا} وَمَا أحل الله الْقُوت إِلَّا للمضطرين وَلم تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ وَلَا لذِي مرّة سوى كَذَا رَوَاهُ عبد الله بن عمر، وَقَالَ رَسُول الله: لَغَنِيّ وَلَا لذِي مرّة سوى.
وَمِنْهُم الروحانية: وهم أَصْنَاف وَإِنَّمَا سموا الروحانية لأَنهم زَعَمُوا أَن أَرْوَاحهم تنظر إِلَى ملكوت السَّمَوَات وَبهَا يعاينون الْجنان ويجامعون الْحور الْعين وتسرح فِي الْجنَّة، وَسموا أَيْضا الفكرية لأَنهم يتفكرون زَعَمُوا فِي هَذَا حَتَّى يصيرون إِلَيْهِ فَجعلُوا الْفِكر بِهَذَا غَايَة عِبَادَتهم ومنتهى إرادتهم ينظرُونَ بأرواحهم فِي تِلْكَ الفكرة إِلَى هَذِه الْغَايَة فيتلذذون بمخاطبة الله لَهُم، ومصافحته إيَّاهُم ونظرهم إِلَيْهِ زَعَمُوا ويتمتعون بمجامعة الْحور الْعين ومفاكهة الْأَبْكَار على الأرائك متكئين وَيسْعَى عَلَيْهِم الْولدَان المخلدون بأصناف الطَّعَام وألوان الشَّرَاب وطرائف الثِّمَار، وَلَو كَانَت الفكرة فِي ذنوبهم النَّدَم عَلَيْهَا وَالتَّوْبَة مِنْهَا وَالِاسْتِغْفَار لَكَانَ مُسْتَقِيمًا وَأما هَذِه الفكرة فبوبها لَهُم الشَّيْطَان لِأَنَّهُ لَا يتلذذ بلذات الْجنَّة إِلَّا من صَار إِلَيْهَا يَوْم الْقِيَامَة وَهَكَذَا وعد الله عباده الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات.
وَمِنْهُم صنف من الروحانية زَعَمُوا: أَن حب الله يغلب على قُلُوبهم وأهوائهم وإرادتهم حَتَّى يكون حبه أغلب الْأَشْيَاء عَلَيْهِم، فَإِذا كَانَ كَذَلِك عِنْدهم كَانُوا عِنْده بِهَذِهِ الْمنزلَة، وَوَقعت عَلَيْهِم الْخلَّة من الله، فَجعل لَهُم السّرقَة وَالزِّنَا وَشرب الْخمر وَالْفَوَاحِش كلهَا على وَجه الخلة الَّتِي بَينهم وَبَين الله لَا على وَجه الْحَلَال وَلَكِن على وَجه الْخلَّة كَمَا يحل للخليل الْأَخْذ من مَال خليله بِغَيْر إِذْنه، مِنْهُم رَبَاح وكليب كَانَا يَقُولَانِ بِهَذِهِ الْمقَالة ويدعوان إِلَيْهَا، كذب أَعدَاء الله وَكَيف يكون ذَلِك وإِبْرَاهِيم الْخَلِيل خَلِيل الرَّحْمَن عَلَيْهِ السَّلَام يسئل يَوْم الْقِيَامَة أَن يشفع للنَّاس إِلَى رَبهم ليحكم بَينهم فَيَقُول: لست هُنَاكَ، وَيذكر ثَلَاث كذبات كَذَا روى عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَنه قَالَ.
وَمِنْهُم صنف من الروحانية زَعَمُوا: أَنه يَنْبَغِي للعباد أَن يدخلُوا فِي مضمار الميدان حَتَّى يبلغُوا إِلَى غَايَة السبقة من تضمير أنفسهم وَحملهَا على الْمَكْرُوه فَإِذا بلغت تِلْكَ الْغَايَة أعْطى نَفسه كل مَا تشْتَهى وتتمنى، وَإِن أكل الطَّيِّبَات كَأَكْل الأراذلة من الْأَطْعِمَة وَكَانَ الصَّبْر والخبيص عِنْده بِمَنْزِلَة وَكَانَ الْعَسَل والخل عِنْده بِمَنْزِلَة فَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد بلغ غَايَة السبقة، وَسقط عَنهُ تضمير الميدان وَاتبع نَفسه مَا اشتهت، مِنْهُم ابْن حبَان كَانَ يَقُول هَذِه الْمقَالة.
وَمِنْهُم صنف يَقُولُونَ: إِن ترك الدُّنْيَا إشغال للقلوب وتعظيم للدنيا ومحبة لَهَا وَلما عظمت الدُّنْيَا عِنْدهم تركُوا طيب طعامها ولذيذ شرابها ولين لباسها وَطيب رائحتها فأشغلوا قُلُوبهم بالتعلق بِتَرْكِهَا وَكَانَ من إهانتها مؤاتاة الشَّهَوَات عِنْد اعتراضها حَتَّى لَا يشْتَغل الْقلب بذكرها ويعظم عِنْده مَا ترك مِنْهَا، ورباح وكليب كَانَا يَقُولَانِ هَذِه الْمقَالة.
وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَن الزّهْد فِي الدُّنْيَا هُوَ الزّهْد فِي الْحَرَام فَأَما الْحَلَال فمباح لهَذِهِ الْأمة من أطايب الطَّعَام وغرايب الألوان وكفاية الخدم ولين الرياش وسعة الْمنَازل ووطاءة المهاد، وتشييد الْقُصُور وكفاية الْحَاجَات وَترك الطلبات، وقطن الأوطان، وَإِن الْأَغْنِيَاء أفضل منزلَة عِنْد الله من الْفُقَرَاء لما أعْطوا من فضل أَمْوَالهم وفضول من نَوَائِب حُقُوقهم وأدركوا من مُنْتَهى رغباتهم، لقد قَالُوا خلاف مَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة عَنهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنه قَالَ: يدْخل الْفُقَرَاء الْجنَّة قبل الْأَغْنِيَاء بِنصْف يَوْم خَمْسمِائَة عَام، وروى عبد الله بن عمر قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: إِن فُقَرَاء الْمُهَاجِرين يسبقون الْأَغْنِيَاء يَوْم الْقِيَامَة بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا.