أن الله جلا وعلا في السماء، مع الدليل على أن فرعون مع كفره وطغيانه قد أعلمه موسى عليه السلام بذلك
بَابُ ذِكْرِ الْبَيَانِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي السَّمَاءِ كَمَا أَخْبَرَنَا فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَمَا هُوَ مَفْهُومٌ فِي فِطْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، عُلَمَائِهِمْ وَجُهَّالِهِمْ، أَحْرَارِهِمْ وَمَمَالِيكِهِمْ، ذُكْرَانِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ، بَالِغِيهِمْ وَأَطْفَالِهِمْ، كُلُّ مَنْ دَعَا اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا: فَإِنَّمَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَيَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى اللَّهِ، إِلَى أَعْلَاهُ لَا إِلَى أَسْفَلَ
١٥٢ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ يَعْنِي ابْنَ مِنْهَالٍ، حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِمِثْلِهِ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} [الأعراف: ١٤٣].
* حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِهَذَا نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.
فَاسْمَعُوا يَاذَوِي الْحِجَا دَلِيلًا آخَرَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: أَنَّ اللَّهَ جَلَا وَعَلَا فِي السَّمَاءِ، مَعَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ فِرْعَوْنَ مَعَ كُفْرِهِ وَطُغْيَانِهِ قَدْ أَعْلَمَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ خَالِقَ الْبَشَرِ فِي السَّمَاءِ أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَ اللَّهِ يَحْكِي عَنْ فِرْعَوْنَ قَوْلَهُ: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} [غافر: ٣٧] فَفِرْعَوْنُ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ يَأْمُرُ بِبِنَاءِ صَرْحٍ، فَحَسِبَ أَنَّهُ يَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى، وَفِي قَوْلِهِ: {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر: ٣٧] ، دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مُوسَى قَدْ كَانَ أَعْلَمَهُ أَنَّ رَبَّهُ جَلَّ وَعَلَا أَعْلَى وَفَوْقَ وَأَحْسَبُ أَنَّ فِرْعَوْنَ إِنَّمَا قَالَ لِقَوْمِهِ: {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر: ٣٧] ، اسْتِدْرَاجًا مِنْهُ لَهُمْ، كَمَا خَبَّرَنَا جَلَّ وَعَلَا فِي قَوْلِهِ: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُّوًا} [النمل: ١٤] فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ هَذِهِ الْفِرْقَةَ جَحَدَتْ - يُرِيدُ بِأَلْسِنَتِهِمْ - لَمَّا اسْتَيْقَنَتْهَا قُلُوبُهُمْ، فَشُبِّهَ أَنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ إِنَّمَا قَالَ لِقَوْمِهِ: {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر: ٣٧] وَقَلْبُهُ: أَنَّ كَلِيمَ اللَّهِ مِنَ الصَّادِقِينَ، لَا مِنَ الْكَاذِبِينَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَكَانَ فِرْعَوْنُ مُسْتَيْقِنًا بِقَلْبِهِ عَلَى مَا أَوَّلْتُ أَمْ مُكَذِّبًا بِقَلْبِهِ ظَانًّا أَنَّهُ غَيْرُ صَادِقٍ وَخَلِيلُ اللَّهِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَالِمٌ فِي ابْتِدَاءِ النَّظَرِ إِلَى الْكَوَاكِبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ أَنَّ خَالِقَهُ عَالٍ فَوْقَ خَلْقِهِ حِينَ نَظَرَ إِلَى الْكَوَاكِبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ، أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَهُ: {هَذَا رَبِّي} [الأنعام: ٧٦] ، وَلَمْ يَطْلُبْ مَعْرِفَةَ خَالِقِهِ، مِنْ أَسْفَلَ، إِنَّمَا طَلَبَهُ مِنْ أَعْلَى مُسْتَيْقِنًا عِنْدَ نَفْسِهِ أَنَّ رَبِّهِ فِي السَّمَاءِ لَا فِي الْأَرْضِ.