باب مقام أبي عبد الله في العسكر
بَاب مقَام أبي عبد الله فِي الْعَسْكَر
قَالَ أَبُو الْفضل: أنْزِلْ أبي دَار إيتاخ فجَاء عَليّ بن الجهم، فَقَالَ: قد أَمر لكم أَمِير الْمُؤمنِينَ بِعشْرَة الآف مَكَان الَّتِي فرقها، وأمر أَن لَا يعلم شيخكم بذلك فيغتم، ثمَّ جَاءَهُ مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة فَقَالَ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يكثر ذكرك، وَيَقُول: تقيم هَا هُنَا تحدث.
فَقَالَ: أَنا ضَعِيف، ثمَّ وضع أُصْبُعه على بعض أَسْنَانه، فَقَالَ: إِن بعض أسناني يَتَحَرَّك، وَمَا أخْبرت بذلك وَلَدي.
ثمَّ وَجه إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا تَقول فِي بهيمتين انتطحتا، فعقرت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى، فَسَقَطت فذبحت.
فَقَالَ: إِن كَانَ أطرف بِعَيْنِه أو مَصَع بِذَنبِهِ، وسال دَمه: يُؤْكَل.
قَالَ أَبُو الْفضل: ثمَّ صَار إِلَيْهِ يحيى بن خاقَان، فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الله، قد أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن أصير إِلَيْك لتركب إِلَى أبي عبد الله، ثمَّ قَالَ لي: أمرني أَن قطع لَهُ سوادا وطيلسانا وقلنسوة، فَأَي قلنسوة تلبس؟
فَقلت لَهُ: مَا رَأَيْته لبس قلنسوة قطّ، فَقَالَ لَهُ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أَمر أن يصير لَك مرتبَة فِي أَعلَى الْمَرَاتِب، وَيصير أَبُو عبد الله فِي حجرك، ثمَّ قَالَ: قد أمرني أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يجْرِى عَلَيْكُم، وعَلى قراباتك أَرْبَعَة الآف دِرْهَم، تفرقها عَلَيْهِم، ثمَّ أعَاد يحيى من الْغَد، فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الله، تركب؟
قَالَ: ذَاك إِلَيْكُم.
فَقَالَ: أستخير الله، فَلبس إزَاره وخفيه، وَقد كَانَ خفه قد أَتَى عِنْده نَحْو من خَمْسَة عشر سنة، قد رقع برقاع عدَّة.
فَأَشَارَ يحيى إِلَى أَن يلبس قلنسوة.
فَقَالَ: كَيفَ يدْخل عَلَيْهِ حاسرا، وَيحيى قَائِم، فطلبنا لَهُ دَابَّة يركبهَا، فَقَالَ يحيي: يُصَلِّي، فَجَلَسَ على التُّرَاب، وَقَالَ: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وفيهَا نعيدكم﴾ ثمَّ ركب بغل بعض التُّجَّار، فمضينا مَعَه حَتَّى أَدخل دَار المعتز، فأجلس فِي بَيت الدهليز، ثمَّ جَاءَ يحيي فَأخذ بِيَدِهِ حَتَّى أدخله وَرفع لنا السّتْر وَنحن نَنْظُر.
وَكَانَ المعتز قَاعِدا على دكان فِي الدَّار، وَكَانَ قد تقدم يحيى إِلَيْهِ، فَقَالَ: لَا تمد يدك إِلَيْهِ، فَلَمَّا صعد الدّكان قعد.
فَقَالَ لَهُ يحيى: يَا أَبَا عبد الله، إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ جَاءَ ليأنس بقربك، يصير أَبَا عبد الله فِي حجرك.
فأخبرني بعض الخدم أَن المتَوَكل كَانَ قَاعِدا وَرَاء ستر، فَلَمَّا دخل الدَّار قَالَ لأمه: يَا أُمَّاهُ، قد أنارت الدَّار.
ثمَّ جَاءَ خَادِم بمناديل فأخذ يحيى المنديل واخرج مِنْهُ مبطنه فِيهَا قَمِيص فَادْخُلْ يَده فِي جيب الْقَمِيص والمبطنة ثمَّ أَخذ بيد أبي فأقامه ثمَّ أَدخل الْقَمِيص والمبطنة فِي راسة ثمَّ ادخل يَده الْيُمْنَى وَكَذَلِكَ الْيَسَار وَهُوَ لَا يُحَرك يَده ثمَّ اخذ قلنسوة فوضعها على رَأسه والبسه طيلسانا ولحفه بِهِ وَلم يجيئوا بخف فَبَقيَ الْخُف عَلَيْهِ ثمَّ انْصَرف وَكَانُوا قد تحدثُوا انه لَا يخلع عَلَيْهِ السوَاد فَلَمَّا صَار إِلَى الدَّار نزع الثِّيَاب عَنهُ ثمَّ جعل يبكي ثمَّ قَالَ سلمت من هَؤُلَاءِ مُنْذُ سِتِّينَ سنة حَتَّى إِذا كَانَ اخر عمري بليت بهم مَا احسبني سلمت من دخولي على هَذَا الْغُلَام فَكيف بِمن يجب عَليّ نصحه من وَقت يَقع عَيْني عَلَيْهِ إِلَى أَن أخرج من عِنْده _
ثمَّ قَالَ يَا صَالح وَجه بِهَذِهِ الثِّيَاب إِلَى بَغْدَاد يُبَاع وَيتَصَدَّق بِثمنِهَا وَلَا يَشْتَرِي أحد مِنْكُم مِنْهَا شَيْئا
قَالَ أَبُو الْفضل فوجهت بهَا إِلَى يَعْقُوب بن بحتان فَبَاعَهَا وَفرق ثمنهَا وَبقيت عِنْدِي القلنسوة ثمَّ اُخْبُرْنَا الدَّار الَّتِي هُوَ فِيهَا ايتاخ فَقَالَ اكْتُبْ رقْعَة إِلَى مُحَمَّد بن الْجراح لتعفي لي من هَذِه الدَّار فكتبنا رقْعَة فامر المتَوَكل أَن يُعْفَى مِنْهَا وَوجه إِلَى قوم لِيخْرجُوا مَنَازِلهمْ فَسَأَلَ أَن يُعْفَى من ذَلِك واكتريت لَهُ دَار بِمِائَتي دِرْهَم فَصَارَ إِلَيْهَا واجرى لنا مائدة وثلج وَضرب الحنيش فَلَمَّا رأى الحنيش والطبري نحى نَفسه عَن ذَلِك الْموضع والقى نَفسه على مضربة لَهُ واشتكت عينه وبرئت قَالَ أَلا تعجب كَانَ عَيْني تَشْتَكِي فَمَكثَ حِين حَتَّى يبرا ثمَّ قد بَرِئت فِي سرعَة وَجعل يواصل يفْطر فِي كل ثَلَاث على تمر وَسَوِيق فَمَكثَ بذلك خمس عشر يفْطر فِي كل ثَلَاث ثمَّ جعل بعد ذَلِك يفْطر لَيْلَة وَلَيْلَة لَا يفْطر إِلَّا على رغيف وَكَانَ إِذا جىء بالمائدة تُوضَع فِي الدهليز لكَي لَا يَرَاهَا فيأكل من حضر وَكَانَ إِذا أجهده الْحر بل خرقَة فَيَضَعهَا على صَدره وَفِي كل يَوْم يُوَجه المتَوَكل إِلَيْهِ بِابْن ماسويه فَينْظر إِلَيْهِ - وَيَقُول لَهُ يَا أَبَا عبد الله أَنا أميل إِلَيْك وَإِلَى أَصْحَابك وَمَا بك عِلّة إِلَّا الضعْف وَقلة الدَّد
فَقَالَ لَهُ ابْن ماسويه أَنا امرنا عبادنَا بِأَكْل دهن الْخلّ فانه يلين وَجعل يَجِيئهُ بالشَّيْء ليشربه فيصبه
وَقطع لَهُ يحيى دراعة وطليسانا سوادا، وَجعل يَعْقُوب وعتاب يصيران إِلَيْهِ فَيَقُولَانِ لَهُ يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا تَقول فِي ابْن دؤاد فِي مَاله - فَلَا يُجيب فِي ذَلِك
وَجعل يَعْقُوب وعتاب يخبرانه بِمَا يحدث من أَمر ابْن أبي دؤاد فِي كل يَوْم ثمَّ انحدر ابْن أبي دؤاد إِلَى بَغْدَاد فاشهد عَلَيْهِ بِبيع ضياعة وَكَانَ رُبمَا صَار إِلَيْهِ يحيى بن خاقَان وَهُوَ يُصَلِّي فيجلس فِي الدهليز حَتَّى يفرغ ويجىء عَليّ بن الجهم فينزع سَيْفه وقلنسوته وَيدخل عَلَيْهِ وامر المتَوَكل أَن يَشْتَرِي لنا دَارا
فَقَالَ يَا صَالح قلت لبيْك لَئِن أَقرَرت لَهُم بشرَاء دَار ليَكُون القطيعة بيني وَبَيْنكُم إِنَّمَا تُرِيدُونَ أَن تصيروا هَذَا الْبَلَد لي مأوى ومسكنا _
فَلم يزل يدْفع شِرَاء الدَّار حَتَّى انْدفع وَصَارَ إِلَى صَاحب الْمنزل فَقَالَ أُعْطِيك كل شهر ثَلَاثَة آلَاف مَكَان الْمَائِدَة - فَقلت لَا افْعَل
وَجعلت رسل المتَوَكل تَأتيه يسألونه عَن خَبره فيصيرون إِلَيْهِ وَيَقُولُونَ لَهُ هُوَ ضَعِيف وَفِي خلال ذَلِك يَقُولُونَ يَا أَبَا عبد الله لَا بُد من أَن يراك فيسكت فَإِذا خَرجُوا قَالَ إِلَّا تعجب من قَوْله لَا بُد من أَن يراك وَمَا عَلَيْهِم من أَن يراني _
وَكَانَ فِي هَذِه الدَّار حجرَة صَغِيرَة فِيهَا بيتان فَقَالَ أدخلوني تِلْكَ الْحُجْرَة وَلَا تسرجوا سِرَاجًا فأدخلناه إِلَيْهَا فَجَاءَهُ يَعْقُوب فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ مشتاق إِلَيْك وَيَقُول: انْظُر إِلَى الْيَوْم الَّذِي تصير إِلَيْهِ فِيهِ أَي يَوْم هُوَ حَتَّى اعرفه - فَقَالَ ذَاك إِلَيْكُم فَقَالَ يَوْم الْأَرْبَعَاء يَوْم خَال وَخرج يَعْقُوب فَلَمَّا كَانَ الْغَد جَاءَ فَقَالَ الْبُشْرَى يَا أَبَا عبد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام وَيَقُول قد أعفيتك من لبس السوَاد وَالرُّكُوب إِلَى وَالِي وُلَاة العهود وَإِلَى الدَّار فان شِئْت فالبس الْقطن وان شِئْت فالبس الصُّوف فَجعل يحمد الله على ذَلِك د
وَقَالَ لَهُ يَعْقُوب إِن لي ابْنا وَأَنا معجب وَله فِي قلبِي موقع فاحب أَن تحدثه بِأَحَادِيث فَسكت
فَلَمَّا خرج قَالَ أتراه لَا يرى مَا أَنا فِيهِ
قَالَ أَبُو الْفضل كَانَ أبي يخْتم من جُمُعَة إِلَى جُمُعَة فَإذْ ختم دَعَا فيدعو ونؤمن على دُعَائِهِ فَلَمَّا كَانَ غَدَاة الْجُمُعَة وَجه إِلَيّ وَإِلَى أخي عبد الله فَلَمَّا أَن ختم جعل يَدْعُو ونؤمن على دُعَائِهِ فَلَمَّا فرغ جعل يَقُول أستخير الله مرَارًا فَجعلت أَقُول مَا تُرِيدُ _
ثمَّ قَالَ إِنِّي أعطي الله عهدا أَن الْعَهْد كَانَ مسئولا وَقد قَالَ الله عز وجل ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ إِنِّي لَا أحدث حَدِيثا تَاما حَتَّى ألْقى الله وَلَا اسْتثْنِي مِنْكُم أحدا فخرجنا وَجَاء عَليّ بن الجهم فَقُلْنَا لَهُ فَقَالَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون فَأخْبر المتَوَكل بذلك
وَقَالَ إِنَّمَا يُرِيدُونَ أَن أحدث فَيكون هَذَا الْبَلَد حبسي وَإِنَّمَا كَانَ سَبَب الَّذين أَقَامُوا بِهَذَا الْبَلَد لما أعْطوا فقبلوا وَأمرُوا فَحَدثُوا وَكَانَ يخيرونه فَيتَوَجَّه لذَلِك وَجعل يَقُول وَالله لقد تمنيت الْمَوْت فِي الْأَمر الَّذِي كَانَ وَإِنِّي لأتمنى الْمَوْت فِي هَذَا وَذَاكَ إِن هَذَا فتْنَة الدُّنْيَا وَكَانَ ذَاك فتْنَة الدّين ثمَّ جعل يضم أَصَابِع يَده وَيَقُول لَو كَانَت نَفسِي فِي يَدي لأرسلتها ثمَّ يفتح أَصَابِعه وَكَانَ المتَوَكل يُوَجه إِلَيْهِ فِي كل وَقت يسْأَل عَن حَاله وَكَانَ فِي خلال ذَلِك يُؤمر لنا بِالْمَالِ فَيَقُول يُوصل إِلَيْهِم وَلَا يعلم شيخهم فيغتم مَا يُرِيد مِنْهُم إِن كَانَ هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ الدُّنْيَا فَمَا يمنعهُم
وَقَالَ للمتوكل إِنَّه - كَانَ - لَا يَأْكُل من طَعَامك وَلَا يجلس على فرشك وَيحرم الَّذِي تشرب فَقَالَ لَهُم لَو نشر لي المعتصم لم أقبل مِنْهُ.