وأن الإيمان قول وعمل، ونية، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية

فَصْلٌ
وأن الإيمان قول وعمل، ونيّة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

وقالت المعتزلة والأشعرية: هو الاعتقاد بالقلب، ولو أن رجلاً إذا اعتقد الإيمان بقلبه وكفر بلسانه، ووحّده بقلبه، وترك الفرائض كلها، وارتكب الكبائر كلها إلى حين وفاته فهو عندهم مؤمن كامل الإيمان.

واختلف المرجئة في ذلك، فمنهم من قال مثل الأشعرية والمعتزلة، ومنهم من قال: إن الإيمان قول بلا عمل، والأعمال شرائع.

دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ﴾ [البقرة: ١٤٣]، جاء في التفسير أن المراد به يعني صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيماناً.

دليلٌ ثاني: ما روي عن النبي ﷺ أنه سئل عن الإيمان؟ فقرأ هذه الآية: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى آخر الآية، وفيها أفعال وأقوال واعتقاد.

دليلٌ ثالثٌ: ما روي عن النبي ﷺ أنه سُئل عن الإيمان فقال عليه السلام: «الإيمان أن تؤمن بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج بيت الله الحرام إن استطعت إليه سبيلًا».

دليلٌ رابع: ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، ونية بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية». وفي حديث آخر: «الإيمان قول مقول، وعمل معمول، وعرفان بالعقول، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية».

دليلٌ خامس: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه استباح قتال مانع الزكاة وسبْيِهم، وأجمعت الصحابة على ذلك، فلو كان الإيمان قولٌ بلا عمل كما قالت المرجئة، أو اعتقادٌ كما قالت الأشعرية والمعتزلة، لما جاز لهم قتلهم وقتالهم.

دليلٌ سادس: هو أنه لو كان الإيمان اعتقادًا من غير قول ولا عمل كما قالت الأشعرية والمعتزلة، أو قولًا بلا عمل كما قالت المرجئة، لاستوت فيه منزلة الطائع والعاصي وإيمان الأنبياء وغيرهم من العصاة، والله عز وجل نَفَى المساواة بينهما بقوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨].

فإن احتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]، أي: بمُصدِّقٍ لنا، وقولهم فلان مؤمن بعذاب القبر، أي: مصدق به، فسُمٍّى التصديق إيمانًا، وعندكم ليس بإيمان.

والجواب عنه من وجوه كثيرة: أحدها: أن ما ذكره لا يتضمن غير معنى التصديق، والإيمان الذي اختلفنا فيه يتضمن الأقوال والأفعال والاعتقاد على ما قلناه، فلهذا لم يكن التصديق بمجرده إيمانًا.

وجوابٌ ثاني: هو أنه يُسمَّى البعض تسمية الكل، ويجوز مثل ذلك في اللغة، الدليل عليه هو أنهم يُسمُّون الدعاء والاستغفار صلاة، ومنه قول الشاعر:
عليكِ مثل الذي صليتِ فاغتمضي ** نومًا فإن لجنب المرء مضطجعًا.

أي: عليكِ مثل الذي دعيت، ويُسمُّون الإمساك عن الكلام صومًا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أي: صمتًا.

وجوابٌ ثالث: وهو أن ذلك مجاز، والحقيقة ما ذكرناه.

واحتج أيضًا بأن قال: حَدُّ الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق، فيجب حمل الشريعة عليه لِوُرود الشرع على مطابقة اللغة.

والجواب هو أنا نقول: أنه لا يمتنع أن يكون للشيء حدٌّ في اللغة، ولا يجب حمل الشريعة عليه، والدليل عليه أن حَدَّ الحج في اللغة عبارة عن القصد، كما قال الشاعر:
وأشَهد من عَوْفٍ حُلُولاً كثيرةً ** يَحجونَ سِبَّ الزَّبرقانِ المُزْعَفرا

يعني يترددون إليه في حوائجهم، والحج في الشرع عبارة عن أفعال مخصوصة. وكذلك أيضًا حدّ الصوم في اللغة عبارة عن الإمساك، ومنه قولهم صام النهار إذا اعتدل زمانه بحيث لم يزد ولم ينقص، وصام الجواد أي: وقف، مثل ذلك، ومنه قول الشاعر:
خَيلٌ صِيامٌ وَخَيلٌ غَيرُ صائِمَةٍ ** تَحتَ العَجاجِ وَأُخرى تَعلُكُ اللُجُما
والصوم في الشرع عبارة عن الإمساك عن الطعام والشراب وغيره.

وجواب آخر: وهو أن الشريعة أقرَّت حدود اللغة فزادت عليها، وما ذهبوا إليه يُفضِي إلى إسقاط الشريعة وإقرار اللغة.

وقد احتج المخالف أيضًا بأن قال: ما تقولون في رجل آمن بالله ثم مات عقيبَه، هل يكون مؤمنًا أم لا؟

والجواب: أنا نقول يُسمَّى مسلمًا ولا يُسمَّى مؤمنًا على ما نُبَيِّنه فيما بعد إن شاء الله تعالى، ولأن الإسلام عبارة عن الدخول في الملة وقد دخل في التوحيد في الملة، والإيمان عبارة عن أفعال جميع الطاعات وترك جميع المنْهِيَّات.

فإن قيل: فعندكم تارك الصلاة يكفر، وهذا لم يُصَلِّ.

والجواب هو: أن تارك الصلاة بغير عذر يكفر، وهذا معذورٌ، لأنه لم يُفسح له في المدة حتى يُصَلِّي فلا يكون كافراً.
ئەثەری دواتر ئەثەری پێشووتر