فَصْلٌ
وإذا ثبت هذا فمعرفة الباري وجبت بالشرع دون العقل، وقالت المعتزلة: وجبت بالعقل دون الشرع، وقالت الأشعرية: بالعقل والشرع جميعًا.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، نفى إصابة العذاب مع عدم بعثة الرسول ﷺ، وأثبت وقوعه مع بعثته، فلو كانت المعرفة وجبت بالعقل لكان قد قال: وما كنا معذبين حتى نرزقهم عقولًا، فلما لم يقل ذلك دلّ على عدم حصوله بالعقل.
دليلٌ ثانٍ: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦].
دليلٌ ثالثٌ: ما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «تعلّموا العلم، ففي تعلمه خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، به يُعرف الله ويُعبد، وبه يُمجد الله ويُوحد، وهو إمام العمل والعمل تابعه، يرفع الله تعالى بالعلم أقوامًا فيجعلهم للخير قادة وأئمة يُقتدى بهم وينتهى إلى رأيهم».
فوجه الدليل من قوله ﷺ: «به يُعرف الله تعالى ويُعبد» أنه أثبت المعرفة بالعلم، فوجب أن يثبت به؛ تصديقًا له في قوله.
دليلٌ رابعٌ: هو أن المعرفة لو كانت حاصلة بالعقل لكان كل عاقل عارفًا بوحدانيته، فلما وجدنا جماعة من العقلاء كفارًا غير عارفين لدين، دلّ على أن المعرفة لم تحصل بالعقول، ألا ترى أن ما يُدرك بالنظر لا يختلف أرباب النظر فيه.
دليلٌ خامسٌ على بطلان قول الأشعرية: هو أنه لا يخلو إما أن تكون معرفة الباري حصلت بالشرع دون العقل، أو بالعقل دون الشرع، أو بهما جميعًا، ولا يجوز أن تكون حصلت بالعقل دون الشرع؛ لما بينا أن العقل ليس موجبًا لثبوت الوحدانية، ولا يجوز أن تكون بالعقل والشرع؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون ما يُعرف بالعقل لا يوجد في الشرع، أو يوجد فيه، فلا يجوز أن يُقال أنه لا يوجد في الشرع؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وإذا كان ما يُعرف بالعقل موجودًا في الشرع فلا حاجة لنا إلى ذكر العقل؛ لاندراجه في الشرع.
دليلٌ سادسٌ: هو أن ما يُعرف بالعقل لا يخلو إما أن يكون تظنيناً أو تفكيراً، أو تمثيلًا أو تصويرًا، والباري جل جلاله منزه عن جميع ذلك؛ لكونه لا تقدره المقادير، ولا تظنه الظنون، ولا تجول في كيفيته الأفكار، ولا مِثْلَ له، ولا شبيه له، فلا سبيل إلى معرفته بالعقل، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وكذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، أي: هل تعلم له مِثلًا وشبيهًا؟ وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، معناه: لم يكن له مِثل ولا شبيه، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]، معناه: وما عرفوا الله حق معرفته.
وقال بعض أصحابنا: "عُرِف بنور الهداية"، وقال غيره: "عرّفنا نفسه فعرَفناه"، والجميع واحد، وقد رُوي ذلك عن جماعة من السلف الصالح، فروي عن الشافعي رحمه الله أنه سُئل عن معرفة الله تعالى: هل عرفتَ الله به أم بمحمد؟ فقال: "عرفتُ الله به، وعرفتُ محمدًا به، ولو عرفتُ الله بمحمد لكانت المنة لمحمد دون غيره"، وقال ذو النون المصري رحمة الله عليه: "العقل عاجز، لا يدل إلا على عاجز، وأما الربوبية فلا سبيل إلى كيفية إدراكها بالعقول، ليس هذا إلا الرضا والتسليم".
واحتجَّ المخالف: بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩، الزمر: ٩]، إلى غير ذلك من الآيات.
الجواب: هو أنَّا نقول أنَّا لا نمنع أن يكون العاقل مخاطبًا بالمعرفة، وإنما نمنع أن تكون المعرفة وجبت بالعقل، ألا ترى أنه لا يُخاطَب بالصوم والصلاة وغير ذلك من العبادات إلا البالغ العاقل، ثم وجوب المعرفة بغير ذلك.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «لما خلق الله العقل، فقال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقًا هو أحسن منك، لك الثواب وعليك العقاب».
والجواب هو: أنا نقول لا نمنع من ذلك، وأن التكليف لا ينصرف إلا إلى العاقل، فيكون معنى الخبر أن كل من رَكَّبتُ فيه العقل أُثِيبه على حسناته، وأعاقبه على سيئاته، ونحن على خلاف هذا في وجوب المعرفة ولم يذكره في الخبر.
فإن قيل: فقد رُوي في لفظ آخر «بك أعرف، وبك أعبد»، قيل له: أن هذين اللفظين لم يُحفظا عن رسول الله ﷺ، وإنما الخبر المشهور الذي تقدم ذكره، وإن صحّ ما ذكرتموه فيكون معناه إنما أُكلّف العباد على من رَكَّبتك فيه.
واحتج المخالف بأن إبراهيم عليه السلام عرف ربه بعقله، لأنه قال: ﴿فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمۡسَ بَازِغَةٗ قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَآ أَكۡبَرُۖ فَلَمَّآ أَفَلَتۡ قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ٧٨إِنِّي وَجَّهۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ حَنِيفٗاۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} [الأنعام: ٧٨-٧٩].
والجواب هو أن نقول: لا حجة للمعتزلة في ذلك؛ لأن عندهم كل من لا يبلغ لا عقل له، فتلك المعرفة لم تحصل بالعقل عندهم، وأما على أصلنا فلهم عقول، لأن الأنبياء مخصوصون من جملة الناس، لأن الله تعالى طَبَعَهم مؤمنين، ولهذا قال الله تعالى في قصة عيسى عليه السلام: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠]، وكان في المهد صبياً.
واحتج المخالف بأن قال: ما تقول في النبي ﷺ قبل نزول شَرْعه عليه؟ هل كان عارفًا بالله أم غير عارف؟ فإن قلتم إنه كان عارفًا، فإن تلك المعرفة كانت بالعقل لا محالة، وإن قلتم إنه كان غير عارف، فكل من ليس بعارف فهو كافر لا محالة.
والجواب هو: أنا نقول إنه ﷺ كان عارفًا بالله تعالى، ومعرفته كانت بالشرع؛ لأنه كان مُتعبِّدًا بشريعة إبراهيم عليه السلام قبل نزول شَرْعه ﷺ.
فإن قيل: ما تقولون في الأطفال والمجانين؟ هل هم عارفون بالله تعالى أم غير عارفين بالله لأنهم لا عقل لهم؟
قيل له: إن هذا يُوجِب أن يكونوا كفارًا؛ لأن من ليس بعارف بالله تعالى فهو كافر به، وقد أجمع المسلمون على أنهم غير كافرين مع عدم عقولهم.
وجوابٌ آخرٌ وهو: أن الصبي يصح عندنا إسلامه وردته، وأما في حال الطفولية فهو تابعٌ لأبويه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ﴾ [الطور: ٢١]، فجعل الطفل تبعًا لغيره.