الإسلام غير الإيمان، والإيمان أكمل من الإسلام، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا
فَصْلٌ
الإسلام غير الإيمان، والإيمان أكمل من الإسلام، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا، كالرسالة والنبوة، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا.
وقالت الأشعرية: الإسلام أكمل من الإيمان.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، والله تعالى نفى عنهم الإيمان وأثبت لهم اسم الإسلام، فلو كان الإسلام هو الإيمان لم يُنْفَ عنهم.
دليلٌ ثانٍ: قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، فالله تعالى فرّق بين المسلمين والمؤمنين، فدلّ على أن المسلمين غير المؤمنين، فلو كان الإسلام هو الإيمان لكان قد عطف الشيء على نفسه.
دليلٌ ثالث: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لوفد عبد القيس: «أتدرون ما الإيمان؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، فذكر لهم ﷺ خصال الإيمان، ثم قال لهم: «أتدرون ما الإسلام؟» فقالوا: الله ورسوله أعلم، فذكر لهم خصال الإسلام، ففرّق ﷺ بين الإسلام والإيمان، فدلّ على أن الإسلام غير الإيمان، كذلك النبي ﷺ لما سأله جبريل عليه السلام عن الإيمان والإسلام فرّق بينهما.
دليلٌ رابع: ما روي عن النبي ﷺ أنه أعطى رجالًا ولم يعطِ رجلًا، فقال له بعض الصحابة: يا رسول الله أعطيت فلانًا ولم تعطِي فلانًا وهو مؤمن، فقال ﷺ: «أو مسلم»، وكرر ذلك ثلاثًا، فدلّ على أن الإيمان أكمل من الإسلام.
دليلٌ خامس: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلًا».
وقال ﷺ في الإيمان: «الإيمان بضعة وسبعون خصلة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق».
فأخبر النبي ﷺ أن الإسلام خمس دعائم، وأن الإيمان بضع وسبعون خصلة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، ولا شك أن البضع وسبعون أكمل من الخمس.
دليلٌ سادس: أن الإسلام عبارة عن الدخول في الملة، وأن الإيمان عبارة عن جميع الطاعات، فكان أكمل منه.
واحتج المخالف بأن قال: الإيمان خصلة من خصال الإسلام وذلك لأن الإسلام في اللغة عبارة عن الانقياد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان: ٢٢]، فمعناه: ومن انقاد بطاعته لله وهو محسن، وكذلك قوله تعالى: {فَإِنْ أَسْلَمُوا۟ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟} [آل عمران: ٢٠].
والجواب هو أنا نقول: لا نُسلم أن الإيمان خصلة من الإسلام، بل الإسلام خصلة من الإيمان، بدليل التي تقدم ذكرها قبلها، وأما الآية التي ذكر فهي حُجَّة عليه، لأنه قال: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان: ٢٢]، والمُحْسِن هو المؤمن، فلو كان الإسلام أكمل من الإيمان لَمَا قال وهو محسن، لأن عند مخالِفنا أن الإسلام أكمل المنازل، والإيمان والإحسان بعضه، فكان يجب أن يعنى بذكر الأفضل والأكمل عن ضم الأنقص الداخل فيه إليه، فلما قرنه بالإحسان دل على أنه ثَمَّ نقص كمله الإحسان، وأما الآيتان الباقيتان فلا حجة فيهما.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، فأخبر الباري بأن الإيمان من صفات القلب.
والجواب أن نقول: أَن الآية حجة على المخالف من كل وجه: أحدها: أنه فرّق بين الإسلام والإيمان، وأثبت لهم الإسلام، ولم يُثبت لهم الإيمان.
والثاني: أنه قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ﴾، وعند المخالف أن الإسلام لا يصح إلا بعد تَقَدُّم الإيمان عليه الذي هو التصديق والمعرفة بالقلب، فقد دخل عنده الإيمان في قلوبهم، لأنه حكم بالإسلام، فدل على فساد ما قالوه.
واحتج أيضًا بقوله ﷺ: «بني الإسلام على خمس»، وتفريق جبريل عليه السلام بين الإسلام والإيمان.
والجواب هو: أن النبي ﷺ وصف الإسلام بأنه ذو دعائم، ووصف الإيمان بأنه بضع وسبعون خصلة، ولا شك ولا خفاء أن البضع والسبعون أكمل من الخمس، وأما تفرقة جبريل ﷺ حُجَّة عليهم؛ لأن عندهم أن الإيمان خصلة من الإسلام، فكان يجب أن يستغني بذكر الإسلام عن ذكر الإيمان؛ لأنه داخل فيه، فلما فرَّق بينهما دلّ على بُطلان ما قالوه.
واحتج أيضًا بقوله: بأن حد الإسلام في اللغة عبارة عن الانقياد لأمر الله تعالى بالإيمان والطاعات، والإيمان هو التصديق فحسب، فبان بذلك أن الإسلام أكمل منه.
والجواب هو أنَّا نقول: أنَّا نخالفك في هذا الحد فيه؛ لأن عندنا أن الإيمان عبارة عن الدخول في الملة كما قدمنا فلا نحتاج إلى إعادته ها هنا.