ما ذكر من أخلاق أبي عبد الله رضي الله عنه
مَا ذكر من أَخْلَاق أبي عبد الله رَضِي الله عَنهُ
سَمِعت صَالح، يَقُول: كَانَ أبي إِذا أَرَادَ الْوضُوء للصَّلَاة، لم يدع أحدا يَسْتَقِي لَهُ المَاء، كَانَ هُوَ يَسْتَقِي بِيَدِهِ.
وَكنت أسْمَعْهُ كثيرا يَتْلُو سُورَة الْكَهْف.
وَكنت رُبمَا اعتللت فَيَأْخُذ قدحا فِيهِ مَاء، فَيقْرَأ فِيهِ، ثمَّ يَقُول لي: اشرب مِنْهُ، واغسل وَجهك ويديك.
- وَكَانَ رُبمَا خرج إِلَى الْبَقَّال، يَشْتَرِي الحزمة من الْحَطب وَالشَّيْء فيحمله.
وَجَاء يَوْمًا ليتنور، وَعِنْدِي رجل ضَرِير يقْرَأ، فَأخْبرت أَنه قعد هنيهة يستمع.
وَكَانَ يبيت عِنْدِي كثيرا قوم فيهم من يقْرَأ ويغير، فيبلغه ذَلِك فَلَا يَقُول شَيْئا.
قَالَ: ورأيته يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب، وَسَائِل يسْأَل، وَكَانَ إِلَى جنب أبي رجل، وَكَانَ السَّائِل مِمَّا يَلِي أبي فَأَوْمأ الرجل وَفِي يَده قِطْعَة إِلَى أبي ليأخذها ويعطيها السَّائِل، فَلم يَأْخُذهَا من الرجل.
وَكَانَ رُبمَا ركع فِي الْمَسْجِد يَوْم الْجُمُعَة، وَرُبمَا انْصَرف، فَيصَلي فِي بعض الْمَسَاجِد.
ومضيت مَعَه يَوْم جُمُعَة إِلَى مَسْجِد الْجَامِع فَوَافَقت النَّاس، وَانْصَرفُوا.
فَدخل أبي الْمَسْجِد، وَكَانَ مَعنا إِبْرَاهِيم بن هانئ النيسابوري، فَتقدم أبي فصلى بِنَا الظّهْر أَرْبعا.
قَالَ: قد فعله ابن مَسْعُود بعلقمة والأسود.
أخبرنَا المخلدي، قَالَ: أخبرنَا الأسفرايني، قَالَ: حَدثنَا صَالح، قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهدى عَن سُفْيَان عَن الْحسن بن عبيد الله، قَالَ: فاتتني الْجُمُعَة وَأَنا وذر، فصلينا فِي جمَاعَة، قَالَ: فَذكرت ذَاك لإِبْرَاهِيم، فَقَالَ: قد فعله ابْن مَسْعُود بعلقمة وَالْأسود يَوْم الْجُمُعَة.
قَالَ المخلدي، قَالَ أَبُو بكر الأسفرايني: سَأَلت إِبْرَاهِيم بن هانئ عَن هَذَا فَقلت: فاتتكم الْجُمُعَة مَعَ أحْمَد فصلى بكم أَرْبعا، قَالَ: نعم.
وأخبرنا الأسفرايني، قَالَ: حَدثنَا صَالح، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق، قَالَ: أخْبرْنَا سُفْيَان، عَن الْحسن بن عبيد الله، قَالَ: صليت أَنا وذر فأمني، وفاتتنا الْجُمُعَة فَسَأَلت: إِبْرَاهِيم فَقَالَ: قد فعل ذَلِك عبد الله بعلقمة وَالْأسود.
قَالَ سُفْيَان: وإنما فعلته أَنا وَالْأَعْمَش.
قَالَ أبي: وَقد فعله إياس بن مُعَاوِيَة، وَهُوَ قَاضِي الْبَصْرَة.
أخْبرْنَا المخلدي، قَالَ: أخْبرْنَا الأسفرايني، قَالَ: حَدثنَا صَالح، قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا زيد بن الْحباب، قَالَ: أخبرني حميد بن عُبَيْدَة، قَالَ: جِئْت إِلَى الْمَسْجِد يَوْم الْجُمُعَة فَوجدت النَّاس قد صلوا، وَجَاء إياس، وَهُوَ يَوْمئِذٍ قَاضِي الْبَصْرَة، قَالَ: فصلى بِنَا فِي الْمَسْجِد فِي الزاوية، فَتقدم فصلى بِنَا فِي جمَاعَة.
وَقَالَ أبي: وَصلى سُوَيْد بن غَفلَة وَقد فَاتَتْهُ الْجُمُعَة فصلى الظّهْر فِي جمَاعَة.
وَقَالَ صَالح: فَحَدَّثَنِيهِ أبي، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي، عَن أبي عوانة عَن بعض أَصْحَابه: أَن سُوَيْد بن غَفلَة فَاتَتْهُ الْجُمُعَة فَصنعَ مثل ذَلِك.
سَمِعت صَالح، يَقُول: وَحَضَرت مَعَ أبي عِنْد إِبْرَاهِيم بن اللَّيْث صَاحب الأشجعي، وَحضر عَليّ بن الْمَدِينِيّ، وعباس الْعَنْبَري وَجَمَاعَة وَكثير من أهل الحَدِيث، فَنُوديَ بِصَلَاة الظّهْر، فَسَمِعُوا النداء فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عبد الله تخرج من الْمَسْجِد أَو نصلي هَا هُنَا.
فَقَالَ: نَحن جمَاعَة، نصلي هَا هُنَا، فصلوا.
وَرَأَيْت أبي، وَقد توفّي عَم لَهُ يُقَال لَهُ: عبد الله بن حَنْبَل، فَلَمَّا حنط، وكفن، قبل جَبهته قبل أَن يغطي وَجهه، وَكَانَ إِذا شهد جَنَازَة يقدم أمامها أَو يكون قَرِيبا مِنْهَا، وَقَالَ: يتقدمها أحب إلي.
حَدثنَا صَالح، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق، قَالَ: حَدثنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ، أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَبا بكر، وَعمر كَانُوا يَمْشُونَ بَين يَدي الْجِنَازَة.
قَالَ الزُّهْرِيّ: وأخبرني سَالم أَن أَبَاهُ كَانَ يمشي بَين يَديهَا.
حَدثنَا صَالح، قَالَ: حَدثنَا حجاج، قَالَ: حَدثنَا لَيْث، قَالَ: حَدثنِي عقيل بن خَالِد، عَن ابن شهَاب: أَن سَالم بن عبد الله أخبره، أَن عبد الله بن عمر كَانَ يمشي بَين يَدي الْجِنَازَة، وَأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يمشى بَين يَدي الْجِنَازَة، وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان رضوَان الله عَلَيْهِم.
حَدثنَا صَالح، قَالَ: وحَدثني أبي، قَالَ: حَدثنَا حجاج، قَالَ: قَرَأت على ابن جريح قَالَ: أخبرني أَن ابن شهَاب حَدثهُ، قَالَ: حَدثنِي سَالم عَن عبد الله بن عمر أنه كَانَ يمشي بَين يَدي الْجِنَازَة وَقد كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان يَمْشُونَ أمامها.
وَقَالَ أبي: يرى أنه مُرْسل.
حَدثنَا صَالح، قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن ابْن الْمُنْكَدر سمع ربيعَة بن عبد الله بن هدير، قَالَ: رَأَيْت عمر يقدم النَّاس أَمَام جَنَازَة زَيْنَب بنت جحش.
قَالَ: وَكَانَ أبي إِذا صلى على جَنَازَة لم يجلس حَتَّى تُوضَع السرير.
وَقَالَ: لَا يجلس حَتَّى تُوضَع من أَعْنَاق الرِّجَال.
وَكَانَ يكبر على الْجِنَازَة أَرْبعا، وَيرْفَع يَدَيْهِ مَعَ كل تَكْبِيرَة وَيقْرَأ فَاتِحَة الْكتاب فِي أول تَكْبِيرَة، ثمَّ يسلم تَسْلِيمَة وَاحِدَة.
وَكَانَ إِذا دخل الْمقْبرَة خلع نَعْلَيْه، وأمسكها بِيَدِهِ.
وَرُبمَا قَالَ لجارية لي: مَوْلَاك فِي الْبَيْت.
وَكَانَ إِذا ولد لي مَوْلُود سَمَّاهُ.
وَكَانَ إِذا ولد لي ابْنة يَقُول: الْأَنْبِيَاء كَانُوا آباء بَنَات.
وَيَقُول: قد جَاءَ فِي الْبَنَات مَا قد علمت.
قَالَ: وَولد لي مَوْلُود فأهدى لي صديق شَيْئا، ثمَّ أَتَى على ذَلِك أشهر، وَأَرَادَ الْخُرُوج إِلَى الْبَصْرَة، فَقَالَ لي: تكلم أَبَا عبد الله يكْتب لي إِلَى الْمَشَايِخ بِالْبَصْرَةِ، فَقَالَ: لَوْلَا أنه أهْدى إِلَيْك، كتبت لَهُ، لست أكْتُبْ لَهُ.
وأهدى إِلَيْهِ رجل ولد لَهُ مَوْلُود خوان فالوذج، فأهدى إِلَيْهِ سكرا بِدَرَاهِم صَالِحَة.
وأكل يَوْمًا فِي منزلي، فأخذ لقْمَة فناولها الْخَادِم.
وَكَانَ رُبمَا أخبز لَهُ، فَيصير لَهُ فِي فخارة عدس وشحم.
وَرُبمَا قَالَ: صيروا فِيهِ، ثمَّ أني شَهْرَيْن، فَكَانَ إِذا أَرَادَ أَن يَأْكُل يَجِيء إِلَى الصّبيان بقصعة من ذَاك العدس، فيصوت ببعضهم فيدفعه إِلَيْهِ فيضحكون وَلَا يَأْكُلُونَهُ.
وَكَانَ كثيرا مَا يأتدم بالخل، وَرُبمَا رأيته يَأْكُل الْكسر، فينفض الْغُبَار عَنْهَا، ثمَّ يصيرها فِي قَصْعَة وَيصب عَلَيْهَا المَاء حَتَّى تلين، ثمَّ يَأْكُلهُ بالملح، وَمَا رَأَيْته قطّ اشْترى رمانا وَلَا سفرجلا وَلَا شَيْئا من الْفَاكِهَة، إِلَّا أَن يَشْتَرِي بطيخة فيأكلها بالخبز أَو عنبا أَو تَمرا، فَأَما غير ذَلِك فَمَا رَأَيْته وَمَا اشْتَرَاهُ.
وَكُنَّا رُبمَا اشترينا الشَّيْء فنستره عَنهُ حَتَّى لَا يرَاهُ، فيوبخنا على ذَلِك.
وَقَالَ لي: إِن كَانَت والدتك فِي الغلاء تغزل غزلا رَقِيقا، فتبيع الأستار بِدِرْهَمَيْنِ أقل أَو أكثر، فَكَانَ ذَلِك قوتنا.
وَكَانَ قَدِيما قبل أَن نَأْخُذ من السُّلْطَان يَأْكُل عندنَا، وَرُبمَا وجهنا بالشَّيْء فيأكل مِنْهُ.
وَدخل يَوْمًا إِلَى منزلي، وَقد غَيرنَا سقفا لنا، فدعاني ثمَّ أمْلى عَليّ حَدِيث الْأَحْنَف بن قيس، قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن سلمة عَن يُونُس، عَن الْحسن قَالَ: قدم الْأَحْنَف بن قيس من سفر، وَقد غير أَسْقُف بَيته حمر وشقا شقّ وخضروها، فَقَالُوا لَهُ: أما ترى إِلَى سقف بَيْتك؟ فَقَالَ: معذرة إِلَيْكُم، إِنِّي لم أره، لَا أدخله حَتَّى تغيروه.
واعتللت من عَيْني لَيْلَة فَلم يزل عِنْدِي، فَقلت: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الصَّبْر، فَقَالَ: سل الله الْعَافِيَة، فإن الصَّبْر إِنَّمَا يكون مَعَ الْبلَاء.
وَكَانَ كتب إِلَى إِسْحَاق بن رَاهْوَيْه.
فَكتب إِلَى إِسْحَاق: إِن الْأَمِير عبد الله بن طَاهِر وَجه إِلَيّ.
وَدخلت عَلَيْهِ وَفِي يَدي كتاب أبي عبد الله فَقَالَ: مَا هَذَا الْكتاب؟ فَقلت كتاب أحْمَد بن حَنْبَل، فَقَالَ: هاته، فَأَخذه فقرأه.
وَقَالَ: إِنِّي لَأحبهُ، وأحب حَمْزَة بن الهيصم اليوشنجي، لأنهما لَا يختلطا بِأَمْر السُّلْطَان، ثمَّ قَالَ: لست أمنك على هَذَا الْكتاب وأخذه، فَوَضعه تَحت مصلات، فقرأت كتاب إِسْحَاق على أبي فأمسك عَن الْكتاب إِلَيْهِ.
وَكَانَ يتنور فِي الْبَيْت، إِلَّا أنه قَالَ لي يَوْمًا، وَكَانَ يَوْمًا شتويا: أُرِيد أدخل الْحمام بعد الْمغرب، فَقل لصَاحب الْحمام، فَقلت لصَاحب الْحمام فَلَمَّا كَانَ الْمغرب، فَقَالَ: ابْعَثْ إِلَيْهِ، إِني قد ضربت عَن الدُّخُول، وتنور فِي الْبَيْت.
وأردت أَن أشْترِي جَارِيَة نَصْرَانِيَّة، فَقَالَ: لَا تشتر نَصْرَانِيَّة.
وأشتريت جَارِيَة فشكت إِلَيْهِ أَهلِي، فَقَالَ: كنت أكره لَهُم الدُّنْيَا.
وَكَانَ رُبمَا بَلغنِي عنكما الشَّيْء، فَقَالَت لَهُ: يَا عَم، وَمن يكره الدُّنْيَا غَيْرك؟ فَقَالَ لَهَا: فشأنك إِذن.