ويجب على العبد إذا قال أنا مؤمن أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى

فَصْلٌ
ويجب على العبد إذا قال أنا مؤمن أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، وكذلك جميع أفعال الإيمان، ولا يجوز أن يقول: أنا مؤمنٌ حقًا.

وقال المخالفون: يجوز أن يقول: أنا مؤمن حقًا.

لنا قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، ولم يكن ذلك الاستثناء شكًا في الوعد، وإنما تحقيقًا له.

دليلٌ ثاني: ما روي عن النبي ﷺ أنه مرّ ببقيع الغرقد فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم عن قريب لاحقون»، ولم يشك ﷺ في أنه ميت، فدل على أن الاستثناء ليس بشكّ.

دليلٌ ثالث: إجماع الصحابة رضي الله عنهم على ذلك، وروي عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: من زعم أنه مؤمن فهو كافر.

وقيل لابن مسعود رضي الله عنه: إن فلانًا يقول أنا مؤمن حقًا، فقال: اسألوه أفي الجنة هو أم في النار؟ فسألوه فقال: الله أعلم، فقال: هلا وكلت الأولى كما وكلت الآخرة.

دليلٌ رابع: هو أن خاتمة العبد مغيبة عنه، فكيف يجوز أن يقطع بما هو مغيب عنه، فلهذا قال النبي ﷺ: «إن العبد ليعمل عمل أهل الجنة حتى لا يبقى بينه وبين الجنة إلا شبر أو ذراع، ثم يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وأن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يبقى بينه وبين النار إلا شبر أو ذراع، ثم يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة».

فإن قيل: فقد تحقق بإتيان الإيمان فكيف يجوز أن يستثني؟

والجواب: هو أنَّا قد بيَّنا أن الاستثناء لا ينفي التحقق، وإنما هي تَرجِّي وتذلل إلى الله تعالى، والاستثناء لم يقع بشك في الفعل، وإنما وقع خوفًا من الخاتمة، وخوفًا من القبول، فإذا قال أنا مؤمن إن شاء الله فيكون معناه: إن قَبِلَ الله تعالى إيماني وأماتني عليه، وكذلك قوله صلَّيت إن شاء الله تعالى معناه: إن قَبِلَ الله صلاتي، وقوله أُصَلِّي إن شاء الله تعالى أي: إن يسَّر الله تعالى، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله: الاستثناء ليس بشك، وليس بداخل في الشك، وإنما توقع وترجٍّي.

فإن قيل: كما جاز أن يقول أنا حي حقًا، جاز أن يقول أنا مؤمن حقًا.

والجواب: أنَّا نقول ليس للحياة وغيرها عاقبة مُغَيَّبة عنه فيستثني لأجلها، وليس كذلك في الإيمان، فإن له عاقبة مغيبة عنه، وقبول أفعاله وموته على ذلك، فلذلك جاز الاستثناء.
ئەثەری دواتر ئەثەری پێشووتر