ذكر محنة أبي إسحاق المعتصم لأبي رحمة الله
ذكر محنة أبي إِسْحَاق المعتصم لأبي رَحْمَة الله
سَمِعت أَبَا الْفضل يَقُول قَالَ أبي رَحْمَة الله لما كَانَ فِي شهر رَمَضَان لَيْلَة تسع عشرَة خلت مِنْهُ حولت من السجْن إِلَى دَار إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَأَنا مُقَيّد بِقَيْد وَاحِد يُوَجه إِلَيّ كل يَوْم رجلَيْنِ سماهما أبي.
قَالَ أَبُو الْفضل وهما احْمَد بن رَبَاح وَأَبُو شُعَيْب الْحجام يكلماني ويناظراني فَإِذا أَرَادَا الِانْصِرَاف دعِي بِقَيْد فقيدت فَمَكثت على هَذِه الْحَال ثَلَاثَة أَيَّام وَصَارَ فِي رجْلي أَرْبَعَة أقياد.
فَقَالَ لي أَحدهمَا فِي بعض الْأَيَّام فِي كَلَام دَار وَسَأَلته عَن علم الله فَقَالَ علم الله مَخْلُوق قلت يَا كَافِر كفرت فَقَالَ لي الرَّسُول الَّذِي كَانَ يحضر مَعَهم من قبل إِسْحَاق هَذَا رَسُول أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ فَقلت إِن هَذَا قد كفر وَكَانَ صَاحبه الَّذِي يَجِيء مَعَه خَارج فَلَمَّا دخل قلت إِن هَذَا زعم أَن علم الله مَخْلُوق فَنظر إِلَيْهِ كالمنكر عَلَيْهِ قَالَ ثمَّ انْصَرف قَالَ أبي واسماء الله فِي الْقرَان وَالْقرَان من علم الله فَمن زعم أَن الْقرَان مَخْلُوق فَهُوَ كَافِر وَمن زعم أَن أَسمَاء الله مخلوقة فقد كفر.
قَالَ أبي فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة الرَّابِعَة بعد عشَاء الأخرة وَجه يَعْنِي المعتصم ببغا إِلَى إِسْحَاق يَأْمُرهُ بحملي فأدخلت على إِسْحَاق فَقَالَ لي يَا احْمَد أَنَّهَا وَالله نَفسك انه قد حلف أَن لَا يقتلك بِالسَّيْفِ وان يَضْرِبك ضربا بعد ضرب وان يلقيك فِي مَوضِع لَا ترى فِيهِ الشَّمْس أَلَيْسَ قَالَ الله تَعَالَى {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا} أفيكون مجعولا إِلَّا مخلوقا.
قَالَ أبي فَقلت فقد قَالَ الله تَعَالَى {فجعلهم كعصف مَأْكُول} أفخلقهم قَالَ فَقَالَ اذْهَبُوا بِهِ.
قَالَ أبي فأنزلت إِلَى شاطئ دجلة فاحدرت إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف بِبَاب الْبُسْتَان وَمَعِي بغا الْكَبِير وَرَسُول من قبل إِسْحَاق.
فَقَالَ بغا لمُحَمد الحارس بِالْفَارِسِيَّةِ مَا تُرِيدُونَ من هَذَا قَالَ يُرِيدُونَ مِنْهُ أَن يَقُول الْقرَان مَخْلُوق.
فَقَالَ مَا اعرف شَيْئا من هَذَا إِلَّا قَول لَا إِلَه إِلَّا الله وان مُحَمَّدًا رَسُول الله وقرابة أَمِير الْمُؤمنِينَ من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أبي فَلَمَّا صرنا إِلَى الشط أخرجت من الزورق وحملت على دَابَّة والاقياد عَليّ وَمَا معي أحد يمسكني فَجعلت اكاد أخر على وَجْهي حَتَّى انْتهى بِي إِلَى الدَّار فأدخلت ثمَّ خرج بِي إِلَى حجرَة فصيرت فِي بَيت مِنْهَا واغلق عَليّ الْبَاب واقعد عَلَيْهِ رجل وَذَلِكَ فِي جَوف اللَّيْل وَلَيْسَ فِي الْبَيْت سراج فَاحْتَجت إِلَى الضَّوْء فمددت يَدي اطلب شَيْئا فَإِذا بِإِنَاء فِيهِ مَاء وطشت فتهيأت للصَّلَاة وَقمت اصلي فَلَمَّا أَصبَحت جَاءَنِي الرَّسُول فاخذ بيَدي فادخلني الدَّار وَإِذا هُوَ جَالس وَابْن أبي دؤاد حَاضر وَقد جمع أَصْحَابه وَالدَّار غاصة بِأَهْلِهَا فَلَمَّا دَنَوْت مِنْهُ سلمت فَقَالَ أدنه أدنه فَلم يزل يدنيني حَتَّى قربت مِنْهُ ثمَّ قَالَ لي اجْلِسْ فَجَلَست وَقد اثقلتني الاقياد فَلَمَّا مكثت هنيهة قلت تَأذن فِي الْكَلَام.
قَالَ تكلم قلت إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُوله.
قَالَ إِلَى شَهَادَة أَن لَا اله إِلَّا الله.
قَالَ ثمَّ قلت إِن جدك ابْن عَبَّاس حكى أَن وَفد عبد الْقَيْس لما قدمُوا على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمرهم بِالْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى فَقَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَان قَالُوا الله وَرَسُوله أعْلَم.
قَالَ شَهَادَة أَن لَا اله إِلَّا الله وان مُحَمَّدًا رَسُول الله واقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَصَوْم رَمَضَان وان تعطوا الْخمس من الْمغنم.
حَدثنَا أَبُو الْفضل قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن شُعْبَة قَالَ حَدثنِي أَبُو حَمْزَة قَالَ سَمِعت بن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ قَالَ إِن وَفد عبد الْقَيْس لما قدمُوا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمرهم بِالْإِيمَان فَذكر مثل ذَلِك.
قَالَ أَبُو الْفضل قَالَ أبي فَقَالَ لي عِنْد ذَلِك لَوْلَا أَنِّي وَجَدْتُك فِي يَد من كَانَ قبلي مَا عرضت لَك ثمَّ الْتفت إِلَى عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق فَقَالَ لَهُ يَا عبد الرَّحْمَن ألم آمُرك أَن ترفع المحنة.
قَالَ أبي فَقلت فِي نَفسِي الله اكبر إِن فِي هَذَا لفرجا للْمُسلمين قَالَ ثمَّ قَالَ ناظروه وكلموه ثمَّ قَالَ يَا عبد الرَّحْمَن كَلمه فَقَالَ لي عبد الرَّحْمَن مَا تَقول فِي الْقرَان.
قلت مَا تَقول فِي علم الله قَالَ فَسكت.
قَالَ أبي فَجعل يكلمني هَذَا وَهَذَا فأرد على هَذَا ثمَّ أَقُول.
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أعطوني شَيْئا من كتاب الله أَو سنة رَسُوله أَقُول بِهِ ذَلِك.
فَيَقُول لي بن أبي دؤاد وَأَنت لَا تَقول إِلَّا كَمَا فِي كتاب الله أَو سنة رَسُوله.
قَالَ فَقلت لَهُ تأولت تَأْوِيلا فَأَنت اعْلَم وَمَا تأولت مَا يحبس عَلَيْهِ ويقيد عَلَيْهِ.
قَالَ فَقَالَ ابْن أبي دؤاد فَهُوَ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ضال مضل مُبْتَدع يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهَؤُلَاء قضاتك وَالْفُقَهَاء فسلهم.
قَالَ فَيَقُول لَهُم مَا تَقولُونَ.
فَيَقُولُونَ يَا أَمِير الْمُؤْمِنُونَ هُوَ ضال مضل مُبْتَدع.
قَالَ فَلَا يزالون يكلموني.
وَقَالَ وَجعل صوتي يَعْلُو على أَصْوَاتهم فَقَالَ لي إِنْسَان مِنْهُم قَالَ