باب ذكر البيان من كتاب ربنا المنزل على نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم
بَابُ ذِكْرِ الْبَيِانِ مِنْ كِتَابِ رَبِّنَا الْمُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّهِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ سُنَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ كَلَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي بِهِ يَكُونُ خَلْقُهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ الَّذِي يُكَوِّنُهُ بِكَلَامِهِ وَقَوْلِهِ , وَالدَّلِيلُ عَلَى نَبْذِ قَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ جَلَّ رَبُّنَا وَعَزَّ عَنْ ذَلِكَ
الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ: قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: ٥٤] فَفَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ الَّذِي بِهِ يَخْلُقُ الْخَلْقَ بِوَاوِ الِاسْتِئْنَافِ وَعَلَّمَنَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ أَنَّهُ يَخْلُقُ الْخَلْقَ بِكَلَامِهِ وَقَوْلِهِ: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: ٤٠] الْفَرْقُ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ: فَأَعْلَمَنَا جَلَّ وَعَلَا أَنَّهُ يُكَوِّنُ كُلَّ مُكَوَّنٍ مِنْ خَلْقِهِ بِقَوْلِهِ: {كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: ١١٧] وَقَوْلُهُ: {كُنْ} [البقرة: ١١٧] : هُوَ كَلَامُهُ الَّذِي بِهِ يَكُونُ الْخَلْقُ وَكَلَامُهُ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي بِهِ يَكُونُ الْخَلْقُ غَيْرُ الْخَلْقِ الَّذِي يَكُونُ مُكَوَّنًا بِكَلَامِهِ، فَافْهَمْ , وَلَا تَغْلَطْ , وَلَا تُغَالِطْ، وَمَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ خِطَابَهُ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمَّا أَعْلَمَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ يُكَوِّنُ الشَّيْءَ بِقَوْلِهِ: {كُنْ} [البقرة: ١١٧] ، إِنَّ الْقَوْلَ الَّذِي هُوَ كُنْ غَيْرُ الْمُكَوَّنِ، بِكُنِ الْمَقُولِ لَهُ كُنْ وَعَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَنَّ قَوْلَهُ: {كُنْ} [البقرة: ١١٧] لَوْ كَانَ خَلْقًا - عَلَى مَا زَعَمَتِ الْجَهْمِيَّةُ الْمُفْتَرِيَةُ عَلَى اللَّهِ - كَانَ اللَّهُ إِنَّمَا يَخْلُقُ الْخَلْقَ، وَيُكَوِّنُهُ بِخَلْقٍ، لَوْ كَانَ قَوْلُهُ: {كُنْ} [البقرة: ١١٧] خَلْقًا , فَيُقَالُ لَهُمْ: يَا جَهَلَةُ؛ فَالْقَوْلُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الْخَلْقُ عَلَى زَعْمِكُمْ لَوْ كَانَ خَلْقًا ثُمَّ يُكَوِّنُهُ عَلَى أَصْلِكُمْ , أَلَيْسَ قَوَّدَ مَقَالَتَكُمُ الَّذِي تَزْعُمُونَ أَنَّ قَوْلَهُ: {كُنْ} [البقرة: ١١٧] إِنَّمَا يَخْلُقُهُ بِقَوْلٍ قَبْلَهُ؟ وَهُوَ عِنْدَكُمْ خَلْقٌ وَذَلِكَ الْقَوْلُ يَخْلُقُهُ بِقَوْلٍ قَبْلَهُ، وَهُوَ خَلْقٌ، حَتَّى يَصِيرَ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ وَلَا عَدَدَ، وَلَا أَوَّلَ، وَفِي هَذَا إِبْطَالُ تَكْوِينِ الْخَلْقِ , وَإِنْشَاءِ الْبَرِيَّةِ، وَإِحْدَاثِ مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ اللَّهُ الشَّيْءَ , وَيُنْشِئَهُ وَيَخْلُقَهُ وَهَذَا قَوْلٌ لَا يَتَوَهَّمُهُ ذُو لُبٍّ، لَوْ تَفَكَّرَ فِيهِ، وَوُفِّقَ لِإِدْرَاكِ الصَّوَابِ وَالرَّشَادِ.
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} [الأعراف: ٥٤] فَهَلْ يَتَوَهَّمُ مُسْلِمٌ - يَا ذَوِي الْحِجَا - أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِخَلْقِهِ؟ أَلَيْسَ مَفْهُومًا عِنْدَ مَنْ يَعْقِلُ عَنِ اللَّهِ خِطَابَهُ أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي سَخَّرَ بِهِ الْمُسَخِّرُ غَيْرُ الْمُسَخَّرِ بِالْأَمْرِ، وَأَنَّ الْقَوْلَ غَيْرَ الْمَقُولِ لَهُ؟ فَتَفَهَّمُوا يَا ذَوِي الْحِجَا عَنِ اللَّهِ خِطَابَهُ، وَعَنِ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانَهُ , لَا تَصُدُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، فَتَضِلُّوا كَمَا ضَلَّتِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ.