فَصْلٌ
وأن الله تعالى واحد أحد، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وليس بجسم ولا جارحة، ولا شبه بشيء من المخلوقات، بل هو شيء لا كالأشياء.
قال الإمام أحمد رحمه الله: إن الله تعالى أثبت أنه شيء بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩]، ونفى عن نفسه الشبه بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وقال الإمام أحمد رحمه الله: من شبه الله بخلقه فقد كفر بذلك.
وقالت النجارية ومن وافقهم: إن الله تعالى شبه المخلوقات.
وقال هشام بن عمرو بن الحكم الفوطي: إن الله تعالى جسم لا كالأجسام. ومنهم من قال: إنه شيء لا كالأشياء.
دليلنا: قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، معناه: ليس كمثل صفاته صفات ولا مثال ذاته ذات.
دليلٌ ثان: قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، معناه: لم يكن له مثل ولا شبه.
دليلٌ ثالث: قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، معناه: هل تعلم له مثلاً وشبيهاً.
دليلٌ رابع: ما روي أن نجدة الحروري سأل ابن عباس رضي الله عنهما فقال: بماذا تعرف ربك يا ابن عباس؟ فقال: «مَن أخذ دينه بالقياس ذهب ذهنه في التباس، مائل عن المنهاج طاعن في الاعوجاج، أعرفه بما عرفني بنفسه، وأصفه بما وصف به نفسه، لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس».
دليلٌ خامس: هو أن حقيقة المثلين والشبهين ما سد أحدهما مسد الآخر، وناب منابه وشابهه من جميع الوجوه، ولو جاز أن يكون مشبهاً لسد مسده، وناب منابه، وبالإجماع أنه خلاف ذلك، وهو باطل بالإجماع؛ لأن الإجماع منعقد على أن الباري لا شبه له.
دليلٌ سادس: أنه لو كان مشبهاً بالعالم، لم يخلُ إما أن يكون مشبهاً لجميعه أو لبعضه، لا يجوز أن يكون مشبهاً لجميع العالم؛ لأنه تعالى ذات واحدة، والذات الواحدة لا تجوز أن تكون مشبهة بالأشياء المختلفة المتضادة؛ لأنه لو كان كذلك لكان قائماً بنفسه من حيث إنه شبه الجواهر، ومؤلف من حيث إنه أشبه الأجسام، ومتحيزاً وحاملاً للأعراض؛ لأن هذه صفة الأجسام والجواهر، فبطل بذلك أن يكون مشبهاً لجميع العالم من الجواهر والأعراض وغيرها، ويستحيل أيضاً أن يشبه الأعراض جميعها؛ لأنها مختلفة متضادة، والشيء الواحد لا يشبه الشيء وضده؛ ولأن الأعراض لا تقوم بأنفسها، والباري تعالى قائم بنفسه، ولا يجوز أن يكون من جنس الجواهر؛ لأن ذلك يوجب كونه حاملاً للأعراض، وقد فنّدنا ذلك.
ولا يجوز أن يكون جسماً؛ لأنه لا يخلو إما أن يقولوا هو عبارة عن الطويل، والعريض، والعميق، أو يسمونه جسماً بغير وصفه بذلك، لا جائز أن يصفه بأنه طويل أو عريض أو عميق، أو أن يصفه بمجموع صفاته المذكورة؛ لأن هذه صفة المحدث المجتمعة، وقد أثبتنا بأن الباري تعالى واحد بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، وقد ذكرنا بأن الاسمية لا تثبت بالقياس، وإنما تؤخذ توقيفاً ولم يُسَمِّ الله تعالى نفسه جسماً ولا سماه بذلك رسوله.
فإن قيل: لمّا جاز أن يقول: إنه شيء لا كالأشياء؛ جاز أن يقول: جسماً لا كالأجسام.
والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن قولنا: شيء؛ عبارة عن وجوده لا عن كيفيته، وقولهم: جسم، عبارة عن كيفية.
الثاني: نقول: إنه شيء لأنه سمى نفسه شيئاً، ولم يقل جسماً، لأنه تعالى لم يُسَمِّ نفسه بذلك ولا سماه به رسوله.