ما ذكر في زهد أبي عبد الله رضي الله عنه

مَا ذكر فِي زهد أبي عبد الله رَضِي الله عَنهُ
قَالَ أَبُو الْفضل: دخلت يَوْمًا على أبي أَيَّام الواثق، وَالله يعلم على أَي حَالَة نَحن، وَقد خرج لصَلَاة الْعَصْر، وَكَانَ لَهُ لبد يجلس عَلَيْهِ، قد أَتَى عَلَيْهِ سِنِين كَثِيرَة حَتَّى بلَي، وَإِذا تَحْتَهُ كتاب كاغد، وَإِذا فِيهِ: بَلغنِي يَا أَبَا عبد الله مَا أَنْت فِيهِ من الضّيق، وَمَا عَلَيْك من الدّين، وَقد وجهت إِلَيْك بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم على يَدي فلَان لِتَقضي بهَا دينك، وَتوسع على عِيَالك، وَمَا هِيَ من صَدَقَة وَلَا زَكَاة، وإنما هُوَ شَيْء ورثته من أبي، فقرأت الْكتاب، وَوَضَعته، فَلَمَّا دخل قلت لَهُ، يَا أَبَت، هَذَا الْكتاب؟ فاحمر وَجهه، وَقَالَ: رفعته مِنْك، ثمَّ قَالَ: تذْهب بجوابه؟ فَكتب إِلَى الرجل: وصل كتابك إلي، وَنحن فِي عَافِيَة، فَأَما الدّين، فإنه لرجل لَا يرهقنا، وأما عيالنا، فهم فِي نعْمَة، وَالْحَمْد لله، فَذَهَبت بِالْكتاب إِلَى الرجل الَّذِي كَانَ أوصل كتاب الرجل.

فَقَالَ: وَيحك، لَو أَن أَبَا عبد الله قبل هَذَا الشَّيْء، وَرمى بِهِ مثلا فِي دجلة كَانَ مأجورا، لَأن هَذَا الرجل لَا يفوت لَهُ مَعْرُوف، فَلَمَّا كَانَ بعد حِين ورد كتاب الرجل بِمثل ذَلِك، فَرد عَلَيْهِ الْجَواب بِمثل مَا ورد، فَلَمَّا مَضَت سنة أقل أَو أكثر ذَكرنَاهَا، فَقَالَ: لَو كُنَّا قبلناها، كَانَت قد ذهبت.

قَالَ: وَشهِدت ابن الجَزَوي، أَخُو الْحسن، وَقد جَاءَهُ بعد الْمغرب، فَقَالَ: أَنا رجل مَشْهُور، وَقد أَتَيْتُك فِي هَذَا الْوَقْت، وَعِنْدِي شَيْء قد أعددته لَك، فَأحب أَن تقبله، وَهُوَ مِيرَاث، فَلم يزل بِهِ، فَلَمَّا أكثر عَلَيْهِ، قَامَ وَدخل.

قَالَ أَبُو الْفضل: فاخترت عَن الْحسن قَالَ، قَالَ لي أخي، لما رَأَيْته كلما ألححت عَلَيْهِ ازْدَادَ بعدا، قلت أخبروه كم هِيَ؟ قَالَ: قلت يَا أَبَا عبد الله، هِيَ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار، فَقَامَ وَتَرَكَنِي.

قَالَ يَوْمًا: أَنا إِذا لم تكن عِنْدِي أخْرُج.

فَقَالَ لَهُ: أَبُو مُحَمَّد فوران: عِنْدِي خف أبْعَثْ بِهِ إِلَيْك؟ فَسكت فَلَمَّا عَاد إِلَيْهِ أَبُو مُحَمَّد قَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد، لَا تبْعَث بالخف، فقد شغل قلبِي علي.

وَوجه رجل من الصين بكاغد صيني إِلَى جمَاعَة من الْمُحدثين مِنْهُم يحيى وَغَيره، وَوجه بقمطر إِلَى أبي، فَرد.

وَقَالَ أبي: كَانَ ابْن يحيى وَيحيى، وَمَا أخرجت خُرَاسَان بعد ابْن الْمُبَارك رجلا يشبه يحيى بن يحيى - فَجَاءَنِي ابْنه فَقَالَ: إِن أبي أوصى بمبطنة لَهُ لَك، وَقَالَ: يذكرني بهَا، فَقَالَ أبي، فَقلت: جِيءَ بهَا، فجَاء برزمة ثِيَاب، فَقلت لَهُ: اذْهَبْ رَحِمك الله، وَقلت لأبي: بَلغنِي أَن أحْمَد بن الدَّوْرَقِي أعْطى ألف دِينَار، فَقَالَ: أَي بني (ورزق رَبك خير وأبقى).

ذكر يَوْمًا عِنْده رجل فَقَالَ: يَا بني الفائز من فَازَ غَدا، وَلم يكن لَأحَدَّ عِنْده تبعة.

وَذكر لَهُ ابْن أبي شيبَة، وَعبد الْأَعْلَى النرسي، وَمن قدم بِهِ إِلَى الْعَسْكَر من الْمُحدثين، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَت أَيَّاما قَلَائِل، ثمَّ تَلَاحَقُوا، وَمَا بخلوا مِنْهُ بِكَثِير شَيْء.

وَجئْت يَوْمًا إِلَى الْمنزل فَقيل لي: قد وَجه أَبوك أمس فِي طَلَبك، فَقلت: وجهت فِي طلبي.

فَقَالَ: جَاءَنِي أمس رجل كنت أحب أَن ترَاهُ، بَيْنَمَا أَنا قَاعد فِي نحر الظهيرة، إِذا بِرَجُل يسلم بِالْبَابِ، فَكَأنَ قلبِي ارْتَاحَ لَهُ، فَقُمْت ففتحت الْبَاب، فَإِذا أَنا بِرَجُل عَلَيْهِ فَرْوَة وعَلى أم رَأسه خرقَة مَا تَحت فَرْوه قَمِيص، ولامعه ركوة وَلَا جراب، وَلَا عكاز، قد لوحته الشَّمْس، فَقلت: أدخل، فَدخل للدهليز.

فَقلت: من أَيْن أَقبلت؟

قَالَ: من نَاحيَة الْمشرق، أُرِيد بعض هَذِه السواحل، وَلَوْلَا مَكَانك مَا دخلت هَذَا الْبَلَد إِلَّا أَنِّي نَوَيْت السَّلَام عَلَيْك، قلت: على هَذِه الْحَال؟ قَالَ: نعم، ثمَّ قَالَ لي: مَا الزّهْد فِي الدُّنْيَا؟ قلت: قصر الأمل، قَالَ: فَجعلت أعْجَبْ مِنْهُ، فَقلت فِي نَفسِي: وَمَا عِنْدِي ذهب وَلَا فضَّة، فَدخلت الْبَيْت فَأخذت أَرْبَعَة أرغفة، فَخرجت إليه، فَقلت: مَا عِنْدِي ذهب وَلَا فضَّة، وإنما هَذَا من قوتي.

قَالَ: أَو يَسُرك يَا أَبَا عبد الله أَن أقبل ذَلِك؟ قَالَ: قلت: نعم.

قَالَ: فَأَخذهَا، فوضعها تَحت حضنه، وَقَالَ: أرجوا أَن يَكْفِينِي زادا إِلَى الرقة، أستودعك الله.

قَالَ: فَلم أزل قَائِما أنْظُر إِلَيْهِ إِلَى أَن خرج من الزقاق، وَكَانَ يذكرهُ كثيرا.

وَكنت أسمع أبي كثيرا يَقُول: اللَّهُمَّ سلم سلم.

حَدثنَا صَالح، قَالَ: فَحَدثني أبي، قَالَ: حَدثنَا يُونُس بن مُحَمَّد قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن زيد قَالَ: زعم يحيى بن سعيد أَن سعيد بن الْمسيب كَانَ يَقُول: اللَّهُمَّ سلم سلم.

كَانَ أبي إِذا دَعَا لَهُ رجل يَقُول: لَيْسَ يحرز الْمُؤمن إِلَّا حفرته، الْأَعْمَال بخواتيمها.

وَكَانَ رجل يخْتَلف مَعَ خلف المجزمي إِلَى عَفَّان يُقَال لَهُ: أحْمَد بن الحكم الْعَطَّار فختن بعض وَلَده، فَدَعَا أبي وَأَبُو خثيمَةَ وَجَمَاعَة من أَصْحَاب الحَدِيث، وَطلب إِلَى أبي أَن يحضر، فَمَضَوْا، وَمضى أبي بعدهمْ وَأَنا مَعَه، فَلَمَّا دخل أجْلِسْ فِي بَيت وَمَعَهُ جمَاعَة من أَصْحَاب الحَدِيث، فَمن كَانَ يخْتَلف مَعَه إِلَي عَفَّان، فَكَانَ فيهم رجل يكنى بِأبي بكر، يعرف بالأحول، فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الله: هَا هُنَا آنِية من فضَّة، والتفت فَإِذا كرْسِي، فَقَامَ وَخرج وَتَبعهُ من كَانَ فِي الْبَيْت، وسأل من كَانَ فِي الدَّار عَن خُرُوجه فَأخْبر، واتبعته مَعَهم جمَاعَة، وَأخْبَر الرجل فَخرج إِلَى أبي، فَحلف أنه مَا علم بذلك، وَلَا أَمر بِهِ، فَجعل يطْلب إِلَيْهِ فَأبى.

وَجَاء عَفَّان فَقَالَ لَهُ الرجل: يَا أَبَا عُثْمَان، اطلب إِلَى أبي عبد الله أَن يرجع فَكَلمهُ عَفَّان، فَأبى أَن يرجع، فَنزل بِالرجلِ أَمر عَظِيم.
ئەثەری دواتر ئەثەری پێشووتر