ومن أتى بأفعال الإيمان من القول والعمل والنية إلا أنه ترك النوافل
فَصْلٌ
ومن أتى بأفعال الإيمان من القول والعمل والنية إلا أنه ترك النوافل، ويرتكب المنكرات والمحرمات فإنه يُسمَّى مؤمنًا ناقص الإيمان، ولا نسلب منه اسم الإيمان، بل نقول مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
وقالت المعتزلة: لا يكون مؤمنًا ولا كافرًا ولكن نقول إنه فاسق، وقالت الأشعرية: هو كامل الإيمان، وقالت الخوارج: ليس بمؤمن بل هو كافر.
دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «الإيمان قول مقول، وعمل معمول، وعرفان بالعقول، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية»، فأثبت لهم الإيمان مع معصيتهم بقوله: «وعرفان بالعقول».
دليلٌ ثاني: أن نقول لو جاز أن يخرج بفعل كبيرة من الإيمان لجاز أن يخرج منه بفعل صغيرة؛ لأنه بإتيانه يصير ظالمًا لنفسه، وما يخرج بصغيرة فلا يخرج بالكبيرة.
دليلٌ ثالث: هو أنه لو خرج بفِسقه من الإيمان لم يجُز له أن يتزوج بمؤمنة، ووجب أن يُفسخ نكاحه ما لم يدخل بها أو يكون مدخولًا بها في الحال، والاتفاق على بطلان ذلك دليل على أنه لم يخرج من الإيمان، والدلالة على أنه يكون ناقص الإيمان قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١].
دليلٌ ثاني: قوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُۥنَ﴾ [السجدة: ١٨].
دليلٌ ثالث: ما تقدَّم من الخبر.
دليلٌ رابع: لا خلاف أن كل من ترك الطاعات وارتكب المنهِيات لا يُسمَّى كامل الإيمان.
واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن».
والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنَّا نحمل ذلك عليه إذا فعله مُستحِلًا له.
وجوابٌ ثانٍ: وهو أن معناه لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن يعني كامل الإيمان.
واحتج المخالف أيضًا بقوله: بأن المؤمن يستحق المدح والثواب، وأن الفاسق يستحق الذَّمَ والعذاب، فكيف يصح اجتماعهما في محل واحد؟
والجواب: أنه لا يصح اجتماعهما على فعل واحد، وأما فعلين مختلفين فقد يصح الاجتماع.
وجوابٌ آخر: وهو أنه في حال كونه عاصيًا لا يكون مُنَعَّمًا مُثابًا، وفي حال كونه مُنَعَّمًا مُثابًا لا يتطرَّق إليه العذاب ولا العقاب؛ لأنه يُعذَّب في النار على قدر ذنوبه ويخرج إلى الجنة.